تكشف أزمة باب المندب وهرمز أن الجغرافيا ما زالت لاعبًا رئيسيًا في السياسة والاقتصاد الدوليين. فالمضايق البحرية قد تبدو على الخريطة نقاطًا ضيقة، لكنها في الواقع تمثل شرايين تمر عبرها كميات ضخمة من التجارة والطاقة.
والأهم أن باب المندب وهرمز لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما أزمتين منفصلتين. فالأول يؤثر بصورة مباشرة في طريق التجارة بين آسيا وأوروبا، والثاني يمثل إحدى أهم بوابات الطاقة العالمية. وإذا اجتمعت المخاطر في الاثنين، فإن التأثير يمكن أن يتجاوز الشرق الأوسط ليصل إلى أسعار الطاقة والشحن والتضخم وسلاسل الإمداد والأسواق المالية حول العالم.
ومن هنا فإن استقرار البحر الأحمر والخليج العربي لا يمثل مصلحة إقليمية فحسب، بل أصبح جزءًا من الأمن الاقتصادي العالمي. وكلما طال أمد التوتر، زادت احتمالات انتقال تكلفته من السفن والموانئ إلى المصانع والأسواق ثم إلى المستهلك النهائي في مختلف أنحاء العالم
ولهذا فأزمات الشرق الأوسط ليست مجرد صراعات إقليمية، بل أصبحت تهدد شرايين الاقتصاد العالمي، وتكمن خطورة المشهد في ان الاثنين يمكن أن يتحولا إلى مصدر ضغط مزدوج على الاقتصاد العالمي، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين، وزيادة زمن نقل البضائع واضطراب سلاسل الإمداد.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة حجم المخاطر، مع انخفاض حركة الملاحة في هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض، بالتزامن مع تصاعد التوتر حول باب المندب وتقدم الحوثيين في مناطق ساحلية قريبة من المضيق. وفي مثل هذه الظروف، لا تحتاج الممرات البحرية إلى إغلاق رسمي حتى تتأثر التجارة؛ فمجرد ارتفاع المخاطر يدفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها.
وبالنسبة لمصر، فإن القضية تتجاوز إيرادات قناة السويس. فالموقع الجغرافي للقناة يجعل استقرار البحر الأحمر وباب المندب جزءًا من الأمن الاقتصادي المصري. كما أن استمرار تحويل السفن بعيدًا عن القناة قد يؤثر في حركة التجارة والإيرادات، في وقت تحتاج فيه مصر إلى تعظيم الاستفادة من موقعها كمركز عالمي للنقل والخدمات اللوجستية.
أما على المستوى الدولي، فإن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يدفع الشركات إلى إعادة النظر في خرائط التجارة وسلاسل الإمداد، بحيث يصبح الطريق الأكثر أمانًا أهم من الطريق الأقصر والأقل تكلفة.
الفاتورة لن يدفعها الشرق الأوسط وحده، بل ستصل إلى أوروبا وآسيا والأسواق العالمية، ثم إلى المستهلك العادي في صورة أسعار أعلى وتكاليف معيشة أكبر.
لذلك فإن المعركة الحقيقية لم تعد فقط حول السيطرة على الأرض، وإنما حول السيطرة على شرايين الاقتصاد العالمي، وحول سؤال أكثر أهمية: إلى أي مدى يستطيع العالم تحمل بقاء أهم ممراته البحرية مفتوحة على الخريطة، لكنها تعمل تحت التهديد