الصين تدفع 18 قمرا إلى الفضاء في يوم واحد لملاحقة ستارلينك
دفعت الصين خلال أقل من 24 ساعة بـ18 قمرا صناعيا جديدا تابعا لشبكة «تشيانفان» إلى الفضاء، في مؤشر على تسارع جهود بكين لبناء شبكة ضخمة من الأقمار الصناعية لتوفير خدمات الإنترنت الفضائي، في محاولة لملاحقة شبكة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس» الأمريكية.
وأطلقت الصين، الأربعاء، صاروخ «غرافيتي 1» من منصة بحرية قبالة سواحل شنغهاي، حاملا 9 أقمار صناعية، بينها 8 أقمار تابعة لشبكة «تشيانفان»، إلى جانب قمر تجريبي للاتصالات.
وذكرت وكالة أنباء «شينخوا» أن حمولة الصاروخ تجاوزت 3 أطنان، فيما بلغ ارتفاع المدار الذي وصلت إليه الأقمار نحو 800 كيلومتر، ليسجل الإطلاق رقمين قياسيين صينيين للعمليات البحرية، من حيث وزن الحمولة والارتفاع المداري.
وجاءت هذه المهمة بعد أقل من 24 ساعة من إرسال 10 أقمار صناعية أخرى تابعة لشبكة «تشيانفان» إلى الفضاء، ما يعني أن الصين أضافت 18 قمرا إلى الشبكة خلال نحو يوم واحد.
ويطرح تسارع وتيرة الإطلاقات تساؤلات بشأن ما إذا كانت بكين بدأت فعليا في تقليص الفجوة مع «ستارلينك»، أم أن الطريق لا يزال طويلا أمامها للحاق بالشبكة الأمريكية.
فجوة كبيرة وطموحات أكبر
ورغم تسارع الإطلاقات الصينية، لا تزال الأرقام الحالية تعكس فجوة واسعة بين الشبكتين، وبحسب «رويترز»، تجاوز عدد أقمار «ستارلينك»، التابعة لشركة «سبيس إكس»، 11 ألف قمر صناعي، في حين لا يزال عدد الأقمار التابعة لشبكة «تشيانفان» الصينية في حدود المئات.
لكن بكين تضع خططا لتغيير هذه المعادلة تدريجيا، إذ تستهدف توسيع شبكة «تشيانفان» على مراحل لتصل في نهاية المطاف إلى أكثر من 15 ألف قمر صناعي.
ولا تقتصر طموحات الصين على «تشيانفان»، إذ تعمل أيضا على شبكة أخرى تحمل اسم «غووانغ»، ومن المخطط أن تضم نحو 13 ألف قمر صناعي.
وبذلك يصل إجمالي عدد الأقمار المستهدف للشبكتين إلى أكثر من 28 ألف قمر، وهو رقم يتجاوز بكثير الحجم الحالي للشبكات الصينية العاملة في المدار.
ويرى مجدي سعد، رئيس تحرير مجلة «علم وعالم» اللبنانية، أن الصين تمتلك المقومات الصناعية والتقنية اللازمة لدخول منافسة طويلة الأمد مع «ستارلينك»، لكنها تحتاج إلى مزيد من الوقت لتقليص الفارق الحالي.
وقال سعد، في تصريحات صحفية: «تمتلك الصين القدرة الصناعية والتقنية لمنافسة ستارلينك على المديين المتوسط والطويل، لكنها لا تزال في مرحلة التأسيس، وتعمل بصورة متواصلة على تقليص الفجوة التشغيلية الهائلة».
وبالتالي، لا تتمثل المنافسة في الوقت الراهن في عدد الأقمار الموجودة بالفعل في الفضاء، إذ لا تزال «ستارلينك» تتمتع بفارق كبير، وإنما في قدرة الصين على تحويل خططها لإنشاء شبكات تضم عشرات الآلاف من الأقمار إلى منظومات تعمل بكفاءة على أرض الواقع.
أين تتفوق «ستارلينك»؟
تتمثل إحدى أبرز نقاط قوة «ستارلينك» في أن الشركة التي تدير الشبكة، «سبيس إكس»، تمتلك أيضا الصواريخ المستخدمة في إطلاق أقمارها الصناعية.
وتعتمد «سبيس إكس» على صواريخ «فالكون 9» القابلة لإعادة الاستخدام، وهو ما يتيح لها تنفيذ عمليات إطلاق متكررة وخفض تكاليف الوصول إلى الفضاء مقارنة بالصواريخ التي تستخدم لمرة واحدة.
