صندوقه الأسود.. طبيبة نتنياهو النفسية السابقة تفضح أسراره
ربما تكون الدكتورة روث بار واحدة من أشهر النساء في إسرائيل وأكثرهن غموضًا، ليس فقط بسبب علاقتها الشخصية القديمة برئيس الوزراء لإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وإنما أيضًا بسبب الدور المهني الذي لعبته في مرحلة مبكرة من مسيرته السياسية، حين عملت مستشارة استراتيجية له خلال سباق زعامة حزب الليكود.
وفي 14 يناير 1993، دخل نتنياهو، الذي كان يبدو عليه التعب والإرهاق، إلى استوديو القناة الأولى، واعترف على الهواء مباشرة بأنه كان على علاقة غرامية خارج إطار الزواج مع بار.
لكن العلاقة الشخصية لم تكن سوى جانب واحد من قصة بار مع نتنياهو، فقد عملت، على مدار سنوات، على توثيق صعوده السياسي بصورة منهجية، من خلال دراسات وأبحاث حُفظت وصُنفت، تناولت من بين أمور أخرى مستويات النزعة السلطوية والكاريزما لدى المرشحين الشباب في حزب الليكود.
وتكشف البيانات التي أعدتها بار عن تغيرات لافتة في موقع نتنياهو مقارنة بمنافسه بيني بيغن، ففي أكتوبر 1989، تصدر بيغن مؤشر النزعة السلطوية برصيد 30.6 نقطة، مقابل 22.9 نقطة لنتنياهو، لكن بحلول مايو 1991، قفز نتنياهو إلى 42.9 نقطة، بينما تراجع بيغن إلى 25.7 نقطة.
وتكرر الاتجاه نفسه تقريبًا في مؤشر الكاريزما؛ إذ ارتفع رصيد نتنياهو من 32.4 إلى 51.6 نقطة، في حين انخفض رصيد بيغن من 32.8 إلى 25.6 نقطة.
«آلة السم» بدأت قبل أكثر من 30 عامًا
وعندما سُئلت بار، في ضوء تلك الدراسات، عن رأيها في نتنياهو اليوم، استحضرت واقعة من اجتماعاتهما قبل أكثر من ثلاثة عقود، وقالت إنه أخبرها في أحد الاجتماعات آنذاك: «أبحث عن شخص يتمتع بقدرة لفظية رائعة لصياغة هجوم لفظي مدمر ضد منافسيّ».
وتقول بار إنها لم ترد في ذلك الوقت، وربما قامت بكبت الأمر، لكنها تنظر إليه اليوم باعتباره مفتاحًا لفهم ما تسميه «آلة السم» التي تقول إنها أصبحت جزءًا من الحياة السياسية الإسرائيلية.
وأضافت أن فكرة نتنياهو التي ظهرت قبل أكثر من 30 عامًا تمثل، في نظرها، أساس هذه الآلة التي «تُغرق الحياة في دولة إسرائيل بالسموم».
وتشرح بار أن هذه الآلة تعمل على تفعيل طبقات من المشاعر، بحيث تُسكت المشاعر الإيجابية وتطلق في المقابل مشاعر البقاء السلبية، ثم تغرق الأفكار السلبية وتلحق الضرر بالهدف، وتضعف روحه وتشوه صورته، وبالتالي تقلل فرصه في هزيمة نتنياهو في الانتخابات.
وضربت مثالًا بما وصفته بأنه كل ما جرى ضد بيني غانتس، بما في ذلك التلعثم الظاهر، والحديث عن اللغة اليونانية، والشائعات.
وقالت إن من المهم جدًا، بالنسبة إليها، «فضح آلة السم» وشرح كيفية عملها ومدى خطورتها، معتبرة أن استهداف شخص ما بهذه الطريقة يبدأ بعملية «سحق» منهجية، وأضافت: «يبدو الأمر غريزيًا، ولكنه علمي. علمي تمامًا».
«الجميع صغار أمامه»
وتحدثت بار كذلك عن شعور نتنياهو بالتفوق، وعن نظرته إلى الآخرين باعتبارهم صغارًا وبيروقراطيين، وعندما سُئلت عمن تقصد تحديدًا، أجابت: «الجميع».
وقالت إن ذلك يشمل العسكريين ورؤساء الأركان، والصحفيين والإعلاميين، وجميع خصومه السياسيين وزملاءه، بل وحتى الناخبين، بمن فيهم ناخبو نتنياهو نفسه، وأضافت أن شعوره بالتفوق يمتد، من وجهة نظرها، إلى رئيس الولايات المتحدة، موضحة: «إنه فوق الجميع».
