عاجل

ثروت إمبابي: تأسيس منظومات زراعية متكاملة تصنع قيمة مضافة للاقتصاد المصري

 ثروت إمبابي
ثروت إمبابي

أكد الدكتور ثروت إمبابي، أستاذ مساعد بكلية الزراعة بجامعة بنها، أن مستقبل القطاع الزراعي في مصر لم يعد مرتبطًا فقط بزيادة المساحات المنزرعة، وإنما بقدرتنا على تأسيس منظومات زراعية متكاملة تربط بين الإنتاج والتصنيع والتكنولوجيا والتسويق والتصدير، وتحقق أعلى قيمة ممكنة من كل وحدة أرض ومياه ورأس مال.

وقال «إمبابي» إن الزراعة المصرية تقف أمام مرحلة جديدة تتطلب تغيير طريقة التفكير في المشروعات الزراعية، موضحًا أن المشروع الزراعي لم يعد مجرد أرض يتم استصلاحها وزراعتها ثم بيع محصولها، وإنما أصبح منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ من دراسة احتياجات السوق واختيار المحصول المناسب، وتمتد إلى الإنتاج والتخزين والتعبئة والتصنيع والنقل والتسويق، وصولًا إلى الأسواق المحلية والعالمية.

وأضاف أن المشاركة في تأسيس المنظومات الكبرى في القطاع الزراعي تعني الانتقال من التفكير في «المشروع المنفرد» إلى التفكير في «سلسلة القيمة»، بحيث تكون كل مرحلة مرتبطة بالمرحلة التي تليها، مشيرًا إلى أن إنتاج محصول جيد لا يكفي إذا لم توجد منظومة قادرة على الحفاظ على جودته وتسويقه وتصنيعه والوصول به إلى السوق المناسب.

وأشار «إمبابي» إلى أن تعظيم القيمة المضافة يجب أن يكون أحد الأهداف الرئيسية لأي مشروع زراعي جديد، مؤكدًا أن تصدير المنتج في صورته الخام ليس دائمًا أفضل اختيار، وأن التوسع في التصنيع الزراعي يمكن أن يفتح مجالات أوسع للاستثمار، ويقلل الفاقد، ويخلق فرص عمل جديدة، ويرفع القدرة التنافسية للمنتج المصري.

وشدد على أن ملف المياه يجب أن يكون في قلب أي منظومة زراعية مستقبلية، خاصة في ظل محدودية الموارد المائية، موضحًا أن القضية لم تعد فقط في ترشيد استهلاك المياه، وإنما في تحقيق أعلى إنتاجية وأعلى عائد اقتصادي من كل متر مكعب من المياه.

وأكد أن التكنولوجيا أصبحت عنصرًا أساسيًا في الزراعة الحديثة، وأن استخدام نظم الري الذكي وتحليل التربة والبيانات الزراعية والاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تحسين القرارات الزراعية وتقليل التكلفة ورفع الإنتاجية، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا يجب ألا تكون مجرد واجهة للمشروع، وإنما جزءًا من عملية الإدارة والإنتاج نفسها.

وأوضح «إمبابي» أن مصر تمتلك مقومات كبيرة تؤهلها لبناء منظومات زراعية قادرة على المنافسة، سواء من حيث الموقع الجغرافي، أو الخبرات الزراعية، أو الأسواق المحلية، أو فرص التصدير، إلا أن الاستفادة الحقيقية من هذه المقومات تتطلب تكاملًا أكبر بين الأرض والإنتاج والتصنيع، والبحث العلمي، والتمويل، والتسويق.

ولفت إلى أن الجامعات ومراكز البحوث يجب أن تكون شريكًا أساسيًا في هذه المنظومات، بحيث تنتقل نتائج الأبحاث من المعامل والرسائل العلمية إلى المزارع والمشروع، وتتحول المعرفة إلى حلول عملية تساعد في رفع الإنتاجية وتحسين الجودة وخفض تكاليف الإنتاج والتعامل مع التغيرات المناخية.

وأكد أن المنظومات الزراعية الكبرى يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في دعم المزارعين، وليس فقط أصحاب الاستثمارات الكبيرة، من خلال الزراعة التعاقدية وتوفير الخدمات الفنية والمدخلات وربط الإنتاج بمراكز التجميع والتصنيع والتسويق، بما يحقق قدرًا أكبر من الاستقرار للمزارع ويضمن في الوقت نفسه جودة المنتج واستمرارية الإمداد.

وقال «إمبابي» إن نجاح أي منظومة زراعية لن يتوقف على حجم رأس المال المستثمر فقط، وإنما على كفاءة الإدارة وقدرتها على التعامل مع الإنتاج والتكاليف والأسواق والمخاطر، مؤكدًا أن الإدارة الزراعية الحديثة أصبحت تخصصًا متكاملًا يحتاج إلى الجمع بين الخبرة الزراعية، والإدارة الاقتصادية، والتكنولوجيا، والتسويق.

وأضاف أن الاستثمار الزراعي يجب أن ينظر إلى الأرض باعتبارها أصلًا إنتاجيًا يمكن أن تتضاعف قيمته عندما ترتبط به منظومة متكاملة من الخدمات والأنشطة، موضحًا أن القيمة الحقيقية لا تكمن في امتلاك الأرض فقط، وإنما في القدرة على تحويلها إلى مشروع منتج ومستدام وقابل للنمو.

وشدد «إمبابي» على أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مشروعات زراعية تفكر في المستقبل منذ لحظة التأسيس، بحيث يكون واضحًا منذ البداية ماذا سننتج، ومن سيشتري، وكيف سيتم التخزين، وأين سيتم التصنيع، وكيف سيصل المنتج إلى الأسواق، وما هي التكنولوجيا المناسبة، وكيف سيتم التعامل مع المياه والطاقة والمخلفات.

وأكد أن الدولة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث والقطاع المالي أمامهم فرصة حقيقية لبناء شراكات جديدة تدعم تأسيس هذه المنظومات، مشيرًا إلى أن التكامل بين هذه الأطراف يمكن أن يحول الزراعة من نشاط إنتاجي تقليدي إلى قطاع اقتصادي أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل وزيادة الصادرات.

وقال «إمبابي» إن مصر لا تحتاج فقط إلى أن تزرع مساحات أكبر، وإنما تحتاج إلى أن تحقق قيمة أكبر من المساحات التي تزرعها بالفعل، موضحًا أن كل فدان يمكن أن يكون نقطة انطلاق لمنظومة اقتصادية تشمل الإنتاج والتصنيع والتسويق والخدمات وفرص العمل.

واختتم الدكتور ثروت إمبابي تصريحاته بالتأكيد على أن «التحدي الحقيقي أمام الزراعة المصرية ليس فقط في عدد الأفدنة التي نستطيع زراعتها، وإنما في قدرتنا على بناء منظومات تجعل من كل فدان وكل قطرة مياه وكل جنيه يتم استثماره مصدرًا لقيمة اقتصادية مستدامة.

تم نسخ الرابط