عاجل

ظهر نوع جديد من الاقتصاد فرضته البيئة الرقمية يسمى ( اقتصاد الانتباه)  أو ( اقتصاد جذب الانتباه)  ، وهو أسلوب إداري واقتصادي يعامل انتباه الإنسان باعتباره سلعة ثمنية ونادرة نظراً لمحدودية القدرة العقلية للبشر في مواجهة التدفق الهائل للمعلومات ، وفيه يتحول انتباه الإنسان إلى مورد ثمين تتنافس المنصات والمؤسسات الإعلامية وصنّاع المحتوى على استقطابه ، وكلما نجح محتوى في جذب انتباه الجمهور كان ذلك عاملا من عوامل النجاح الاقتصادي للمحتوى .
فالمعلومات الكثيرة والغزيرة  في البيئة الرقمية هي التي تبحث عن الجمهور ، وليس كما كان الحال في البيئة التقليدية  حين كان الجمهور يبحث عن المحتوى المتناسب مع اهتماماته وتفضيلاته ، وليس معنى ذلك أن الجمهور في البيئة الرقمية ليس له اهتمامات محددة أو تفضيلات في المحتوى ، بقدر ما تعني أن هذه التفضيلات مراقبة بشكل دقيق خوارزميا بحيث تقوم بتسجيل هذه الاهتمامات والتفضيلات لتعرض عليه سيلا من المحتوى المتناسب مع تفضيلاته ليظل أطول فترة ممكنة في البيئة الرقمية المليئة بملايين المعلومات التي تتسابق على انتباه الجمهور . 
وتكمن الخطورة في أن السعي وراء الانتباه قد يدفع بعض صناع المحتوى إلى تقديم الإثارة على حساب القيمة، والسرعة على حساب الدقة، والمبالغة على حساب الموضوعية ، فالعنوان الصادم، والصورة المثيرة، والمقطع القصير المثير للجدل، قد تحصد مشاهدات وتفاعلات أكبر من محتوى عميق يحتاج إلى قدر من التركيز والتأمل ، وهنا تتغير طبيعة العلاقة بين الإعلام والجمهور؛ فالمتلقي لم يعد مجرد مستهلك للمحتوى، وإنما أصبح جزءًا من عملية إنتاجه وانتشاره،  فكل إعجاب، وتعليق، ومشاركة، ومدة مشاهدة، تتحول إلى بيانات تساعد المنصة على معرفة ما يجذب المستخدم، ثم إعادة إنتاج أنماط مشابهة من المحتوى.
غير أن مواجهة اقتصاد الانتباه لا تعني الانسحاب من العالم الرقمي، أو التسليم بتحويل الإنسان وانتباهه إلى سلعة ، وإنما تعني استعادة الإنسان لقدرته على الاختيار،  فالإعلام الرشيد ينبغي أن يسعى إلى جذب الانتباه من خلال جودة المحتوى وقيمته، لا من خلال استغلال الغرائز والانفعالات.
إن التحدي الحقيقي أمام الإعلام في البيئة الرقمية  ليس أن يحصل على انتباه الجمهور فحسب، بل أن يستحق هذا الانتباه عن جدارة واستحقاق ،  فحين يصبح الانتباه سلعة، تظل مسؤولية الإعلام أن يحافظ على الإنسان باعتباره غاية، لا مجرد رقم في مؤشرات المشاهدة والتفاعل .
 

تم نسخ الرابط