وعندما طُلب منها توضيح الأساس الذي تستند إليه في هذه الاستنتاجات، قالت إن نتنياهو تحدث عن ذلك بصورة صريحة، وإنها سمعت ذلك بصوته، مشيرة إلى نبرته وأسلوبه في كل مرة كان يتحدث فيها عن الآخرين.
وأضافت أن نظرته تقوم على التقليل من شأن الآخرين، موضحة أنه، لأنه أطول منهم قامة، يرى أنه قادر على التأثير عليهم والسيطرة عليهم.
وقالت بار إنها عملت مع عدد كبير من السياسيين والعلامات التجارية والكتاب والأساتذة والبنوك، لكنها لم تصادف شخصًا يتمتع بهذا المستوى من الشعور بالتفوق، ومع ذلك، أضافت أنه يعرف كيف يخفي هذا الشعور.
الهيمنة على الإعلام: «هو لم يتعلمها مني»
وترى بار أن فهم هذا الشعور بالتفوق يقود مباشرة إلى فهم علاقة نتنياهو بالإعلام، وتقول إنه إذا كان الشخص يرى نفسه متفوقًا على الجميع، فإنه يعتقد بقدرته على التأثير في عقولهم وتشكيل شخصياتهم، وإن وسيلة تحقيق ذلك هي الهيمنة على وسائل الإعلام، وأضافت: «لقد فهم ذلك أولًا. لم أعلمه إياه، بل جاءني به. تعلمته منه».
وتقول إن هذا تحديدًا كان أحد أسباب حماسها للعمل معه، لأنه أتاح لها، بحسب وصفها، فرصة لمراقبة كيفية توجيه العميل وفق نموذج معين، ثم مراقبة كيفية تنفيذه لهذا النموذج وتصحيحه في الوقت الفعلي، «كما لو كان في مختبر».
وبحسب بار، كان نتنياهو أفضل بكثير من غيره في فهم كيفية عمل وسائل الإعلام، وترى أن ما ميّزه عن الآخرين وأسهم بدرجة كبيرة في نجاحه منذ البداية هو الأهمية البالغة التي منحها للبروز الإعلامي.
وتقول إنه أدرك أهمية الظهور الإعلامي في وقت مبكر، بل كان، بحسب وصفها، أول من أدرك هذه الأهمية وربما الوحيد الذي فهمها بهذا الشكل، ومن هنا، وفقًا لتحليلها، بدأت ميزته على الآخرين.
صورة في صحيفة غيّرت مزاج نتنياهو
وتستعيد بار واقعة أخرى من إحدى جلسات العمل مع نتنياهو، قائلة إنه كان في حالة مزاجية كئيبة، قبل أن يلاحظ فجأة صورة له في إحدى الصحف، وتقول إن وجهه أشرق في اللحظة نفسها وبدا عليه الفرح.
وتؤكد أن رد الفعل لم يكن تمثيلًا، وإنما كان عاطفيًا وصادقًا، وأنه كان سعيدًا بالفعل، وأن الصورة غيرت مزاجه، وبصفتها أخصائية نفسية، تربط بار هذا السلوك بشعور نتنياهو بالتفوق وحاجته الملحة إلى أن يكون فوق الجميع.
وفي الوقت نفسه، تقول إن نتنياهو أدرك، منطقيًا وحدسيًا، التأثير الهائل الذي يمكن أن تحدثه وسائل الإعلام على عقول الناس، وتصرف بناءً على هذا الإدراك.
هزيمة 1999 وقرار العودة بـ«إعلامي»
ورغم ذلك، هُزم نتنياهو في انتخابات عام 1999، وتقول بار إن نتنياهو أعلن آنذاك أنه عندما يعود إلى السلطة، سيأتي بـ«إعلامي».
وترى أن تلك اللحظة كانت بداية تبلور دوافعه القوية للسيطرة على الإعلام وقمع حرية الصحافة، معتبرة أن قانون الإعلام الحالي يمثل، في نظرها، تعبيرًا عن هذا التوجه.
وتشرح بار أن قوة وسائل الإعلام تكمن في تأثيرها الفوري، ففي اللحظة التي تُنشر فيها الأخبار أو تُبث أمام الجمهور، يبدأ ما يراه المشاهد على شاشة التلفزيون في التأثير عليه مباشرة.
وتربط ذلك بما تصفه بالنظام «البديهي والفوري والسريع»، وبحسب تحليلها، أدرك نتنياهو هذا الأمر قبل الآخرين، ومن هنا خلص إلى أن السيطرة على وسائل الإعلام تعني السيطرة على الناس.
