على ضفاف النيل حيث يلتقي التاريخُ بالإيمان، وتهفُو الأرواح إلى السماء؛ ولد فنٌّ لا يُشبه إلا مصر، هنا قامت دولة التلاوة على أرض الكنانة مصر، كنانة الله في أرضه، قد اختصَّها الله تعالى بذكرها في القرآن الكريم في أكثر من ثلاثين موضعًا تصريحًا وتلميحًا لعظم مكانتها.
فقد كانت مصر مستقرًّا للرسالات ومغيثًا للأنبياء، التجأ إليها نبيُّ الله إبراهيم عليه السلام، ونشأ في كنفها كليمُ الله موسى عليه السلام، وعلى جبل الطور القابع في البقعة المباركة بسيناء ناجى موسى عليه السلام خليله سبحانه وتعالى، وفي واديها الخصيب استقبلت نبيَّ الله يوسف عليه السلام ليصبح فيها عزيزًا، فتحولت هذه الأرض المباركة بحكمته إلى سلَّة غذاء العالم،ِ فكانتْ ملاذًا آمنًا للأمم في السنين العجاف.
وبعد أن أنارت مصرُ بالإسلام، تحولت إلى منارة العالم لتلاوة القرآن، ومهوَى أصوات القُرَّاء التي ارتوت بأنوار القرآن الكريمِ، فصَدَحت حناجرُهم بالحق والجمال، حاملين كتاب الله من أرض الكنانة إلى الآفاق، فطُرب المصريون وطُرب العالمُ معهم، وحلَّق الجميع في آفاق وأنوار القرآن الكريم عندما استعموا لآياته بصوت العمالقة محمد رفعت والمنشاوي والحصري ومصطفى وإسماعيل والبنا وعبد الباسط وغيرهِم من عمالقة دولة التلاوة.
ولما أن تكفَّل الله تعالى بحفظ كتابه الكريم فقال عزَّ وجلَّ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، كانَ من أسباب حفظه أن استودَعَه قلوبَ الصحابة والمؤمنين، ثم قيد له خليفةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر ليجمعه خشية موت حفظته في حروب الردِّة.
ثم توالت من بعده طرقُ الحفظ إلى أن وصلنا إلى مرحلة ما قبل ظهور الطباعة في القرن التاسع عشر، حينها اعتمدت مصرُ على النسْخ اليدويّ للمصحف الشريف بالأزهر والكتاتيب وورش الخطاطين، لتصبح أرضُ الكنانة بعدها مركزًا مهمًّا لنسخ المصاحف في العالم الإسلامي، وهذا دور يضاف إليها بجانب القراءة.
وبتأسيس مطبعة بولاق كأول مطبعة رسمية كبيرة في مصر في عصر محمد عليّ خرجت أولُ نسخة رسمية مطبوعة للمصحف الشريف في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
ولقد مرت طباعةُ المصحف في مصر بعدة مراحل، كان أولُها النَّسخُ اليدوي قبل ظهور الطباعة، تلتها مرحلة الطباعة الحجرية في القرن التاسع عشر، أعقبتها مرحلة الطباعة بالحروف المعدنِيَّة مع بدايات القرن العشرين. وابتغاءً للدقة والذَّبِّ عن كتاب الله تعالى من أن يَطالُه الخطأ أو التحريف؛ أُنشئت لجان مراجعة المصحف بالأزهر الشريف منذ عام 1918م، ثم توالت طباعة المصحف الشريف لتظهر الطبعات المختلفة والمميزة للمصحف في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.
واستمرارًا لمسيرة حفظ كتاب الله الكريم بدء الجمع الصوتي للقرآن الكريم تدريجيًّا بتسجيلات الشيخ محمد رفعت في الثلاثينيات من القرن الماضي على أسطوانات، كباكورة لحفظ القرآن الكريم صوتيًّا، وقد نالت شرفُه أرضُ الكنانة مصرُ، ولعل هذه النسخة شاهدة على بدايات الجمع الصوتي للقرآن الكريم.
