عاجل

تزامن زيارة ولي العهد السعودي والرئيس الفلسطيني لمصر.. دلالات تتجاوز التوقيت

الرئيس الفلسطيني
الرئيس الفلسطيني وولي العهد السعودي

قالت الدكتورة نيفين وهدان، أستاذة العلوم السياسية، إن زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى القاهرة في توقيت متزامن، تكتسب أهمية سياسية تتجاوز فكرة الزيارتين المنفصلتين، مشيرة إلى أن التزامن في حد ذاته يفتح الباب أمام قراءة أوسع تتعلق بإعادة تنسيق الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية، ومستقبل غزة، وترتيبات النظام الإقليمي في مرحلة شديدة الحساسية.

وأضافت الدكتورة نيفين وهدان في حديث خاص لموقع نيوز رووم، أن هذه التحركات تأتي في ظل بيئة إقليمية معقدة ومضطربة، تتداخل فيها مجموعة من الأزمات المترابطة في وقت واحد، من بينها الحرب في غزة، ومستقبل ترتيبات وقف إطلاق النار، وملف إعادة الإعمار، ومستقبل السلطة الفلسطينية، إلى جانب التصعيد الأمريكي الإيراني وانعكاساته على أمن الخليج والطاقة والملاحة.

وأوضحت أن توقيت الزيارتين يحمل قيمة سياسية تتجاوز البعد البروتوكولي، ويمكن قراءته في إطار ما يعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ"الدبلوماسية المنسقة"، أي تنسيق التحركات والمواقف الدبلوماسية بين الأطراف المعنية بهدف التعامل بصورة أكثر تكاملًا مع الملفات والأزمات الإقليمية.

وبالنسبة إلى السعودية، قالت أستاذة العلوم السياسية إن زيارة ولي العهد إلى القاهرة تعكس أهمية الشراكة الاستراتيجية المصرية السعودية في إدارة الملفات الإقليمية، موضحة أن القاهرة والرياض تمتلكان من أدوات التأثير السياسي والدبلوماسي والاقتصادي ما يجعلهما طرفين رئيسيين في أي محاولة لإعادة بناء منظومة الاستقرار العربي، خصوصا في ظل اتساع نطاق التهديدات الأمنية من غزة إلى الخليج والبحر الأحمر.

وأضافت أن وجود الرئيس الفلسطيني محمود عباس في القاهرة بالتزامن، يضيف إلى المشهد البعد الفلسطيني المباشر، وهنا تصبح القضية أكثر ارتباطا بمفهوم "التمثيل السياسي"، أي مستقبل الشرعية والتمثيل الفلسطيني، ومن سيكون طرفا في ترتيبات المرحلة المقبلة، وكيف يمكن الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء المسار السياسي للقضية الفلسطينية.

و أشارت وهدان إلى أنه يمكن النظر إلى التزامن باعتباره فرصة لبحث ما يسمى "حوكمة ما بعد الحرب"، أي شكل إدارة غزة بعد توقف العمليات العسكرية، ودور السلطة الفلسطينية، وطبيعة الترتيبات الأمنية، وآليات إعادة الإعمار، مع ضرورة ألا تتحول الترتيبات الانتقالية إلى وضع سياسي دائم.

ولفتت إلى أن إحدى أهم القضايا التي تتحرك فيها القاهرة تتمثل في الربط بين المسار الأمني والمسار السياسي، موضحة أن وقف إطلاق النار لا يمثل في ذاته تسوية نهائية، كما أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تكون بديلا عن الحل السياسي.

وأكدت أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى "مسار سياسي" يقود في النهاية إلى معالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية وفق إطار حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية.

كما أوضحت أن المرحلة الحالية تفرض التعامل مع ما يعرف بـ"فجوة التنفيذ"، مشيرة إلى أن التحدي لم يعد فقط في وجود اتفاقات أو تفاهمات، وإنما في القدرة على تنفيذها ميدانيا، وضمان استدامة وقف إطلاق النار، وتأمين تدفق المساعدات الإنسانية، ومنع تجدد العمليات العسكرية، وتهيئة البيئة السياسية والأمنية للانتقال إلى المرحلة التالية.