وتقول إنه، من خلال محادثاتها معه، لم يكن ينفعل كثيرًا تجاه الأحداث السيئة جدًا أو الجيدة جدًا، لأنه كان يدرك أن كل شيء زائل، وأن المسألة في النهاية تتعلق بالصور.
وبحسب وصفها، فإن السؤال الأهم لديه كان: "كيف يُعرض الأمر على شاشة التلفزيون وفي وسائل الإعلام؟"
وترى أنه لم يكن يفهم بالضرورة الآليات النفسية الكامنة وراء ذلك كما تفهمها هي من خلال الدراسات، لكنه استوعبها بصورة حدسية، وتوضح: “ما تراه الآن يؤثر فيك الآن، وما تراه لاحقًا سيؤثر فيك لاحقًا، ولذلك لا داعي للخوف من شيء سيئ إذا كان بالإمكان إصلاحه لاحقًا”.
وتخلص إلى أن السيطرة على ما يُعرض للناس تعني، في النهاية، السيطرة عليهم.
«الكلمات هي الدواء الذي يؤثر على الدماغ»
ولا تقتصر قدرة نتنياهو، بحسب بار، على التحكم في الإعلام، وإنما تشمل أيضًا قدرته الشخصية على التأثير في الناس من خلال الشعبوية والكاريزما وغيرها من العناصر.
وتقول إن القاعدة التي كانت سائدة سابقًا هي أن المهم ليس ما تقوله، وإنما ما تفعله، وإن عبارة أخرى كانت تقول إن المهم ليس ما يقوله غير اليهود، وإنما ما يفعله اليهود، لكنها ترى أن نتنياهو قلب هذه المعادلة.
وتقول إن الأمر كان معكوسًا حتى قبل 30 عامًا: «المهم ليس ما تفعله، بل ما تقوله»، وبحسب بار، أدرك نتنياهو أن الكلمات هي «الدواء الذي يؤثر على الدماغ»، وأن القصة التي تُروى من خلالها هي «أقوى دواء».
وعندما سُئلت عما إذا كان ذلك يجعل نتنياهو بمثابة «مورد المخدرات» للإسرائيليين، أجابت بالموافقة، وقالت إن نتنياهو كان بالنسبة إليها بمثابة مدرسة، وإنها فهمت من خلاله، من الألف إلى الياء، تأثير الفضاء العام على الإنسان، ومن هنا، تقول إن ذلك كان سببًا في اختيارها عنوان كتابها: «العقل تحت تأثير المخدرات».
اعتراف تلفزيوني «متسرع ونابع من الذعر»
وتعود بار إلى الليلة التي ظهر فيها نتنياهو بصورة مفاجئة في البرنامج التلفزيوني «Look»، وهي الليلة التي اعترف خلالها بعلاقته خارج إطار الزواج، وعندما سُئلت عما إذا كانت تتذكر اللحظة، أجابت: «بالتأكيد».
وتقول إن الأمر لم يكن بالنسبة إليها صدمة بالمعنى الكامل للكلمة، لأنها تعرضت، بحسب وصفها، لصدمات أكثر خطورة، لكنه كان «مزعجًا للغاية»، وأضافت أنها تلقت تحذيرًا مسبقًا بأنه سيظهر على التلفزيون، وأن أحد مساعديه أخبرها بذلك.
وعن تقييمها لقرار نتنياهو الظهور والاعتراف، قالت إنه كان «قرارًا متهورًا نابعًا من الذعر»، وترى أن هذا القرار يكشف شخصية نتنياهو وطريقته في إدارة استراتيجيته لحظة بلحظة.
وتشرح أن «المُعيد للتفعيل»، بحسب المصطلح الذي تستخدمه، يعني أن الشخص، لكي يكون له تأثير، يجب أن يكون هو من يحدد الإيقاع ويقود القصة في وسائل الإعلام، وأن يكون قائدًا لا تابعًا.
وتقول إن نتنياهو كان متأكدًا في تلك اللحظة من وجود تسجيل له، ولذلك كان عليه، من وجهة نظره، أن يتولى زمام الأمور ويقود القصة بنفسه.
وترى بار أن ظهوره التلفزيوني أدى إلى نتيجتين متناقضتين، فمن جهة، أثار استياءً واسعًا وتساؤلات حول سبب لجوئه المفاجئ إلى التلفزيون للاعتراف بخيانة زوجته، لكن من جهة أخرى، أثار لدى عدد كبير من المشاهدين تعاطفًا عاطفيًا معه.
