حسين فرحات: هناك ضروره لتنظيم سوق الوساطة العقارية بإعتبارها أكثر انضباطا وشفافية
قال الدكتور حسين فرحات، خبير التطوير العقاري: إن سوق الوساطة العقارية في مصر يقف أمام مرحلة جديدة من التطور خلال السنوات المقبلة، لن يكون عنوانها اختفاء شركات الوساطة أو تراجع دورها، وإنما إعادة تنظيم المهنة وإعادة تعريف القيمة التي تقدمها للمطور والعميل، بما يجعل الوساطة
.وأوضح "فرحات" أن السنوات الماضية شهدت توسعًا كبيرًا في أعداد شركات وأفراد العاملين في التسويق والوساطة العقارية، بالتوازي مع النمو المتواصل في حجم المعروض والمشروعات، إلا أن هذا التوسع لم يصاحبه بالقدر نفسه تطور في قواعد ممارسة المهنة أو معايير واضحة تفرق بين الوسيط المحترف وبين النشاط العشوائي، وهو ما جعل تنظيم سوق الوساطة ضرورة مرتبطة مباشرة باستقرار القطاع العقاري ككل.
وأشار إلى أن الوسيط العقاري أصبح اليوم طرفًا مؤثرًا في دورة السوق، وليس مجرد حلقة بين البائع والمشتري، فهو يؤثر في قرارات العملاء، وسرعة تصريف المشروعات، وطريقة تسعير المنتجات، والصورة الذهنية للمطورين، وبالتالي فإن تنظيم هذه الحلقة أصبح جزءًا من تنظيم السوق نفسه.
وأكد "فرحات" أن المرحلة المقبلة ستفرض تحولًا تدريجيًا في طبيعة عمل شركات الوساطة، من الاعتماد على قاعدة بيانات العملاء والعلاقات الشخصية وإعادة توزيع الإعلانات، إلى بناء مؤسسات لديها هيكل واضح، وفرق مدربة، ونظم لإدارة العملاء، وسياسات معلنة للتعامل مع المطورين والعملاء، وقدرة حقيقية على تقديم الاستشارة وليس مجرد نقل عروض البيع.
وأضاف أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي سيؤديان دورًا مهمًا في تسريع هذا التحول، لكنهما لن يكونا البديل عن الوسيط، وإنما سيغيران طبيعة العمل الذي يقوم به؛ فالمعلومات التي كان الوسيط يستغرق وقتًا للوصول إليها ستصبح أكثر سهولة، وبالتالي ستنتقل قيمة الوسيط تدريجيًا من «امتلاك المعلومة» إلى «تحليل المعلومة» ومساعدة العميل على اتخاذ القرار وإدارة العملية البيعية حتى إتمام الصفقة.
ولفت "فرحات" إلى أن تنظيم شركات الوساطة يجب أن ينظر إليه باعتباره أحد الحلول المهمة للتحديات التي يواجهها القطاع العقاري حاليًا، لأن وجود سوق وساطة أكثر مهنية يعني تقليل مساحة الممارسات غير المنضبطة، ورفع جودة المعلومات المتداولة، وتحسين تجربة العميل، وزيادة قدرة المطور على الوصول إلى العميل الحقيقي بدلًا من الاعتماد على مضاربات تسويقية قصيرة الأجل.
وأوضح أن أحد التغيرات المهمة خلال الفترة المقبلة سيكون انتقال السوق من فكرة «الوسيط الذي يبيع أي منتج» إلى «الوسيط المتخصص»، بحيث تظهر شركات وكيانات لديها خبرات محددة في أنواع معينة من المنتجات أو المناطق أو شرائح العملاء، وهو ما سيرفع مستوى المنافسة ويجعل العميل أكثر قدرة على اختيار الجهة التي يتعامل معها وفقًا للخبرة والقيمة المضافة.
وأشار "فرحات" إلى أن العلاقة بين المطور وشركة الوساطة ستتغير كذلك، فالمطور لن يكون بحاجة فقط إلى شركة تستطيع توفير عدد كبير من العملاء، وإنما إلى شريك مبيعات قادر على قراءة السوق، وتحليل سلوك الطلب، وتحديد الشرائح المستهدفة، وتقديم معلومات حقيقية عن اعتراضات العملاء واتجاهات السوق، بما يساعد المطور نفسه على تحسين المنتج وسياسات التسعير وآليات البيع.
وأكد أن تنظيم المهنة يجب أن يسير بالتوازي مع رفع كفاءة العاملين بها، من خلال وضع معايير واضحة للترخيص والممارسة والتدريب والإفصاح، وتنظيم العلاقة التعاقدية بين المطور وشركة الوساطة والعميل، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف ويقلل النزاعات الناتجة عن المعلومات غير الدقيقة أو الممارسات التسويقية غير المهنية.
وأضاف أن السوق العقاري لا يحتاج فقط إلى زيادة حجم المبيعات، وإنما إلى رفع جودة المبيعات نفسها، لأن الصفقة العقارية تختلف عن كثير من السلع الأخرى من حيث قيمتها وفترة الالتزام بها وتأثيرها على مدخرات الأسر والاستثمارات، وبالتالي فإن وجود وسيط مهني وملتزم أصبح عنصرًا مهمًا في حماية دورة السوق وليس مجرد أداة لتسريع البيع.
وشدد "فرحات" على أن السنوات الثلاث المقبلة قد تشهد فرزًا واضحًا داخل سوق الوساطة، بحيث تتراجع تدريجيًا المساحة المتاحة أمام النشاط غير المنظم، في مقابل نمو الشركات التي تستطيع إثبات قدرتها على تقديم خدمة حقيقية قائمة على البيانات والتحليل وإدارة العملاء والتفاوض، مؤكدًا أن هذا الفرز لن يكون ضد الوساطة العقارية، وإنما لصالح تطويرها وتحويلها إلى صناعة أكثر احترافية.
واختتم "فرحات" بالتأكيد على أن تنظيم الوساطة العقارية يجب أن يكون جزءًا من الرؤية الأشمل لتنظيم السوق العقاري، لأن ضبط العلاقة بين المطور والوسيط والعميل يخلق حلقة أكثر استقرارًا داخل المنظومة، ومع انتقال القطاع إلى مرحلة جديدة من النضج، ستصبح قوة شركة الوساطة في مهنيتها وقدرتها على صناعة القرار العقاري، وليس في عدد الإعلانات أو حجم قاعدة البيانات فقط.