لم تعد السينما تواجه مجرد تطور تكنولوجي جديد، كما حدث مع ظهور الصوت أو الألوان أو المؤثرات الرقمية. هذه المرة نحن أمام تحول يمس جوهر عملية صناعة الصورة نفسها : من يكتب ؟ من يصور؟ من يصنع الصوت؟ ومن يملك الصورة عندما تستطيع الآلة إنتاجها في ثوانٍ؟
من هنا تأتي أهمية « إعلان لوميير لمستقبل السينما والصورة المتحركة» الذي أُقر في قمة لوميير التي استضافتها فرنسا في 7 سبتمبر 2026، بمشاركة أكثر من 200 شخصية ومؤسسة من نحو 65 دولة، وبتأييد أكثر من 120 موقعًا. الإعلان يطرح 15 مبدأ لتأسيس ما يسميه «تعددية جديدة للسينما والصورة المتحركة»، لكنه لا يمثل قانونًا دوليًا ملزمًا، وإنما إطارًا من المبادئ والالتزامات التي يفترض أن تتحول تدريجيًا إلى سياسات وممارسات.
اللافت أن الإعلان لا يبدأ من التكنولوجيا، بل من العمل الفني نفسه. يضع الفيلم في المركز، ويرفض اختزال الصورة في عدد المشاهدات أو حجم الانتباه الذي تحصده. وفي زمن أصبحت فيه المنصات تقيس النجاح بالأرقام، تأتي الرسالة واضحة : الصورة ليست مجرد «محتوى»، والانتباه الإنساني ليس سلعة تُنتزع، وإنما ثقة يجب احترامها.
الإعلان وعلاقته بالفيلم الوثائقي تحديدًا.
الوثائقي في جوهره ليس مجرد صور متتابعة، وإنما علاقة بين الحقيقة والصورة والذاكرة. وعندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذه العلاقة، تتغير الأسئلة جذريًا.، يمكن اليوم إعادة بناء مشهد تاريخي لم تصوره كاميرا، وتحريك صورة أرشيفية، واستنساخ صوت شخصية رحلت، أو توليد مشاهد كاملة لأحداث لم تسجل بصريًا. هذه الأدوات تفتح أمام صانع الفيلم الوثائقي مساحة إبداعية هائلة، لكنها في الوقت نفسه تضع أمامه مسؤولية أخلاقية لم تكن بهذا التعقيد من قبل. ولهذا فإن المبدأ العاشر في إعلان لوميير يبدو شديد الأهمية : الانفتاح على التكنولوجيا مع حماية الملكية الفكرية. الإعلان لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره عدوًا للسينما، بل يعترف بقدرته على تعزيز الإبداع والابتكار وتوسيع انتشار الأعمال، لكنه يشترط ألا يتحول إلى بديل عن الخلق الإنساني، مؤكدًا أن الإبداع البشري يجب أن يظل في قلب العمل.
مسئولية المخرج قائمة.
هذه النقطة تحديدًا تمثل فارقًا مهمًا في الفيلم الوثائقي. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد المخرج في البحث، وفرز الأرشيف، واستعادة جودة الصور، وتصميم مشاهد بصرية يصعب إنتاجها، وترجمة المقابلات، وإعادة بناء أماكن اختفت، بل وربما خلق تصور بصري لما لا يمكن تصويره. لكنه لا يستطيع أن يمنح هذه المادة الحقيقة التاريخية من تلقاء نفسه. هنا تظل مسؤولية المخرج قائمة: أن يميز للمشاهد بين الوثيقة الأصلية، وإعادة البناء، والصورة المولدة، وأن يمنع التقنية من تحويل الاحتمال إلى حقيقة. وهذا يقودنا إلى مبدأ آخر بالغ الأهمية: حماية الأعمال والملكية الفكرية. فكما يواجه العالم القرصنة التقليدية، يواجه الآن سؤالًا أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث عندما تدخل أعمال وكتب وصور وأصوات بشرية إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي من دون وضوح كافٍ حول الحقوق والاستخدام؟ لذلك فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي في السينما لن يُحسم فقط بقدرة الآلة على التوليد، وإنما أيضًا بقواعد استخدام المادة التي تعلمت منها الآلة.
التحذير من الخوارزميات أن تصبح بوابة الجمهور
والأمر لا يتعلق فقط بالإنتاج، بل أيضًا باكتشاف الأفلام. الإعلان يتحدث عن «قابلية الاكتشاف» في عالم تتزايد فيه الأعمال بشكل هائل، ويحذر من أن تصبح الخوارزميات والوكلاء الذكيون بوابة الجمهور الوحيدة إلى الأفلام. السؤال هنا مهم جدًا للوثائقي: إذا كانت الخوارزمية هي التي تقرر ما الذي يظهر لنا، فهل ستصل الأفلام الوثائقية المختلفة، المحلية، والبعيدة عن منطق السوق إلى الجمهور؟
ومن زاوية أخرى، يضع الإعلان حفظ التراث والتعليم البصري ضمن مستقبل السينما. وهذه ربما واحدة من أكثر النقاط أهمية في عالم الوثائقيات. فالصورة القديمة ليست مجرد مادة خام لفيلم قادم؛ إنها جزء من ذاكرة الشعوب. وفي عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي ترميم الصورة وتحسين الصوت وإعادة تقديم الأرشيف، تصبح مسؤولية الحفاظ على الأصل والتوثيق الدقيق أكثر أهمية، لا أقل.
في النهاية، لا يقول إعلان لوميير إن السينما يجب أن تعود إلى الماضي، ولا يطلب منها أن تخاف من الذكاء الاصطناعي. بل يحاول رسم حدود جديدة للعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا والصورة . وربما تكون الرسالة الأهم لصانع الفيلم الوثائقي هي أن امتلاك أدوات أكثر لا يعني بالضرورة امتلاك أفكار أفضل.
فالآلة تستطيع أن تولد صورة مقنعة، لكنها لا تعرف وحدها لماذا تستحق هذه الصورة أن تُحكى.
وهنا يظل السؤال الحقيقي مفتوحًا:
في زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يصنع أي صورة تقريبًا…من سيظل مسؤولًا عن الحقيقة التي تقف خلف الصورة ؟ ربما تكون الإجابة هي جوهر «إعلان لوميير» كله
التكنولوجيا يمكن أن تغير طريقة صناعة الفيلم، لكنها لا ينبغي أن تسحب من الإنسان مسؤوليته عن المعنى والحقيقة والقيم..