«أعظم ما يملكه نتنياهو هو جذب الانتباه»
وعند الانتقال إلى المصطلحات المهنية التي تستخدمها بار في كتابها، سُئلت عن مصدر قوة نتنياهو، وعن موقعه ضمن المستويات الأربعة التي تصفها، فأجابت بأن أعظم ما يملكه هو قدرته على جذب الانتباه
تقول إن الصورة التي يقدمها هي صورة القائد العظيم والناجح والمؤثر، الذي يحتل موقعًا مميزًا، وإن هذا الأمر هو الذي يملي كل شيء، لكنها ترى أن أضعف جوانبه تكمن في العلاقات.
وتوضح أن هذا المستوى يشمل الموثوقية والاهتمام والتعاطف والتواصل الشخصي، مشيرة إلى أن الموثوقية هي العنصر الأهم.
وتقول إنها أدركت ذلك قبل 30 عامًا، وإن أي تحليل لنتنياهو حتى اليوم سيُظهر، بحسب رأيها، أن الموثوقية تمثل أدنى مستوياته، وتضيف أن العلاقات تكاد تكون معدومة بالنسبة إليه، بينما يتركز كل شيء لديه على جذب الانتباه.
وتصفه في مجال العلاقات بأنه «عاجز ببساطة»، وترى أن لجوءه إلى التلفزيون للحديث عن علاقة خارج إطار الزواج كان محاولة للسيطرة على الموقف.
وبحسب تحليلها، كان ذلك في حد ذاته شكلًا من أشكال جذب الانتباه، فمن جهة، حقق ظهوره نسب مشاهدة مرتفعة وأثار إعجاب أشخاص رأوا في رجل يأتي للاعتراف أمام الجمهور نموذجًا للشجاعة.
ومن جهة أخرى، بدأت في تلك اللحظة تظهر عيوبه في مجال العلاقات، وهي عيوب تقول بار إنها لا تزال قائمة حتى اليوم.
أربعة مستويات للصراع السياسي
وتشرح بار أن الأحداث والقضايا التي تظهر في المجال العام يمكن تصنيفها ضمن واحدة من أربعة مستويات، وأن المرشح الأقوى في المستوى المطروح هو الأكثر استفادة منه.
وتضرب مثالًا بقانون إعفاء الحريديم من التجنيد، معتبرة أنه ينتمي إلى مستوى العلاقات، وبالتالي فإنه يضر بنتنياهو، الذي تصفه بالضعيف في هذا المستوى.
وعندما سُئلت عن سبب تصنيف القضية باعتبارها قضية علاقات، أجابت بأنها تتعلق بالمساواة والعدالة داخل المجتمع.
في المقابل، ترى أن القضايا الأمنية والدفاعية تمنح نتنياهو زمام المبادرة، لأنها تقع ضمن مستوى الدفاع، وهو المستوى الذي يتمتع فيه بقوة كبيرة، فضلًا عن امتلاكه ميزة إضافية بحكم مسؤوليته عنها كرئيس للوزراء.
ما الذي تغير بعد 7 أكتوبر؟
وعن التطورات التي طرأت على وضع نتنياهو منذ السابع من أكتوبر، وصفت بار الأمر بأنه «إصابة خطيرة»، وقالت إن مستواه الدفاعي والهجومي تأثرا معًا.
وتوضح أنه حتى ذلك الوقت كان يتمتع بميزة كبيرة في كلا الجانبين، لكنه فقد هذه الميزة اليوم، ورغم أنه لا يزال يُنظر إليه على أنه قوي في هذه القضايا، فإن ذلك لم يعد كما كان في السابق، ولم تعد الميزة تتمتع بالأهمية نفسها.
وتقول بار إن نتنياهو كان في السابق «يلعب وحيدًا في هذا الملعب».
التحكم في جدول الأعمال
وترى بار أن منصب رئيس الوزراء يمنح نتنياهو بطبيعته القدرة على التحكم في جدول الأعمال، وطرح القضايا من المستويات التي يتمتع فيها بالميزة.
وتوافق على أن هذا الأمر بالغ الأهمية، قائلة إن التحكم في جدول الأعمال يعني التحكم في الناس، لأن القضايا يمكن طرحها من المستويات التي يتمتع فيها السياسي بقوة أكبر، وتربط هذا التحليل بضرورة تحديد فترة ولاية واحدة بفترتين.
