عاجل

عندما نتحدث عن الأمن القومي تتجه الأنظار عادة إلى حماية الحدود وقوة الجيش وتأمين الموارد الاستراتيجية. لكن هناك نوعًا آخر من الأمن لا يقل أهمية عن كل ذلك بل يمثل الأساس الذي تستند إليه الدولة في مواجهة أزماتها أمن الإنسان. ومن هنا يصبح التعليم والصحة قضية أمن قومي بامتياز وليسا مجرد خدمتين تقدمهما الدولة للمواطن.

الدولة التي تمتلك جيشًا قويًا واقتصادًا متماسكًا لكنها تترك أبناءها أمام تعليم متراجع أو رعاية صحية غير قادرة على تلبية احتياجاتهم تظل أمام تحد  حقيقي في بناء مستقبل مستدام. فالأوطان لا تبنى بالطرق والكباري والمشروعات وحدها وإنما تبنى قبل كل شيء بالإنسان القادر على إدارة هذه المشروعات وحماية مكتسبات الدولة وصناعة المستقبل.

التعليم هو خط الدفاع الأول عن الدولة. فالعقل المتعلم هو القادر على التفكير النقدي ومواجهة التطرف والشائعات والتعامل مع التكنولوجيا والمشاركة الواعية في الحياة السياسية والاجتماعية. ولذلك فإن إصلاح التعليم يجب ألا يُختزل في تطوير المناهج أو بناء المدارس، وإنما يجب أن يبدأ بإعادة الاعتبار للمعلم، وتطوير منظومة التعليم الفني، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، وإتاحة الفرص العادلة أمام أبناء جميع الطبقات.

أما الصحة فهي الوجه الآخر للأمن القومي. فالمواطن المريض لا يستطيع أن ينتج، والأسرة التي تستنزف مواردها في العلاج تصبح أكثر عرضة للفقر والمجتمع الذي لا يتمتع أفراده بصحة جيدة يفقد جزءًا من قدرته على التنمية والمنافسة.

والأخطر أن ضعف التعليم والصحة لا تظهر نتائجهما في عام أو عامين وإنما تتراكم آثارهما عبر سنوات حتى تتحول المشكلة من أزمة خدمات إلى أزمة مجتمع. ولهذا فإن الإنفاق على التعليم والصحة لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره تكلفة تتحملها الموازنة، بل باعتباره استثمارًا في رأس المال البشري وأمن الدولة ومستقبلها.

نحن بحاجة إلى تغيير فلسفة التعامل مع هذين الملفين. المطلوب ليس مجرد زيادة الإنفاق، وإنما رفع كفاءة الإنفاق وضمان وصول الموارد إلى مستحقيها، وربط التعليم بسوق العمل، وتحسين أوضاع المعلمين والأطباء وأطقم التمريض، وتطوير المستشفيات، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية والوقاية، والاستفادة الحقيقية من التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.

كما أن العدالة في الحصول على التعليم الجيد والرعاية الصحية ليست ترفًا اجتماعيًا. عندما يشعر المواطن أن حقه في التعليم والعلاج مرتبط بقدرته المالية، تتسع الفجوة الاجتماعية، ويصبح الفقر قابلًا للتوريث من جيل إلى آخر. أما إتاحة الفرص العادلة، فهي واحدة من أقوى أدوات تحقيق الاستقرار الاجتماعي.

إن مصر التي تستهدف بناء دولة قوية وقادرة على المنافسة لا يمكن أن تجعل التعليم والصحة في ذيل أولوياتها. فالأمن القومي الحقيقي يبدأ من مدرسة جيدة، وجامعة منتجة، وطبيب قادر على أداء دوره، ومستشفى يحفظ كرامة المريض، ومواطن سليم يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على المشاركة.
الخلاصة أن حماية الحدود تحمي الوطن من الخارج، لكن بناء الإنسان يحميه من الداخل. ولذلك فإن الاستثمار في التعليم والصحة ليس إنفاقًا اجتماعيًا يمكن تأجيله، بل قرار استراتيجي يمس صميم الأمن القومي.

تم نسخ الرابط