كما قالت وهدان إن أهمية الدور المصري تأتي من امتلاك مصر نفوذا جيوسياسيا نابعًا من موقعها الجغرافي، وحدودها المباشرة مع قطاع غزة، ودورها التاريخي في الوساطة، وعلاقاتها المتوازنة مع الأطراف المختلفة، وفي المقابل، تمتلك السعودية نفوذا سياسيا واقتصاديا يتيح لها التأثير في مسارات إعادة الإعمار، وحشد الدعم العربي والدولي، والمساهمة في تشكيل البيئة السياسية اللازمة لأي تسوية مستقبلية، بحسب أستاذة العلوم السياسية.

الاجتماع المصري الفلسطيني السعودي

وأضافت أن اجتماع المسارات المصري والسعودي والفلسطيني في القاهرة قد يهدف إلى بناء "حد أدنى من التوافق العربي" حول مجموعة من الثوابت، في مقدمتها رفض التهجير، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ودعم إعادة الإعمار، وتعزيز دور المؤسسات الفلسطينية، ورفض اختزال غزة في كونها ملفا أمنيا منفصلا عن القضية الفلسطينية.

وأكدت أن هناك رسالة مهمة أيضا إلى القوى الدولية، خصوصا الولايات المتحدة وإسرائيل، مفادها أن مستقبل غزة لا يمكن أن يصاغ بمعزل عن البيئة العربية والشرعية الفلسطينية.

وأوضحت أن الترتيبات الأمنية المؤقتة لا تستطيع بمفردها إنتاج استقرار مستدام، كما أن إعادة الإعمار تحتاج إلى إطار سياسي، وأي ترتيبات جديدة ينبغي أن تمنع إعادة إنتاج أسباب الصراع.

ولفتت وهدان إلى أنه لا يمكن فصل هذه التحركات عن مفهوم "إعادة تشكيل النظام الإقليمي"، موضحة أن المنطقة تواجه في الوقت نفسه أزمات مرتبطة بإيران وأمن الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر والطاقة، وهو ما يجعل الأمن الفلسطيني جزءا من منظومة أمن إقليمي أوسع، وليس ملفا منفردا.

كما أشارت إلى أن القاهرة تبدو في هذه اللحظة وكأنها تتحرك وفق منطق "ترابط الملفات"، أي التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها نقطة اتصال بين الأمن القومي العربي، والاستقرار الإقليمي، وأمن الطاقة والملاحة، وإعادة تشكيل العلاقات الدولية في المنطقة.

وأضافت أن أهمية الزيارتين لا تتوقف على ما إذا كان سيصدر عنهما إعلان سياسي كبير، وإنما تكمن في المسار الذي يمكن أن تنتجه المشاورات.

وقالت إن نجاح القاهرة في تقريب الرؤى المصرية والسعودية والفلسطينية قد يفتح الباب أمام محاولة لبناء مظلة عربية أكثر تماسكًا للمرحلة المقبلة، تربط بين وقف الحرب، وإعادة الإعمار، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، والترتيبات الأمنية، وصولا إلى مسار سياسي قابل للاستمرار.

وأكدت أستاذة العلوم السياسية في حديثها على أن الرسالة الأعمق من تزامن الزيارتين هي أن القاهرة تتحرك لتظل مركزا رئيسيا لصياغة المقاربة العربية للمرحلة المقبلة، بحيث لا تكون غزة مجرد ساحة لإدارة أزمة مؤقتة، وإنما مدخلا لإعادة إطلاق المسار السياسي للقضية الفلسطينية، ضمن رؤية أوسع لإعادة الاستقرار وتوازنات النظام الإقليمي.

تم نسخ الرابط