ولا تقتصر نظرية بار على تحليل الرأي العام والسلوك السياسي، بل تقول إن لها أساسًا بيولوجيًا أيضًا، وتوضح أن لكل مستوى من مستويات البقاء هرمونًا يناسبه، وأن الأمر في النهاية يتعلق بالهرمونات.
وترى أن نتنياهو يعاني من أضرار بالغة في جميع مستويات البقاء، بما في ذلك خلال الحرب، التي تقول إنها تقتصر على مستوى التسجيل والدفاع، ولهذا، بحسب تحليلها، لم يعد قادرًا على استغلال هذا المستوى لصالحه كما كان في الماضي، وتستشهد بعدم قدرته، حتى في ذروة الحرب، على تحسين صورته في الرأي العام لفترة طويلة، على عكس ما كان يحدث في الماضي.
صدامات نتنياهو مع رؤساء الأركان
وعن الطريقة التي تمكن بها نتنياهو من الحفاظ على موقعه في مستوى التسجيل، قالت بار إن ذلك يتطلب جهدًا، وتشير إلى أنه لم يكن يخشى الدخول في صراعات مع جميع رؤساء أركانه تقريبًا، باستثناء أفيف كوخافي ربما.
وتقول إنه كان يدخل في هذه الصراعات ويخرج منها منتصرًا، ثم يحدد هدفًا آخر، وبهذه الطريقة، بحسب تحليلها، انتقل المسؤولون عن الأمن إلى موقع أصبح فيه نتنياهو نفسه المسؤول عن الأمن والتسجيل معًا، وتصف بار ذلك بأنه «حيلة»: «أنا أفوز، أنا أملي».
انتخابات 2019: كيف أفاد الأمن نتنياهو؟
وتستشهد بار بانتخابات عام 2019 لتوضيح نظريتها، فقد أسس بيني غانتس منظمة «صمود إسرائيل»، ونشر فيديو يظهر عدد الإرهابيين الذين قُتلوا خلال فترة توليه رئاسة الأركان.
وتقول إن الفيديو كان أمنيًا بامتياز، وكان من المفترض أن يعزز موقف غانتس، لكنه لم يفعل، والسبب، وفقًا لتحليلها، أن الأمن والإعلام يمثلان مستويين يتمتع فيهما نتنياهو بقوة كبيرة.
وبعد نشر الفيديو، بقي غانتس عند 13 مقعدًا، بينما تقدم نتنياهو، وتستشهد بار بمثال آخر وقع في 25 مارس 2019، عندما أطلقت حماس صواريخ من غزة باتجاه وسط إسرائيل.
وفي الفترة نفسها، أجرى غانتس مقابلته الشهيرة مع اليونانيين، بينما اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، وتقول إن نتنياهو اكتسب قوة في استطلاعات الرأي ووسع الفارق، لأن الأحداث الثلاثة، بحسب تصنيفها، كانت تقع ضمن نقاط قوته.
وبالتالي، ورغم سقوط الصواريخ على وسط البلاد، لم يتعرض نتنياهو للضرر السياسي المتوقع، وتقول بار إن الصواريخ نفسها كانت، paradoxically، مرتبطة بنقاط قوته الدفاعية والإعلامية.
وعن مدى انطباق هذه النظرية اليوم، تقول بار إن تأثير هذه المستويات أصبح أضعف، وتوضح أن نتنياهو لم يتمكن حتى عندما ظهر شعور بالنصر على إيران وحزب الله من الاستفادة من ذلك بالطريقة التي كان يستفيد بها سابقًا.
وتقول إن هيمنته المفرطة في هذه المجالات لم تعد موجودة بالمستوى نفسه، وإن هذه القضايا لم تعد تحقق له الفائدة السياسية ذاتها، ومع ذلك، ترى أن الأفضل بالنسبة إليه لا يزال طرح هذه القضايا بدلًا من القضايا المرتبطة بالعلاقات، مثل قانون الإعفاء من التجنيد.
«الأصوات المتقلبة» قد تحسم الانتخابات
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تؤكد بار أن الاعتقاد بأن الناخبين لا يغيرون مواقفهم في اللحظة الأخيرة اعتقاد خاطئ.
وتقول إنها تطلق على هذه الظاهرة اسم «التصويت المفاجئ»، فيما يسميها البعض «المتحولين»، وتعود إلى تجربتها مع نتنياهو خلال الفترة التي عملت فيها على اختبار جميع القادة الشباب في حزب الليكود لمدة عام ونصف.
