لم يعد الإفتاء في عالم اليوم مجرد إجابة عن سؤال فقهي أو بيان حكم شرعي في مسألة من مسائل الحياة، وإنما أصبح جزءًا أصيلًا من منظومة الوعي وبناء الإنسان وحماية المجتمع من الاضطراب الفكري والقيمي، ومن هنا تبرز أهمية المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي نظمته دار الإفتاء المصرية من 2-3 سبتمبر، تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، بمشاركة واسعة من العلماء والمفتين والباحثين والقيادات الدينية من مختلف دول العالم.
والمؤتمر لم يتعامل مع الإفتاء بوصفه نشاطًا منفصلًا عن قضايا المجتمع، وإنما نظر إليه باعتباره مؤسسة معرفية قادرة على الإسهام في مواجهة التحولات الكبرى التي تعصف بالإنسان والأسرة والمجتمع، وفي مقدمتها التحولات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والرقمية، وما تفرضه من تحديات على منظومة القيم والهوية.
وكما أكد فضيلة المفتي أ.د. نظير عياد في كلمته في المؤتمر، وفي حديثه الثري مع الأستاذ عبد الوهاب عيسى في نيوز روم، أن دار الإفتاء المصرية، ومن ورائها الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، تنطلق من إرث مؤسسي يمتد لأكثر من مئة وثلاثين عامًا، تدرك من خلاله أن الفتوى ليست مجرد إجابة عن سؤال، بل هي إدارة لدفة الحياة في ضوء الوحي الشريف.
وقد أكدت في مقالات سابقة أن الأمن الفكري لا يبدأ من الأجهزة، وإنما يبدأ من العقول، وأن حماية الوطن لا تبدأ من الحدود وحدها، وإنما تبدأ من حماية وعي الإنسان، وأن مواجهة التطرف لا تبدأ بمواجهة المتطرف فقط، وإنما تبدأ بمواجهة الفكرة التي صنعت التطرف. وإذا كان التطرف يبدأ بفكرة، فإن مواجهته تبدأ بفكرة صحيحة. وما أكد عليه المؤتمر وفضيلة المفتي أن الإفتاء الرشيد يستطيع أن يكون أحد أهم روافد هذا الوعي، أننا نحتاج إلى إفتاء يعرف النص ويفهم الواقع ويقدر المآلات، ويحمي الاعتدال، ويخدم العقل، ويبني الإنسان، ويحمي الأسرة، ويصون الهوية، ويستخدم التكنولوجيا ولا يستسلم لها، وينتقل من رد الفعل إلى استشراف المستقبل.
ولما كان الوعي هو قدرة الإنسان على فهم واقعه فهمًا صحيحًا، والتمييز بين الحق والباطل، وبين الثابت والمتغير، وبين ما ينفع المجتمع وما يهدد استقراره، لذا فإن صناعة الوعي ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية. وفي هذا السياق يأتي دور الإفتاء؛ فالمفتي لا يقدم حكمًا مجردًا من سياقه، وإنما ينبغي أن يراعي واقع الناس وأحوالهم ومآلات الفتوى وآثارها على الفرد والمجتمع.
وهذا يظهر قيمة الفتوى الرشيدة باعتبارها أداة من أدوات بناء الوعي؛ لأنها تساعد الإنسان على فهم الدين فهمًا صحيحًا، وتمنحه القدرة على التعامل مع المستجدات دون إفراط أو تفريط، وتحميه من الفتاوى المتشددة من ناحية، ومن محاولات تفريغ الدين من مضمونه من ناحية أخرى. فالفتوى الناجحة ليست التي تقدم معلومة فقهية فحسب، وإنما التي تفتح أمام الإنسان طريقًا للفهم الصحيح، وتساعده على اتخاذ القرار الرشيد، وتحفظ عليه دينه ونفسه وأسرته ومجتمعه.
ومن هذا المنطلق، فإن الإفتاء يلتقي بصورة مباشرة مع مشروع بناء الإنسان؛ لأن الإنسان الواعي هو القادر على مقاومة الشائعات، ورفض التطرف، وعدم الانسياق وراء الدعوات الهدامة، والتمييز بين الخطاب الديني الرشيد والخطاب الذي يوظف الدين لتحقيق أغراض فكرية أو سياسية.
إن انعقاد المؤتمرات الدولية للإفتاء في مصر يؤكد أن قضية الإفتاء أصبحت قضية عالمية، وأن المؤسسات الإفتائية مطالبة بالتفاعل مع التحولات الكبرى التي يشهدها العالم. وتأتي أهمية هذه المؤتمرات من أنها لا تناقش الفتوى بمعزل عن قضايا الإنسان، وإنما تربطها بالأسرة والهوية والمجتمع والتحولات التكنولوجية. وهذه الرؤية التي نحتاج إليها في المرحلة الراهنة، رؤية تجعل الإفتاء جزءًا من مشروع بناء الإنسان. فالعالم يحتاج إلى مفتي يعرف النص ويفهم الواقع، ويستوعب العصر، ويقدر المآلات، ويملك أدوات التواصل مع الناس.
وقد اختار المؤتمر قضية الأسرة محورًا رئيسًا، وهو اختيار بالغ الدلالة؛ لأن الأسرة هي المؤسسة الأولى التي يتشكل داخلها وعي الإنسان، ومنها يكتسب منظومة القيم والعادات والسلوكيات. وقد أكد فضيلة المفتي أن الأسرة تمثل الركيزة الأساسية التي تبنى عليها الأمم وتتأسس من خلالها المجتمعات، وأن التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسلوكية المتسارعة التي تفرض تحديات جديدة تستوجب معالجة علمية ومنهجية رشيدة.
ومن هنا، فإن حماية الأسرة ليست قضية اجتماعية فحسب، وإنما هي قضية دينية ووطنية وحضارية؛ لأن انهيار الأسرة يؤدي إلى خلل في منظومة التربية والقيم والانتماء. فبناء الأسرة المتماسكة ينتج إنسانًا أكثر قدرة على تحمل المسؤولية والمشاركة في بناء وطنه.
ولما كان الإنسان المعاصر يعيش بيئة مفتوحة، لم تعد فيها الأسرة أو المدرسة أو المؤسسة الدينية وحدها مصدر المعلومة والتوجيه، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية ومراكز التأثير الجديدة تؤدي دورًا بالغ الأهمية والتأثير في تشكيل أفكار الناس واتجاهاتهم، من هذا المنطلق تأتي أهمية أن يكون الإفتاء حاضرًا في الفضاء الرقمي، بلغة يفهمها الشباب، وبمنهج يجمع بين التأصيل الشرعي والفهم العميق للواقع.
وقد أشار مفتى سنغافورة خلال الجلسة الختامية للمؤتمر الي انتقال مراكز التأثير من المؤسسات التقليدية الي مراكز جديدة مؤكدا أن دور العلماء والمثقفين لا يقتصر علي بيان الأحكام وانما يمتد الي بناء الإنسان وتقويم السلوك وترسيخ القيم. الاخلاق
فالإفتاء ليس فقط صناعة الفتوى، إنه حين يمارس مسؤوليته كاملة، فهو صناعة للوعي، وبناء للإنسان، وحماية للفكر، وإسهام في أمن الوطن ومستقبله.