عاجل

«شبح 11 سبتمبر» ورهان ترامب.. واشنطن تدرس الانسحاب من الشرق الأوسط

واشنطن تدرس الانسحاب
واشنطن تدرس الانسحاب من الشرق الأوسط

تبحث الولايات المتحدة في خيارات لإعادة تشكيل وجودها العسكري والاستخباراتي في الشرق الأوسط، في حال نجحت إدارة الرئيس دونالد ترامب في إنهاء الصراع مع إيران، في نقاشات غير رسمية داخل الجيش ومجتمع الاستخبارات قد تقود إلى خفض أعداد القوات والمنشآت الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

وبحسب ستة مصادر مطلعة، جرت خلال الفترة الأخيرة مناقشات هادئة في مكاتب الجيش وداخل مجتمع الاستخبارات بشأن تقليص عدد الأفراد والمنشآت التي تتمركز عادة في الشرق الأوسط، إذا انتهى الصراع الإيراني. 

ولا تزال هذه المناقشات في مرحلة غير رسمية، ولا توجد حتى الآن أوامر مباشرة أو إجراءات معلنة لإجراء مراجعة رسمية لوضع القوات.

وقد يمثل تنفيذ مثل هذه التخفيضات تحولًا جديدًا في طريقة تعامل جهاز الأمن القومي الأمريكي مع الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي حاول رؤساء أمريكيون متعاقبون تقليص الانخراط فيها أو نقل التركيز الاستراتيجي بعيدًا عنها، لكن الأزمات المتلاحقة أعادت واشنطن إليها مرارًا.

إرث 25 عامًا من الحروب

في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، وسعت الولايات المتحدة بصورة كبيرة شبكة منشآتها العسكرية والاستخباراتية الدائمة في الشرق الأوسط، لتوفير البنية التحتية اللازمة لخوض الحروب وتنفيذ الضربات والعمليات في العراق وأفغانستان وسوريا وإيران واليمن وليبيا.

وبمرور السنوات، أصبح الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة أكثر انتشارًا، مع قواعد ومنشآت تستخدمها القوات الأمريكية لتنفيذ عمليات جوية وبرية وبحرية، فضلًا عن دعم أنشطة الاستخبارات والعمليات الخاصة.

لكن الحرب الأخيرة مع إيران كشفت، بحسب مصادر مطلعة، عن نقاط ضعف عميقة في هذه البنية التحتية، بعدما تحولت العديد من المنشآت الأمريكية إلى أهداف لهجمات إيرانية متكررة خلال صراع غير شعبي أسفر عن مقتل 18 جنديًا أمريكيًا.

ويقول مسؤولون شاركوا في المناقشات غير الرسمية إنهم يتحركون، جزئيًا على الأقل، لاستباق ما قد يكون مقبولًا لدى ترامب، الذي تصفه مصادر بأنه لم يحدد استراتيجية واضحة لمستقبل المنطقة بعد الحرب، والذي جعل تقليص القوات الأمريكية المنتشرة في الخارج جزءًا من هويته السياسية في فترات سابقة.

وتجري هذه المناقشات بينما لا يزال نحو 50 ألف جندي أمريكي وعدد كبير من المعدات العسكرية منتشرًا في الشرق الأوسط، من بينها حاملتا طائرات وأكثر من 12 مدمرة مزودة بصواريخ موجهة.

وفي الوقت نفسه، أفاد أحد المصادر بأن ضباطًا في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، كانوا قد أُعيدوا إلى الولايات المتحدة خلال ذروة القتال في وقت سابق من العام، بدأوا يعودون مجددًا إلى المنطقة.

إعادة التفكير في القواعد الأمريكية

ولا يقتصر النقاش على عدد القوات، إذ يجري الجيش الأمريكي أيضًا تقييمًا لكيفية تعزيز حماية القوات التي يتوقع أن تبقى في المنطقة حتى بعد انتهاء الحرب.

ويتضمن أحد الخيارات نقل بعض المنشآت إلى مواقع تحت الأرض، بهدف تحسين قدرتها على مقاومة الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي الأسلحة التي استخدمتها إيران ضد القوات والمنشآت الأمريكية خلال النزاع الذي استمر لأشهر، وفق مصدرين مطلعين على المناقشات.

وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد ناقشت منذ فترة طويلة فكرة نقل بعض القواعد والمنشآت في الشرق الأوسط إلى مواقع تحت الأرض، إلا أن الحرب الأخيرة أعطت هذه الفكرة أهمية أكثر إلحاحًا، بعدما كشفت الأسابيع الأولى من القتال مدى تعرض المنشآت الأمريكية لهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وقال مسؤول أمريكي مطلع على المناقشات إن نقاط الضعف كانت معروفة منذ فترة، لكن الولايات المتحدة لم تتعامل معها بالسرعة المطلوبة.

ووضع الجيش، وفق مصدرين، عدة مسارات عمل محتملة لإعادة تشكيل هيكل القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، مع إمكانية بدء تنفيذ بعضها في أقرب وقت من العام المقبل.

وتشير المصادر إلى أن المسؤولين يرون أنه لن يكون من المنطقي التخلي عن بعض المواقع الاستراتيجية المستخدمة في إطلاق الطائرات والعمليات العسكرية طالما استمر الصراع.

وأحال مكتب وزير الدفاع الأمريكي الأسئلة المتعلقة بهذه المناقشات إلى القيادة المركزية الأمريكية، التي لم ترد على استفسار شبكة CNN قبل النشر، فيما امتنعت وكالة الاستخبارات المركزية عن التعليق.

العودة إلى سؤال الانسحاب

ويأتي النقاش الحالي في خلفية تاريخ طويل من محاولات تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، إذ امتد التدخل العسكري الأمريكي في المنطقة لنحو 25 عامًا منذ هجمات 11 سبتمبر، بالتزامن مع دورات متكررة من الوعود الرئاسية بالانسحاب ثم العودة إلى المنطقة.

وكان الجيش الأمريكي قد بدأ بالفعل في زيادة وجوده في الشرق الأوسط خلال السنوات التي سبقت هجمات 11 سبتمبر. وابتداء من عام 1998، كان للولايات المتحدة نحو 27 ألف جندي في الخدمة الفعلية موزعين في أنحاء المنطقة، وهو مستوى كان أكبر بكثير من الوجود الأمريكي في العقود السابقة.

لكن عدد القوات واصل الارتفاع بعد هجمات سبتمبر، مع توسع القواعد والمنشآت الأمريكية لدعم الحرب في أفغانستان أولًا، ثم غزو العراق، وبعد ذلك سلسلة متزايدة من عمليات مكافحة الإرهاب في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط.

وبعد عامين من هجمات 11 سبتمبر، بلغ عدد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط نحو 250 ألف جندي خلال غزو العراق.

وبين عامي 2007 و2011، تذبذب عدد القوات الأمريكية في المنطقة، لكنه لم ينخفض وفق التقديرات المتاحة للعامة عن نحو 100 ألف جندي.

وفي عام 2011، أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما أن «موجة الحرب تتراجع» في أفغانستان، معلنًا بدء سحب عشرات الآلاف من الجنود الذين تم إرسالهم إلى هناك.

لكن الانسحاب الأمريكي الكامل من أفغانستان لم يحدث إلا بعد نحو عقد آخر.

وفي العام نفسه، سحب أوباما القوات القتالية الأمريكية من العراق، في محاولة لإنهاء حرب كانت تُعتبر على نطاق واسع فاشلة. لكن الولايات المتحدة عادت إلى العراق بعدما أدى فراغ القوة، على الأرجح، إلى صعود تنظيم داعش.

ورغم انخفاض العدد الإجمالي للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط بعد عام 2011، فإنه ظل يتراوح بين 30 ألفًا و60 ألف جندي.

وخلال تلك السنوات، بقي التهديد المحتمل القادم من إيران حاضرًا بقوة في حسابات صانعي السياسة الأمريكيين، ولا سيما من خلال الجماعات المسلحة الحليفة لطهران التي نفذت هجمات دامية ضد القوات الأمريكية في العراق.

لا تسوية واضحة مع إيران

وعلى الرغم من بحث المخططين العسكريين والاستخباراتيين حاليًا في خيارات خفض الوجود الأمريكي، لا تبدو الولايات المتحدة أقرب إلى التوصل إلى تسوية مع إيران تنهي الصراع.

وتواصل إيران استهداف القوات والقواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وشنت الأسبوع الماضي هجمات على منشآت أمريكية في الأردن والإمارات العربية المتحدة، في أول تبادل لإطلاق النار بين الجانبين منذ نحو شهر.

ويقول مسؤولون أمريكيون إن الأضرار التي لحقت بالمنشآت الأمريكية كانت كبيرة.

ومن بين أكثر المواقع تضررًا، وفق مسؤول أمريكي وضابط استخبارات سابق، مقر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في الرياض بالسعودية، والذي قالا إنه دُمر بالكامل جراء هجوم إيراني.

