تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ولقائه مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في 15 سبتمبر 2026 باعتبارها قمة تنعقد في توقيت استثنائي تختبر فيه المنطقة قدرتها على حماية مصالحها وسط اضطراب متزايد في البيئة الأمنية والاقتصادية المحيطة بها والرسالة الأهم أن القاهرة والرياض تدركان أن أمن الخليج لم يعد منفصلاً عن أمن البحر الأحمر وأن أمن البحر الأحمر لم يعد منفصلاً عن قناة السويس والتجارة العالمية وأن أمن الطاقة أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن الممرات البحرية ويأتي ملف أمن الطاقة والملاحة في مقدمة الملفات الاستراتيجية التي تفرض نفسها على القاهرة والرياض.
ويجب النظر الى أمن هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس باعتباره منظومة واحدة مترابطة وهذه المعادلة تجعل التعاون المصري السعودي في أمن الملاحة ذا طبيعة استراتيجية طويلة الأجل وأبرز رسالة تحملها القمة إلى العالم أن الدول العربية الرئيسية تسعى إلى امتلاك قدرة أكبر على إدارة قضايا أمنها ومصالحها دون الانغلاق عن الشراكات الدولية ودون الدخول في سياسة المحاور.
وتكتسب هذه الرسالة وزناً إضافياً لأن مصر والسعودية تجمعان بين عناصر قوة مختلفة ومتكاملة نسبياً فتملك مصر الموقع الجغرافي والثقل السكاني والخبرة الدبلوماسية ودور الوساطة في أزمات المنطقة بينما تمتلك السعودية ثقلاً اقتصادياً وطاقوياً ودبلوماسياً كبيراً وتأثيراً واسعاً في العالمين العربي والإسلامي ومن ثم فإن التنسيق بينهما يمكن أن يشكل أحد مراكز الثقل في النظام الإقليمي العربي.
وبعيداً عن السياسة والأمن، تحمل الزيارة بعداً اقتصادياً بالغ الأهمية فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين مصر والسعودية إلى 7.1 مليار دولار خلال النصف الأول عام 2026 مقابل 5.9 مليار دولار في الفترة نفسها عام 2025 بنسبة نمو 19.7% وارتفعت الصادرات المصرية إلى السعودية بنسبة 20.5% إلى 1.8 مليار دولار مقابل واردات مصرية بلغت 5.3 مليار دولار كما بلغت تحويلات المصريين العاملين في السعودية 12 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025 بزيادة 50.6% عن العام السابق وهنا يجب أن ينتقل التفكير من مجرد زيادة أرقام التجارة والاستثمار إلى بناء تكامل اقتصادي حقيقي.
وتبرز قطاعات الصناعة والطاقة واللوجستيات والسياحة والأمن الغذائي والتكنولوجيا والخدمات المالية باعتبارها مجالات مرشحة لتوسيع الشراكة كما يمثل الربط الكهربائي المصري السعودي المستهدف بقدرة تصل إلى 3000 ميجاوات نموذجاً مهماً للتكامل في أمن الطاقة وهو مشروع تؤكده وزارة الكهرباء المصرية ضمن مشروعات الربط الإقليمي.
ومن منظور استراتيجي، فإن التكامل الاقتصادي قد يكون أكثر استدامة من مجرد الاستثمارات المالية لأن إقامة مشروعات إنتاجية مشتركة تعني خلق وظائف وزيادة الصادرات وتوطين التكنولوجيا وربط سلاسل القيمة بين البلدين .
والسؤال : هل نحن أمام مرحلة جديدة؟ الإجابة نعم ولكن ليس بمعنى تشكيل محور مغلق أو تحالف موجه ضد طرف ثالث والأدق أن القاهرة والرياض تتحركان نحو تنسيق استراتيجي أكثر انتظاماً ومرونة يهدف إلى حماية المصالح المشتركة والتعامل مع الأزمات الإقليمية من خلال التشاور المستمر في ملفات مثل السودان والبحر الأحمر واليمن وفلسطين وأمن الخليج حيث تتداخل المصالح المصرية والسعودية بدرجات مختلفة.
ولكن يجب عدم المبالغة في تصور وجود تطابق كامل في السياسات فلكل دولة حساباتها الوطنية والجغرافية والأمنية وأولوياتها الخاصة فالسعودية تنظر بصورة مباشرة إلى أمن الخليج والطاقة وإيران واليمن بينما ترتبط الحسابات المصرية بصورة أكبر بغزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر وقناة السويس وأمن الحدود وهذا الاختلاف ليس بالضرورة نقطة ضعف بل يمكن أن يكون مصدر قوة إذا جرى توظيفه في إطار تقسيم الأدوار وتكامل الأدوات.
وفى الختام، فان قمة السيسي ومحمد بن سلمان في القاهرة تأتي في لحظة تاريخية تتغير فيها قواعد الأمن الإقليمي بسرعة ولذلك فإن أهميتها الحقيقية لا تكمن فقط في الملفات التي تمت مناقشتها وإنما في إعادة تعريف مفهوم المصالح المشتركة بين القاهرة والرياض. فالمعادلة الجديدة تقول إن أمن الطاقة يرتبط بالممرات البحرية والممرات البحرية ترتبط بالتجارة والتجارة ترتبط بالاستقرار السياسي والاستقرار السياسي يرتبط بتسويات أزمات المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
ان عدم صدور بيان مشترك قد يعكس ببساطة طبيعة الزيارة وتوقيتها كونها زيارة عمل أو رغبة كل طرف في الاحتفاظ بهامش مستقل من الحركة الدبلوماسية خصوصاً أن الملفات المطروحة شديدة الحساسية ومتغيرة بسرعة وعليه ، يمكن النظر إلى القمة باعتبارها خطوة مهمة نحو بناء مركز ثقل عربي أكثر تنسيقاً وليس بالضرورة نحو إنشاء محور سياسي مغلق وإذا نجحت مصر والسعودية في تحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات اقتصادية وإجراءات عملية لحماية الملاحة والطاقة وإلى تنسيق عربي أكثر فاعلية تجاه فلسطين والأزمات الإقليمية فإن الشراكة بينهما لن تقتصر على حماية المصالح المشتركة بل يمكن أن تصبح أحد أهم مكونات إعادة التوازن في النظام الإقليمي العربي.
ولن يكون الاختبار الحقيقي بعد القمة في قوة البيانات السياسية وإنما في قدرة القاهرة والرياض على تحويل التفاهم الاستراتيجي إلى سياسات قابلة للتنفيذ وشراكات اقتصادية منتجة وموقف عربي أكثر تأثيراً دون الانجرار إلى الاستقطاب أو المواجهة المفتوحة.