محمود أبو الخير: التحولات الديموغرافية مدخل لصياغة مستقبل التطوير العقاري في مصر
أكد المهندس محمود أبو الخير، عضو أمانه الإسكان المركزيه بحزب مستقبل وطن، إن قراءة التحولات الديموغرافية التي يشهدها المجتمع المصري أصبحت مدخلا مهما لصياغة مستقبل صناعة التطوير العقاري، موضحًا أن فهم حركة السكان وتغير التركيبة العمرية وحجم الأسر وأنماط المعيشة وتوزيع الدخول، لم يعد مجرد عنصر من عناصر الدراسات السكانية، وإنما أصبح أحد المحددات الرئيسية لفهم شكل الطلب العقاري خلال السنوات المقبلة.
وأوضح أن التطوير العقاري يرتبط في جوهره بحركة المجتمع، لأن الوحدة السكنية أو المشروع أو المدينة لا تُبنى بمعزل عن احتياجات السكان، وبالتالي فإن قراءة مستقبل السوق لا يمكن أن تعتمد فقط على مؤشرات المبيعات والأسعار وحجم المعروض، وإنما تحتاج إلى فهم أعمق لمن هم العملاء المحتملون خلال السنوات المقبلة، وكيف تتغير احتياجاتهم وقدراتهم الشرائية وأنماط بحثهم عن السكن والاستثمار.
وأضاف أبو الخير أن التحولات الديموغرافية لا تعني بالضرورة انخفاض الطلب العقاري، وإنما قد تعني إعادة تشكيل خريطة الطلب وطبيعة المنتجات التي يحتاجها السوق، فاختلاف أعمار السكان، وتغير حجم الأسرة، وتطور أنماط العمل والحياة، واتساع حركة الانتقال إلى المدن الجديدة، كلها عوامل يمكن أن تنقل الطلب من نوع من المنتجات العقارية إلى نوع آخر، ومن مناطق جغرافية إلى مناطق مختلفة، ومن مساحات وأنماط ملكية تقليدية إلى منتجات أكثر توافقًا مع احتياجات الأجيال الجديدة.
وأشار إلى أن مصر شهدت خلال السنوات الماضية توسعًا عمرانيًا كبيرًا وإنشاء عدد واسع من المدن والمجتمعات الجديدة، وهو ما يمثل تحولًا مهمًا في الخريطة العمرانية للدولة، إلا أن المرحلة المقبلة من صناعة التطوير العقاري تحتاج إلى تعميق الارتباط بين هذه الخريطة وبين التغيرات التي تحدث داخل المجتمع نفسه، بحيث يصبح التخطيط للمنتج العقاري قائمًا على دراسة السكان المستهدفين وليس فقط على توافر الأرض وإمكانات التطوير.
وذكر أبو الخير ؛ ان الطلب العقاري الحقيقي لا يقاس بعدد السكان فقط، وإنما بالقدرة على تحويل الاحتياج السكاني إلى قوة شرائية قادرة على دخول السوق، وهو ما يجعل دراسة مستويات الدخول، ومصادرها، وحركة المصريين في الداخل والخارج، ومعدلات تكوين الأسر الجديدة، وأنماط الإنفاق والادخار، عناصر أساسية في قراءة مستقبل السوق.
ولفت إلى أن المصريين العاملين بالخارج يمثلون أحد مكونات الطلب العقاري التي يجب وضعها في الاعتبار عند دراسة السوق، إلى جانب الطلب المرتبط بالتوسع العمراني وانتقال السكان إلى المدن الجديدة، موضحًا أن تغير الظروف الاقتصادية أو مصادر الدخل يمكن أن ينعكس على طريقة اتخاذ قرار شراء العقار، سواء بغرض السكن أو الاستثمار أو الحفاظ على قيمة المدخرات.
وأوضح أن التحدي أمام صناعة التطوير العقاري خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط في زيادة حجم المعروض، وإنما في تحقيق قدر أكبر من التوافق بين المعروض والطلب الفعلي، بحيث تتجه الشركات إلى تطوير منتجات تتناسب مع التركيبة السكانية والاقتصادية والاجتماعية للمناطق التي تعمل بها، بدلًا من الاعتماد على نموذج واحد يصلح لكل الأسواق والشرائح.
وأضاف أن هذه الرؤية تتكامل مع جهود الدولة في إعادة رسم الخريطة العمرانية لمصر، والتوسع في إنشاء المدن الجديدة وتطوير البنية الأساسية وفتح مجالات عمرانية واستثمارية جديدة، مؤكدًا أن نجاح هذه المنظومة على المدى الطويل يرتبط بقدرة القطاع الخاص على قراءة طبيعة المجتمعات التي ستنشأ داخل هذه المدن وتحويل الاحتياجات المتوقعة إلى منتجات عقارية وخدمات عمرانية قادرة على جذب السكان وتحقيق الاستدامة.
وأشار أبو الخير إلى أن التغيرات الديموغرافية يمكن أن تفتح كذلك مجالات جديدة أمام صناعة التطوير العقاري، من خلال التوسع في المنتجات التي تتناسب مع اختلاف مراحل الحياة واحتياجات الأسر، وتطوير مجتمعات أكثر تنوعًا في المساحات والخدمات، إلى جانب إعادة التفكير في العلاقة بين السكن والعمل والخدمات، بما يتناسب مع التحولات التي يشهدها المجتمع المصري.
وشدد على أن صناعة التطوير العقاري تحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى مزيد من الاعتماد على البيانات والدراسات المتخصصة، بحيث تصبح المؤشرات السكانية والاجتماعية والاقتصادية جزءًا من عملية اتخاذ القرار الاستثماري، بدءًا من اختيار الموقع وتحديد حجم المشروع، مرورًا بتصميم المنتج وتحديد الشرائح المستهدفة، وصولًا إلى آليات التسعير والسداد والتسويق.
وإستكمل أبو الخير بأن هذا النهج يمكن أن يسهم في بناء سوق عقارية أكثر توازنًا، لأن المطور الذي يفهم التحول في المجتمع يستطيع أن يسبق تغير الطلب بدلًا من أن ينتظر ظهوره في أرقام المبيعات، كما أن زيادة دقة الدراسات الديموغرافية يمكن أن تساعد الشركات على توجيه استثماراتها نحو المنتجات التي تمتلك فرصًا أكبر للطلب الحقيقي، بما يدعم كفاءة رأس المال واستدامة النشاط العقاري.
واختتم أبو الخير بالتأكيد على أن المرحلة الجديدة من التنمية العمرانية في مصر تحتاج إلى الانتقال تدريجيًا من مفهوم التوسع العمراني باعتباره زيادة في رقعة البناء إلى مفهوم أكثر شمولًا يقوم على بناء مجتمعات متوافقة مع التحولات السكانية والاقتصادية والاجتماعية، موضحًا أن قراءة الإنسان الذي سيعيش في المدينة يجب أن تسبق قراءة الأرض التي ستقام عليها المدينة، وأن دمج الديموغرافيا في منظومة التخطيط والتطوير يمكن أن يمثل أحد المفاتيح الرئيسية لصناعة عقارية أكثر قدرة على الاستجابة للطلب الحقيقي، وأكثر ارتباطًا بمستهدفات التنمية العمرانية للدولة خلال السنوات المقبلة.