وقال سعد إن «قدرة سبيس إكس على إيصال أقمار ستارلينك بتكلفة منخفضة نسبيا ترتبط بامتلاكها صاروخ فالكون 9، الذي يمكن استخدامه أكثر من مرة».
في المقابل، لم تصل الصواريخ الصينية القابلة لإعادة الاستخدام حتى الآن إلى مستوى التشغيل التجاري المنتظم الذي وصلت إليه منظومة الإطلاق التابعة لـ«سبيس إكس».
وتشكل هذه المسألة إحدى العقبات الرئيسية أمام الطموح الصيني، إذ إن تصنيع آلاف الأقمار الصناعية وحده لن يكون كافيا إذا لم تتمكن بكين من نقل هذه الأقمار إلى الفضاء بالسرعة والتكلفة اللازمتين لبناء شبكة ضخمة.
ويفسر ذلك جزئيا توسع الصين في الاعتماد على الشركات التجارية ومنصات الإطلاق البحرية.
فإطلاق «غرافيتي 1» الأخير من البحر يمنح الصين مسارا إضافيا إلى الفضاء إلى جانب قواعد الإطلاق البرية، كما يمكن أن يساعد على زيادة عدد المهمات التي تستطيع تنفيذها، وتوسيع خياراتها في عمليات الإطلاق.
التصنيع الكمي.. ورقة الصين
وفي مواجهة أفضلية «سبيس إكس» في مجال الإطلاق وإعادة استخدام الصواريخ، تراهن الصين بصورة كبيرة على قدراتها الصناعية والإنتاجية.
وقال سعد إن من أبرز نقاط القوة الصينية «القدرة على التصنيع الكمي وإنتاج أعداد كبيرة من الأقمار الصناعية، إلى جانب خطوط التجميع والخبرة الطويلة التي تراكمت لديها في هذا المجال».
وتكشف المهمتان اللتان نفذتهما الصين خلال أقل من 24 ساعة عن محاولة واضحة لزيادة وتيرة العمل، إذ استخدمت بكين خلال هذه الفترة صاروخين تجاريين مختلفين لإرسال أقمار تابعة لشبكة «تشيانفان» إلى الفضاء.
وفي حال تمكنت الشركات الصينية من تطوير صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام وتشغيلها بصورة منتظمة، فإن إحدى أبرز نقاط التفوق الحالية التي تتمتع بها «سبيس إكس» في مجال الإطلاق قد تبدأ في التراجع.
لكن المنافسة بين الشبكات لا تتعلق فقط بعدد الأقمار الصناعية أو الصواريخ المستخدمة لإطلاقها.
فإنشاء شبكة إنترنت فضائي واسعة النطاق يتطلب أيضا الحصول على الترددات المناسبة، وتأمين المسارات المدارية، وتطوير البنية التحتية الأرضية، فضلا عن الوصول إلى أسواق قادرة على استيعاب الخدمات.
وتستفيد «ستارلينك» في هذه المجالات من دخولها المبكر إلى سوق الإنترنت الفضائي، ومن الوقت الذي أتاح لها توسيع شبكتها وتطوير بنيتها التشغيلية وخدماتها في عدد من الأسواق.
أين يمكن للصين المنافسة؟
قد تمثل الأسواق الواقعة خارج الولايات المتحدة والدول الغربية إحدى أهم الأوراق التي يمكن أن تعتمد عليها الصين في توسيع حضور شبكاتها الفضائية.
ويرى سعد أن لدى الصين فرصة أكبر للمنافسة في أسواق آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ولا سيما الدول التي تبحث عن بدائل لخدمات الإنترنت الفضائي الأمريكية.
وقال: «لا تستطيع الصين على الأرجح منافسة سبيس إكس بسهولة داخل الولايات المتحدة والأسواق الغربية، لكنها تعمل على بناء سوق لها في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وخاصة في الدول التي تبحث عن بدائل لستارلينك».
وقد تصبح الأسعار عاملا إضافيا في هذه المنافسة، إذا تمكنت الصين من توظيف قدراتها في الإنتاج واسع النطاق لخفض تكلفة تصنيع الأقمار الصناعية، ومن ثم تقليل تكلفة الخدمات المقدمة للمستخدمين.
ولا يقتصر سوق الإنترنت الفضائي على توفير الاتصال للمنازل، وإنما يمتد إلى المناطق النائية التي يصعب ربطها بشبكات الاتصالات التقليدية، إلى جانب السفن والطائرات، وخدمات الاتصال المباشر بالهواتف المحمولة، وإنترنت الأشياء.