ورغم محاولات مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية التقليل علنًا من حجم الأضرار، استهدفت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية منشآت عسكرية أمريكية في البحرين وقطر والسعودية والكويت.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن الأضرار التي لحقت بعدد من هذه المنشآت كانت بالغة.

هل يمكن تنفيذ المهام من دون قواعد دائمة؟

وبحسب مسؤولين أمريكيين، بحث بعض المسؤولين في وكالة الاستخبارات المركزية وقيادة العمليات الخاصة التابعة للجيش إمكانية تنفيذ بعض المهام الحساسة في الشرق الأوسط من دون الحاجة إلى وجود قواعد دائمة في المنطقة.

ويقوم أحد التصورات على إبقاء الأفراد والمعدات متمركزين في الولايات المتحدة، ثم إرسالهم إلى الشرق الأوسط لتنفيذ مهام محددة، قبل إعادتهم إلى الأراضي الأمريكية.

وقد يعني ذلك تغييرًا كبيرًا في طبيعة الوجود العسكري والاستخباراتي الأمريكي، من انتشار دائم إلى نموذج يعتمد بدرجة أكبر على الانتشار المؤقت عند الحاجة.

وفي بعض الحالات، قد تقرر الحكومة الأمريكية ببساطة عدم إعادة بناء بعض المنشآت التي تضررت بشدة أو دُمرت جراء الهجمات الإيرانية، ويرتبط ذلك جزئيًا بالتكاليف، وفق مسؤول أمريكي ومصدرين آخرين مطلعين على المناقشات.

ورفض مسؤولو وزارة الدفاع علنًا تحديد المنشآت التي قد يجري إعادة بنائها أو التخلي عن إعادة بنائها.

وفي أبريل/نيسان، قال المراقب المالي لوزارة الدفاع، جولز «جاي» هيرست الثالث، للصحفيين إنه لم يكن واضحًا بعد حجم تكلفة إصلاح القواعد والمنشآت التي تضررت خلال الحرب مع إيران.

وقال إن جزءًا من المسألة يتعلق بتقييم الموقف الذي ينبغي للولايات المتحدة أن تتخذه في الشرق الأوسط.

وأضاف هيرست لاحقًا أن البنتاغون «ليس لديه رقم نهائي» لحجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت الأمريكية في الخارج، موضحًا أن التكلفة ستعتمد على القرار المتعلق بإعادة بناء هذه المنشآت من عدمه.

تحميل الحلفاء الإقليميين مزيدًا من المسؤولية

وفي جلسات خاصة، أوضح مسؤولون كبار في وزارة الدفاع أنهم يريدون تقليص الوجود العسكري الأمريكي في عدد من دول الخليج، في إطار جهد أوسع لنقل جزء أكبر من مسؤولية الدفاع إلى الشركاء الإقليميين، وفق ثلاثة مصادر مطلعة على المناقشات.

ولا توجد، بحسب المصادر، إجراءات رسمية أو أوامر مباشرة لإجراء ما يعرف رسميًا باسم «مراجعة وضع القوات».

لكن المسؤولين في مختلف أفرع الجيش ووكالة الاستخبارات المركزية يدركون أن الوضع قد يتغير سريعًا، خصوصًا مع استمرار العمليات الأمريكية في المنطقة.

فالجيش الأمريكي يواصل مرافقة السفن عبر مضيق هرمز، ويشن هجمات على البنية التحتية الإيرانية، ويهدد بتنفيذ ضربات إضافية ضد أهداف قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد.

وفي الوقت نفسه، يعرف المسؤولون أن ترامب يمكن أن يغير موقفه بسرعة.

ووصف مسؤول أمريكي آخر طبيعة المناقشات بقوله: «هل هناك مهمة ضمنية؟ هل هناك شيء قادم يجب أن نكون مستعدين له، أم أننا نجلس [متقدمين] تحسبًا لأي طارئ؟».

تجربة وكالة الاستخبارات المركزية بعد 11 سبتمبر

وتكشف تجربة وكالة الاستخبارات المركزية عن مدى التحول الذي طرأ على الوجود الأمريكي في المنطقة خلال ربع القرن الماضي، ففي الفترة التي سبقت هجمات 11 سبتمبر، كانت الوكالة تبحث عن مهمة جديدة بعد سقوط خصمها الرئيسي، الاتحاد السوفيتي.