وتقول إن نتنياهو منحها حرية كاملة في البحث، وإنها أجرت، من بين دراسات أخرى، أبحاثًا متكررة على الأشخاص أنفسهم لفترات طويلة، بدلًا من تغيير مجموعات التركيز في كل مرة.
وتؤكد أنها اكتشفت أن ما بين 10% و15% من المستجيبين المنتظمين، الذين كانت تعود إليهم بصورة متكررة، يمكن أن يغيروا رأيهم خلال شهر واحد.
وقد ينتقل الناخب، وفقًا لهذه الدراسات، من دعم بيني بيغن إلى دعم نتنياهو، أو من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتقول إنها لم تصدق النتيجة في البداية، ولذلك ركزت عليها وواصلت البحث فيها خلال دراسة الدكتوراه، وأجرت عشرات الدراسات حولها.
وفي النهاية، طورت نموذجًا يمكنه تحديد نسبة الأشخاص الذين يتمتعون بمواقف مستقرة، ونسبة الأشخاص الذين يمكن التأثير عليهم حتى اللحظة الأخيرة، وتقول إنها أخبرت نتنياهو بهذه النتائج، وكان سعيدًا بها.
وبحسب تفسيرها، فإن عدم استقرار المواقف يعني القدرة على التأثير في عدد أكبر من الناس، وكان نتنياهو في ذلك الوقت في موقف ضعيف ويطمح إلى امتلاك هذه القدرة.
من هم «الأصوات المتقلبة»؟
تقول بار إنها طورت النموذج لاحقًا في أطروحتها للدكتوراه، واكتشفت أنه، إلى جانب وجود مقياس لاستقرار مواقف الأفراد يعتمد على سمات الشخصية وعوامل أخرى، هناك أشخاص يمكن أن يغيروا مواقفهم بالكامل نتيجة تأثير خارجي في أي لحظة، حتى في اللحظة الأخيرة.
وكانت تسمي هؤلاء في عهد نتنياهو «الأصوات المتقلبة»، وتقول إن هذه الفئة موجودة في جميع المستويات وفي جميع الأحزاب، ويمكن لأفرادها تغيير مواقفهم ليس فقط على المقياس نفسه، وإنما القفز مباشرة إلى الجانب الآخر.
2015: «العرب يتوافدون على صناديق الاقتراع»
وترفض بار الرأي القائل إن من المستحيل نقل هذا العدد الكبير من الناخبين في اللحظة الأخيرة، وتستشهد بانتخابات عام 2015، عندما أظهرت جميع استطلاعات الرأي فوز «بوجي»، في إشارة إلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج، لكن نتنياهو انتهى إلى تحقيق فوز ساحق.
وتقول إن نتنياهو استفاد في ذلك الوقت من أصوات شعبوية، عبر استقطاب الناخبين برسالة مفادها أن العرب يتوافدون على صناديق الاقتراع بأعداد كبيرة، وتعتبر أن هذه الرسالة استغلت مستوى التسجيل، من خلال تصوير «العدو العربي» باعتباره يهاجم الإسرائيليين.
وفي 3 مارس 2020، تقول بار إن نتنياهو استخدم الأسلوب نفسه ضد غانتس من خلال أحمد الطيبي، مروجًا لفكرة أنه من دون الطيبي لن يكون لدى غانتس حكومة.
آيزنكوت في مواجهة نتنياهو: «ركز فقط على العلاقات»
وعن فرص غادي آيزنكوت بعد رحيل منصور، تقول بار إن الأمر يعتمد على كفاءته واستراتيجياته، وترى أن نتنياهو لا يزال قويًا في مستوى التسجيل، لكنه ضعيف جدًا في مستوى العلاقات.
وتقول إن الأحداث الأخيرة أضعفته أكثر في هذا الجانب، خصوصًا ما تصفه بالتخلي عن سكان الجنوب والشمال، والتخلي عن جنود الاحتياط والمقاتلين في كل ما يتعلق بالتجنيد.
في المقابل، ترى أن آيزنكوت يتمتع بميزة كبيرة في مستوى العلاقات.
وتستشهد في هذا السياق بعدة وقائع، من بينها همس نتنياهو في أذن الحاخام كادوري، وقوله للورنا بيريتز: «أنتِ تُملّيننا»، كما تشير إلى أن آيزنكوت سمح لغانتس بتولي منصب رئيس الأركان قبله، وإلى حضوره الإنساني المتواضع، فضلًا عن فقدان ابنه.