تبعتها تسجيلات الشيخ مصطفى إسماعيل في الأربعينيات والخمسينيات على أسطوانات، وبالرغم من أن هذه البدايات قد حازت قصبَ السبق؛ فإنها كانت بجهود فردية وغير رسمية، ليأتي مصحفُ الحصري كأولِ مصحفٍ رسميٍّ مرتلٍ ومسجلٍ في العالم في الستينيات في العالم، تبعه مصاحفُ الأعلام عبد الباسط عبد الصمد ومصطفى إسماعيل ومحمود علي البنا ومحمد صديق المنشاوي الذين أسَّسوا لدولة التلاوة في مصر.
ولم يكن مصطلح دولة التلاوة ترفًا أو لقبًا حملته مصر اعتباطًا؛ بل أصبح سمةً لهذه الدولة التي أسست إذاعة القرآن الكريم عام 1964 في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وبالتعاون مع الأزهر الشريف، ذلك المشروعُ الحضاريُّ بامتياز؛ لتصبح صوتًا ثابتًا يُسجل الكلمات المقدسة ويحفظها من كل شائبة، وليؤكد أن دولة التلاوة في أرض الكنانة أصبحت حارسةً لوحي السماء، ولكي تصدِّق المقولة أنَّ القرآن نزل بمكةَ وقُرئَ بمصر.. فشرفت أرضُ الكنانة بأول جمعٍ صوتيٍّ للمصحف بعد أن جمعه خليفة رسول الله أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الألواح.
ولم يقف جمعُ القرآن على الجمع الصوتي، بل ظهرت دارُ القرآن الكريم التابعة للمركز الثقافي بمسجد مصر الكبير بالعاصمة الجديدة، والتي تعدُّ واحدة من التُّحف المعمارية العظيمة التي أُنشئت في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث نُقشتْ أجزاءُ القرآن الكريم على جدرانها الرخامية بالرسم العثماني؛ لتمثلَ صناعةً حضارية للدولة المصرية غير مسبوقة في العالم، والشاهدة على الجمع البصري والتعبير الفني للمصحف الشريف.
ومواكبةً لوسائل العصر أُطلقت قناة "مصر قرآن كريم" استمرارًا لخدمة كتاب الله تعالى في عام 2020 وتبعها إطلاق التطبيق الإلكتروني الخاص بها في 2023 لتكتمل به المنظومةُ المصرية في حفظ كتاب الله تعالى.
وفي أغسطس 2025 أطلقت وزارةُ الأوقاف المصرية والشركة المتحدة للخدمات الإعلامية مشروع مسابقة "دولة التلاوة" العبقري لاكتشاف المواهب في ترتيل وتجويد القرآن الكريم لاكتشاف المواهب في ترتيل وتجويد القرآن الكريم؛ لرفدِ مدرسة التلاوة المصرية بأصواتٍ جديدة ومميزة في أضخم مسابقة قرآنية تليفزيونية في تاريخ مصر، لتكون حدثًا مُبهرًا ومشرفًا يليقُ بمكانة مصر الريادية في خدمة القرآن وأهله، وقدمت النسخة الأولى من البرنامج نجومًا لامعة في دولة التلاوة، والكل في انتظار الموسم الثاني ليكشف عن لألئ جديدة تزين تاج دولة التلاوة.
واستكمالًا لهذه المنظومةِ الكبيرةِ أطلقت وزارة الأوقاف بالتعاون مع الأزهر الشريف النسخة الثانية والثلاثين من المسابقة العالمية للقرآن الكريم، التي شكلت منارةً قرآنية عالمية لدور مصر في خدمة القرآن وتقديم المواهب؛ حيث أُطلقت النسخةُ الأولى من المسابقة في العام 1993م، وتجاوز عددُ الدول المشاركة في المسابقة هذا العام أكثر من مائة دولة من كافة أرجاء المعمورة.
وإيمانًا من الدولة المصرية بالاحتفاء بأعلام التلاوة اختارت وزارة الأوقاف شخصية الراحل فضيلة الشيخِ الشحات محمد أنور هذا العام لتكون عنوانًا وعلمًا لمسابقة القرآن الكريم في هذه النسخة الجديدة، تكريمًا لرائدٍ من رواد دولة التلاوة وأحد أركانها.
هذه هي مصر، دولة التلاوة، وأرض الأصوات المباركة، منارة القرآن للعالم، عبر التاريخ والحاضر.