وكان لديها محللون متخصصون في الإرهاب والشرق الأوسط، لكن عددهم كان محدودًا، ويرجح جيفري روج، مؤرخ الاستخبارات في جامعة تكساس بمدينة أوستن، أن عدد موظفي الوكالة في المنطقة لم يكن يتجاوز بضع مئات، لكن أحداث 11 سبتمبر غيرت ذلك بصورة جذرية.

فقد بدأت الوكالة في تجنيد أعداد كبيرة من الضباط شبه العسكريين الذين يحملون السلاح ويعملون بصورة وثيقة مع الجيش الأمريكي لملاحقة الجماعات الإرهابية.

وكان ذلك تحولًا عن الصورة التقليدية لضابط العمليات في وكالة الاستخبارات، الذي كانت مهمته الأساسية تطوير العلاقات مع المصادر البشرية وجمع المعلومات السرية.

لكن وكالة الاستخبارات والجيش الأمريكي شهدا خلال العقدين التاليين تغيرات متكررة في طبيعة وحجم انخراطهما في المنطقة، بالتزامن مع رغبة رؤساء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في بعض المراحل في تقليص هذا الانخراط.

وسعى أوباما إلى إعادة توجيه جزء من الموارد العسكرية والاستخباراتية الأمريكية نحو آسيا، فيما صنفت إدارة ترامب خلال ولايته الأولى الصين باعتبارها أكبر تهديد للولايات المتحدة، في إطار أول استراتيجية للأمن القومي لإدارته.

«التحول» الذي لم يكتمل

لكن مصطلح «التحول» أصبح، بحسب التقرير، موضع سخرية في أوساط الأمن القومي الأمريكي، بعدما أعادت الأزمات المتتالية والقرارات السياسية الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط مرارًا.

وكان من أبرز هذه التطورات الصعود غير المتوقع لتنظيم داعش، إضافة إلى قرار ترامب خلال ولايته الأولى اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني.

وأفادت CNN مؤخرًا بأن كبار القادة العسكريين الأمريكيين حذروا ترامب من أن الخيارات العسكرية المتاحة لتصعيد الصراع مع إيران من غير المرجح أن تحقق أهدافه المعلنة.

وبدلًا من ذلك، اختار الرئيس التركيز على زيادة الضغط الاقتصادي، على أمل أن يؤدي ذلك إلى إضعاف النظام الإيراني وإجباره على تقديم تنازلات، لكن لا يوجد جدول زمني واضح للمدة التي قد تحتاجها هذه الاستراتيجية لتحقيق النتائج المطلوبة.

ويرى العديد من المحللين أن القيادة الإيرانية الحالية قد تكون مستعدة لتحمل أشهر من الضغوط الاقتصادية، وأنها من غير المرجح أن تستسلم في المدى القريب.

قواعد دائمة ولكن بشروط جديدة

وبصورة عامة، يتوقع مسؤولو وزارة الدفاع الأمريكية الإبقاء على بعض القواعد العسكرية الكبيرة والدائمة في الشرق الأوسط، لكن إعادة بناء هذه المنشآت قد تعتمد على استعداد الدول المضيفة للمساهمة في تحمل تكاليف إعادة البناء.

وقد تصل هذه التكاليف إلى مليارات الدولارات، وفق أحد المصادر المطلعة على المناقشات، وأضاف المصدر أن العديد من هذه القواعد والمنشآت شُيدت في الأصل بتمويل من الدول التي تستضيفها.

وبالتالي، فإن أي قرار أمريكي بشأن إعادة بناء المنشآت المتضررة لن يكون مرتبطًا فقط بالحاجة العسكرية، وإنما أيضًا بالكلفة ومدى استعداد الشركاء الإقليميين لتحمل جزء منها، فضلًا عن تقييم واشنطن لطبيعة وجودها العسكري في المنطقة بعد الحرب.

وفي المدى القريب، من المرجح أن تواجه القوات والقواعد الأمريكية في الدول المجاورة لإيران هجمات متواصلة، ما يجعل أي خفض واسع للوجود العسكري أكثر تعقيدًا طالما استمر الصراع.

البحرين خارج الحسابات في المدى القريب

وفي مؤشر على استمرار الحذر الأمريكي، قال قائد البحرية الأمريكية الأعلى الأسبوع الماضي إن القوات الأمريكية لن تعود إلى البحرين، التي تمثل الموطن التقليدي للأسطول الخامس الأمريكي، «في أي وقت قريب».

وقال رئيس العمليات البحرية، الأدميرال داريل كودل: «لن نعود إلى هناك في أي وقت قريب. أريد فقط أن أكون صريحًا تمامًا في هذا الشأن».

تم نسخ الرابط