مفتيا رواندا وجزر القمر يدعوان لوقاية أسرية واستباق للأزمات في مؤتمر الإفتاء
القاهرة - دار الإفتاء المصرية:
دعا سماحة الشيخ موسى سندايغايا، مفتي رواندا ورئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في رواندا، إلى انتقال العمل الإفتائي من معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى الوقاية والاستشراف والإرشاد المبكر، مشدداً على أن الفتوى الناجحة لا تقتصر على بيان الحكم الشرعي، وإنما تساعد الإنسان على فهمه وتطبيقه بصورة صحيحة، في ضوء فهم دقيق للواقع ومآلات القرارات على الزوجين والأبناء والمجتمع.

جاء ذلك خلال كلمته في جلسة الوفود الرسمية ضمن فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي يعقد في القاهرة برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبحضور نخبة من الوزراء والمفتين والعلماء والمتخصصين من مختلف دول العالم.
التحولات الرقمية والأسرة
وتوقف مفتي رواندا عند التحولات الرقمية، مؤكداً أن الأبناء أصبحوا يتلقون الأفكار والقيم من مصادر متعددة، ولم تعد الأسرة المصدر الوحيد لتشكيل شخصيتهم، مشيراً إلى أن الطفل المعاصر يعيش في ثلاثة فضاءات متداخلة هي الأسرة والمدرسة والفضاء الرقمي. وحذَّر من تحديات الإدمان الرقمي والعزلة الاجتماعية والمحتوى غير الملائم وضعف الحوار بين الآباء والأبناء، لكنه شدد على أن التعامل مع التكنولوجيا لا ينبغي أن يقوم على الخوف أو الرفض المطلق.
ودعا إلى أن تتجاوز المؤسسات الإفتائية إصدار أحكام جزئية بشأن الوسائل الحديثة، وأن تعمل على بناء «فقه أخلاقي ورقمي للأسرة» يضع ضوابط الاستخدام، ويحمي الخصوصية، ويراعي أعمار الأبناء، ويعزز الرقابة الذاتية.
فقه إفتائي استباقي
وفي ملف الطلاق والنزاعات الزوجية، دعا مفتي رواندا إلى تطوير الخطاب الإفتائي من فقه الحكم إلى فقه الإصلاح، موضحاً أن الشريعة جعلت الطلاق حلّاً عند تعذر استمرار الحياة الزوجية، لكنها سبقت ذلك بوسائل للإصلاح تقوم على التدخل المبكر والحوار والتحكيم، مؤكداً أن سؤال المفتي عن الطلاق لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مسألة مجردة، لأن وراء السؤال أسرة وأطفالاً ومستقبلاً نفسياً واجتماعياً واقتصادياً.
ودعا إلى إنشاء برامج لتأهيل المقبلين على الزواج وتعليمهم الحقوق والواجبات ومهارات الحوار وإدارة الخلاف وفقه الأسرة، إلى جانب تطوير مراكز الإصلاح الأسري وربطها بالمؤسسات الإفتائية والاستفادة من خبراء علم النفس والاجتماع والقانون.
تجربة رواندا في حماية الأسرة
وعرض مفتي رواندا جانباً من التجربة الرواندية في الربط بين حماية الأسرة وحماية البيئة الاجتماعية المحيطة بها، مشيراً إلى الإجراءات الحكومية الرامية إلى مواجهة المشروبات الكحولية غير المشروعة، موضحاً أن أهمية هذه التجربة تكمن في عدم التعامل مع المشكلة باعتبارها قضية صحية أو تنظيمية فقط، وإنما بالنظر كذلك إلى آثارها على العنف والنزاعات الأسرية واستنزاف الموارد المالية للأسرة.

مفتي جزر القمر: الوقاية والاستباق
من جانبه، أكد سماحة الشيخ أبو بكر سيد عبد الله جمل الليل، مفتي جمهورية جزر القمر المتحدة، أن حماية الأسرة في ظل التحولات الكبرى لا يمكن أن تقتصر على التدخل لمعالجة المشكلات بعد وقوعها، وإنما تستلزم الانتقال إلى منهج الوقاية والاستباق، وتعزيز الحوار والرحمة والمسؤولية بين أفراد الأسرة، مع إيلاء عناية خاصة للنشء في مواجهة التأثير المتزايد للفضاء الرقمي.
وشدد على أن التحولات الراهنة تستدعي إعادة النظر في طبيعة الخطاب الإفتائي الموجه للأسرة، بحيث ينتقل من مجرد تقديم جواب عن سؤال فردي إلى بناء وعي أسري ومجتمعي يساعد الناس على تجنب الأزمات قبل وقوعها، وأوضح أن تعقيد المشكلات الأسرية المعاصرة يجعل من الضروري استفادة العمل الإفتائي من العلوم الاجتماعية والنفسية والقانونية ذات الصلة.
أشادة بتجربة دار الإفتاء المصرية
وأشاد مفتي جزر القمر بتجربة دار الإفتاء المصرية في تأهيل المقبلين على الزواج، معتبراً أنها تجربة رائدة تمثل انتقالاً مهماً من معالجة المشكلات بعد حدوثها إلى الوقاية منها قبل وقوعها، من خلال بناء وعي حقيقي بحسن الاختيار وطبيعة العلاقة الزوجية والحقوق والواجبات وكيفية التعامل مع الاختلاف.
ودعا إلى تطوير محتوى إفتائي رقمي موجه بصورة خاصة إلى الشباب والأسر، يتعامل مع التحديات الجديدة بلغة واضحة وموثوقة، مشدداً على ضرورة تعزيز التعاون بين دور وهيئات الإفتاء والمؤسسات التعليمية والاجتماعية، وتبادل الخبرات والدراسات المتعلقة بقضايا الأسرة.
ويُذكر أن المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، المنعقد بالقاهرة تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، يأتي هذا العام تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، بمشاركة كبار العلماء والسياسيين والمفتين وممثلي المؤسسات الدينية والفكرية من مختلف دول العالم.