وترى أن هذه العوامل كلها ساهمت في بناء صورة قوية لآيزنكوت في كل ما يتعلق بالعلاقات، ولهذا، تقول إن عليه أن يواصل إثارة القضايا من هذا المستوى، وتعتبر قضية تجنيد الحريديم أبرز مثال، فكلما أصبحت العلاقات هي القضية المركزية على جدول الأعمال، ازدادت قوة آيزنكوت.
وتحذر بار من انجرافه إلى قضايا التسجيل، لأنها تصب في مصلحة نتنياهو، وتضيف أن آيزنكوت يتمتع أيضًا بقوة أكبر على مستوى العلاقات من نفتالي بينيت، الذي تصفه بأنه يميني متشدد ويحاول منافسة نتنياهو على مستوى التسجيل.
بينيت ولابيد: صراع بين مستويين
وعندما طُرح عليها أن بينيت يمكن أن يكون قويًا أيضًا على مستوى العلاقات، باعتباره شخصًا قادرًا على الاحتضان والإصلاح، قالت إن الجمع بين المستويين صعب، وترى أن العلاقة بين بينيت ويائير لابيد كانت، في هذا الصدد، ضارة.
وتقول إنه لا يمكن الجمع بين مستويين متناقضين بالقوة نفسها وتوقع نجاح ذلك، فبحسب تصنيفها، يركز لابيد بدرجة أكبر على مستوى العلاقات، بينما يتمركز بينيت في مستوى التسجيل الذي يتميز به اليمين، وعندما يجتمع المستويان، ينشأ صدام وارتباك شديد.
وتقول بار إنها أدركت منذ البداية أن العلاقة مع لابيد ستكون ضارة، لكن ليس للأسباب التي تناولتها وسائل الإعلام، وتشرح أن كل مستوى يفعّل مجموعة مختلفة من الارتباطات، وكذلك هرمونات مختلفة.
وبحسب تحليلها، يقع لابيد في الوسط ويركز أكثر على العلاقات، بينما يقع بينيت في مستوى التسجيل المرتبط باليمين، وترى أن الجمع بينهما أدى إلى حالة من الارتباك.
وعندما طُلب منها تبسيط الفكرة باعتبارها تعني أن ناخبي بينيت يخشون لابيد وأن ناخبي لابيد يخشون بينيت، قالت إن المسألة أعمق من ذلك، مؤكدة أن التسجيل والعلاقات شيئان مختلفان.
لا يمكن لقائد أن يهيمن على مستويين بالقوة نفسها
وتوضح بار أن القائد يمكنه التعامل مع مستويين أو ثلاثة في الوقت نفسه، لكن بشرط أن يكون أحدها هو المستوى المهيمن، وأن تكمله المستويات الأخرى دون أن تنافسه.
وتضع آيزنكوت في مستوى العلاقات، مشيرة إلى أن حزبه يحمل اسم «ياشار!» وأنه كان أيضًا رئيسًا للأركان، وترى أنه يمثل، في هذا الإطار، عكس نتنياهو تمامًا.
وتقول إنه يمكن للقائد أن يستلهم قيمًا من مستوى آخر ويضعها إلى جانب مستواه المهيمن، ويضيف إليها لمسة، لكن ليس على حساب المستوى الأساسي.
وتعطي مثالًا على ذلك بآيزنكوت، قائلة إنه إذا بدأ الآن بالحديث عن الأمن والتركيز على كونه رئيس أركان سابقًا، فسيكون ذلك خطأ، لأنه بذلك سيترك المستوى الذي يتمتع فيه بميزة ويدخل إلى المستوى الذي يتمتع فيه نتنياهو بالميزة، والعكس صحيح أيضًا.
وتقترح بدلًا من ذلك أن يقول آيزنكوت إن اهتمامه بالناس يعني بالضرورة اهتمامه بالأمن، فكلمة «يهتم»، بحسب تحليلها، مرتبطة بالعلاقات، وبذلك يمكن دمج قيم الأمن داخل مستوى العلاقات دون التخلي عن المستوى المهيمن.
وترى أن على آيزنكوت أن يبقى في مستوى العلاقات، وأن تتواجد جميع أحزاب الكتلة، على أن يقتصر الهجوم على نتنياهو وحده، وتؤكد: «يجب على آيزنكوت التركيز عليه وحده».
وعندما سُئلت عما إذا كان مهاجمة نتنياهو تعني انتهاكًا لمستوى العلاقات، أجابت بالنفي، موضحة أن نتنياهو يمثل جهة خارجية، بينما مستوى العلاقات يتعلق بالعلاقات داخل الكتلة نفسها.
