بعد استهداف مطار لايبزيج.. هل ترفع ألمانيا سقف المواجهة مع روسيا؟
تكشف حادثة الطائرة المسيرة التي استهدفت مطار لايبزيج في 5 أغسطس الجاري، عن اختبار سياسي لقدرة برلين على التعامل مع ما تعتبره تهديدات روسية تتجاوز حدود الحرب في أوكرانيا، إذ لم تعد الواقعة مجرد حادث أمني عابر في الحسابات الألمانية، وسط تقارير إعلامية عن توجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس لفرض عقوبات على موسكو خارج إطار الاتحاد الأوروبي، من بينها طرد دبلوماسيين وإغلاق «البيت الروسي» في برلين.
وفي حال قررت الحكومة الألمانية تحميل موسكو المسؤولية رسميًا وفرض عقوبات جديدة، فقد يؤدي ذلك إلى توسيع نطاق المواجهة بين روسيا وألمانيا، ردًا على ميرتس بـ«الهجمات الهجينة».
وقال المستشار الألماني إن حادثة الطائرة المسيرة في لايبزيج أظهرت أن بلاده تواجه تهديدات حقيقية للغاية، مؤكدًا أن الحكومة الفيدرالية ستجعل المسؤولين عن هذه الهجمات يدفعون الثمن.
وتعكس تصريحات ميرتس استعدادًا سياسيًا ألمانيًا لتبني موقف أكثر تشددًا تجاه موسكو، في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من انتقال تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية إلى أراضي دول الاتحاد الأوروبي.

هل تتجه ألمانيا إلى رفع سقف المواجهة؟
لا تقتصر أهمية حادثة لايبزيج على الطائرة المسيرة أو المتفجرات التي عثر عليها، وإنما تمتد إلى موقع الحادث والهدف الذي يُعتقد أنه كان المستهدف، فالمطار يمثل منشأة حيوية لحركة الشحن، كما توجد به طائرات أوكرانية من طراز «أنطونوف» منذ اندلاع الحرب.
ووفقًا لتقرير نشرته مجلة «بوليتيكو» الأمريكية، يملك المستشار الألماني عدة خيارات للرد، من بينها زيادة الدعم العسكري المقدم إلى أوكرانيا، بما يعني أن الاستجابة الألمانية المحتملة قد تجمع بين الضغط المباشر على موسكو وتعزيز قدرات كييف في مواجهة القوات الروسية.
غير أن زيادة الدعم العسكري الأوروبي لأوكرانيا تحمل في المقابل مخاطر تصعيدية، إذ إن رفع مستوى المساندة العسكرية قد يمنح موسكو مبررًا لتصوير هذه الخطوات باعتبارها دليلًا على انخراط الدول الأوروبية بصورة مباشرة في الصراع، وهو ما قد يدفعها إلى توسيع استخدام أدوات الضغط غير التقليدية ضد الدول الداعمة لكييف.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحذيرات روسية من دخول العلاقات مع أوروبا مرحلة جديدة من المواجهة، وصفها بعض المسؤولين الروس بـ«الحرب الجليدية».
واعتبر رئيس لجنة سياسة المعلومات في مجلس الاتحاد الروسي، أليكسي بوشكوف، أن العلاقات الحالية بين موسكو والغرب أصبحت أسوأ مما كانت عليه خلال فترة الحرب الباردة.
هل تتحول عقوبات برلين إلى موقف أوروبي موحد ضد موسكو؟
ويكتسب التوقيت المحتمل لإعلان الإجراءات الألمانية أهمية خاصة، إذ يأتي قبل اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المقرر الأربعاء المقبل في أيرلندا، ما يفتح المجال أمام انتقال القضية من كونها ملفًا ألمانيًا إلى قضية أوروبية أوسع.
وفي حال تمكنت برلين من ربط الإجراءات التي تعتزم اتخاذها بعقوبات أوروبية جديدة، فقد تواجه موسكو جبهة غربية أكثر اتساعًا بدلًا من التعامل مع إجراءات ألمانية منفردة.

وفي السياق نفسه، دعت إسبانيا وبولندا وهولندا والسويد الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في خطة متعثرة لاستخدام الأصول الروسية المجمدة لتمويل الدعم المقدم إلى أوكرانيا، في ظل استمرار الضغوط المالية التي تواجهها كييف.
هل تملك برلين أدلة كافية لتحميل روسيا المسؤولية رسميًا؟
تبقى الفجوة بين التقديرات الاستخباراتية والإثبات الرسمي أبرز نقاط الضعف في الموقف الألماني، فالتقارير الإعلامية التي تتحدث عن مسؤولية روسية، بما في ذلك المعلومات المنسوبة إلى مسؤولين أمريكيين، لا تمثل بالضرورة دليلًا نهائيًا على تورط موسكو، وهو ما يفسر تمسك الحكومة الألمانية حتى الآن بضرورة استكمال التحقيقات.
ويخشى محللون من أن تفرض برلين عقوبات واسعة على روسيا قبل اكتمال الأدلة، ثم تظهر لاحقًا معلومات تتعارض مع فرضية المسؤولية الروسية، الأمر الذي قد يضعف موقف الحكومة الألمانية داخليًا وعلى المستوى الأوروبي.
في المقابل، فإن ثبوت تورط موسكو سيمنح ميرتس ورقة قوية لتبرير تبني سياسة أكثر صرامة تجاه روسيا، خاصة مع ما أشارت إليه التحقيقات الأولية بشأن مشاركة 3 طائرات مسيرة في محاولة استهداف طائرة الشحن الأوكرانية «إيه إن-124» داخل المطار، وأن المخطط للهجوم كان يستهدف تنفيذ عملية أوسع مما أعلن عنه في البداية.
كما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أمريكيين مطلعين على المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالحادث أن الطائرة المسيّرة التي كانت تحمل متفجرات تعود على الأرجح للحكومة الروسية.

إلى أين تقود المواجهة الألمانية الجديدة مع موسكو؟
تكشف قضية لايبزيج عن تحول أوسع في طبيعة الصراع الروسي الأوكراني، إذ لم تعد المواجهة تقتصر على ساحات القتال داخل أوكرانيا، بل امتدت إلى المجالات الأمنية والسيبرانية والاستخباراتية، فضلًا عن البنية التحتية الحيوية في أوروبا.
وبذلك، لم يعد السؤال المطروح أمام ألمانيا مقتصرًا على الجهة التي تقف وراء حادثة الطائرة المسيرة في لايبزيج، وإنما أصبح يتعلق بكيفية تعامل برلين وأوروبا مع مرحلة قد تتحول فيها المسيرات وعمليات التخريب والهجمات الهجينة إلى أدوات مستمرة في الصراع بين روسيا والغرب.
وبينما تسعى ألمانيا إلى بناء سياسة ردع تحول دون انتقال الحرب إلى أراضيها، يبقى التحدي الأكبر أمامها هو تحقيق هذا الردع من دون أن تتحول كل حادثة أمنية إلى خطوة إضافية نحو مواجهة مباشرة مع موسكو.