الأساس البيولوجي للنظرية
وتؤكد بار مرة أخرى أن نظريتها لا تقوم فقط على التحليل النفسي، وإنما لها جانب بيولوجي أيضًا، وتقول إن لكل طبقة هرموناتها الخاصة، وإنها تستند في ذلك إلى مئات الدراسات.
وتوضح أن طبقة التسجيل تركز على الهرمونات الجنسية، فعند الرجال يرتبط الأمر بهرمون التستوستيرون، بينما يرتبط عند النساء بهرموني الإستروجين والإستراديول، أما طبقة العلاقات، فتربطها بهرمون الأوكسيتوسين.
لماذا تختلف استطلاعات الرأي؟
وعن الاختلافات بين استطلاعات الرأي، تشير بار إلى أنها حللت في كتابها جميع الحملات الانتخابية التي جرت منذ عام 2019، وتقول إن أحد أقسام الكتاب تناول «خطة ترامب للقرن»، وهي الفترة التي كان فيها غانتس متقدمًا على نتنياهو في معظم استطلاعات الرأي، بينما كان الوضع مع شلومو فيلبر معكوسًا.
وتوضح أنها اكتشفت أن فيلبر، قبل أن يسأل المشاركين عن نواياهم التصويتية، طرح سؤالين حول «خطة ترامب للقرن»، وترى أن هذه الأسئلة «أغرقت سجل الناخبين»، وأنه أجرى، بلغة الانتخابات التمهيدية، عملية تمهيدية أعادت تهيئة سجل الناخبين.
وبحسب وصفها، كان ذلك شكلًا من أشكال التلاعب، فالسؤال الأول كان عن خطة ترامب، بينما تعلق السؤال الثاني بتطبيق السيادة على غور الأردن والمستوطنات الإسرائيلية.
وترى أن هذه الأسئلة أعادت إثارة اسم نتنياهو في أذهان الناخبين.
الشعبويون والأصوات المتحركة
وتؤكد بار أن الشعبويين لا يزالون قادرين على التأثير بقوة في الحملة الانتخابية الحالية، وتقول إن الشعبويين، بحكم تعريفهم، هم الأشخاص الأسهل في التأثير عليهم، حتى في اللحظات الأخيرة.
وترى أن تدفق الناخبين من الأحزاب الصغيرة إلى الأحزاب الكبيرة يمثل مؤشرًا على تحرك هذه الفئة، كما تعتبر أن أجواء النصر والزخم عوامل قادرة على التأثير فيهم.
وعن الطرف الذي سيختارونه هذه المرة، تقول إن الأمر يتوقف على مسار الحملة، فإذا جرت الانتخابات على مستوى التسجيل، فقد يحصل نتنياهو على فرص أكبر للفوز، أما إذا جرت على مستوى العلاقات، فسيستفيد آيزنكوت.
المظاهرات كسلاح انتخابي
وترى بار أن المظاهرات يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في حشد الأصوات قبل الانتخابات، وتقول إن خروج الناس إلى الشوارع يمكن أن يساعد على الفوز، لأنه يجذب انتباه وسائل الإعلام ويمنح الأصوات والقادة المشاركين مساحة أكبر، كما تمنح المظاهرات الرسائل السياسية زخمًا، وهو ما يؤثر بدوره في أصوات الناخبين.
وترى أن المظاهرات تساعد أيضًا على زيادة قوة قاعدة الناخبين المحليين الذين سيذهبون إلى صناديق الاقتراع، وبالتالي رفع نسبة الأصوات المؤيدة.
لكنها تحذر من إمكانية استخدام المظاهرات في الاتجاه المعاكس، بحيث تؤدي الرسائل الخاطئة إلى تخويف المتظاهرين أو إضعاف تأثير الحركة.
وبحسب بار، إذا كانت المظاهرات مرتبطة بكتلة التغيير، فيجب أن تركز على التجنيد وعلى تشكيل لجنة تحقيق حكومية، وألا تتشتت في قضايا أخرى.
وتدعو إلى ضبط الرسائل والتركيز على القضايا التي تحظى بإجماع، وتقول إن المظاهرات الحاشدة تثير مشاعر قوية ولها تأثير كبير على المشاركين، ولذلك يجب أن تتضمن بُعدًا عاطفيًا.
وترى أن هذا العنصر العاطفي هو الأقوى في تحويل «التفضيل الحصري» لعلامة سياسية معينة إلى «تفضيل حصري ومستقر»، وهو التفضيل الأقوى والأكثر قدرة على التأثير في السلوك الفعلي، أي دفع الناخب إلى الذهاب إلى صناديق الاقتراع.



