كنتُ في حالةٍ من الحزن الشديد في أعقاب وفاة شقيقي الأكبر إيهاب بغتةً ؛ كان رحيله صدمةً لم أكن مستعدًا لها كما لم نكن جميعًا مستعدين لذلك النوع من الفقد الذي يأتي بلا استئذان فينتزع من حياتنا شخصًا كنا نظن بحكم العادة والمحبة أنه سيبقى معنا طويلًا.
كان ذلك في صيف عام 2011 وما أدراك ما عام 2011 !!
لم يكن عامًا عاديًا في حياتي ولا في حياة المصريين ؛ كان عامًا مفصليًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى ؛ عامًّا انقلبت فيه أشياء كثيرة وتبدلت فيه ملامح الوطن واختلطت فيه مشاعر المصريين بين الخوف والرجاء وبين الحزن والفرح وبين ما كان وما سيكون.
وفي وسط هذا كله كان هناك حزن شخصي له ثقله الخاص : رحيل إيهاب السند …
كنت أفكر في مروان ابن شقيقي الراحل وكان وقتها في العشرين من عمره ؛ شابًا في مقتبل العمر وجد نفسه فجأة أمام الفقد الأكبر يفقد أباه في لحظة لم يكن يتوقعها ويواجه غيابًا لا يعرف الإنسان في العشرين من عمره كيف يتعامل معه.
فقررت أن آخذه معي، لعلنا نخفف عنه شيئًا من حزنه.
والحقيقة أنني وأنا أقول الآن «لأخفف عنه»، أدرك أنني ربما كنت أحاول أن أخفف عن نفسي أيضًا !! ففي أوقات الحزن كثيرًا ما نتوهم أننا نواسي الآخرين بينما نحن في الحقيقة نتشبث بهم كي لا نسقط وحدنا.
ذهبنا إلى مطعم «فايف بيلز» في الزمالك وكان معي يومها النجم عمرو دياب والكاتب الكبير لينين الرملي والممثل محمد لطفي وأحمد زغلول سكرتير عمرو دياب.
كانت جلسةً غير عادية بكل المقاييس لكن أحدًا منا لم يكن يعلم أنها ستتحول بعد سنوات إلى واحدة من تلك الذكريات التي تحتفظ بها الذاكرة بعناية وكأنها مشهد من فيلم قديم لم نفهم قيمته إلا بعدما انتهى.
وما إن جلسنا حتى بدأت حكاية أخرى فطبيعة وجود عمرو دياب في أي مكان كانت كفيلة بتحويل المكان كله إلى مسرح صغير للمعجبين الذين بدأوا في التوافد لالتقاط الصور معه لتتحول جلستنا دون مبالغة إلى ما يزيد على خمس وأربعين دقيقة كاملة من التصوير!

كان عمرو يتعامل مع الجميع بود وصبر ويبتسم لهذا ويقف مع ذاك ويلتقط صورة هنا وأخرى هناك بينما كنا نحن حول المائدة ننتظر انتهاء «المهمة» حتى تبدأ جلستنا الحقيقية.
وكان المشهد في ذاته يحمل مفارقة طريفة ؛ فأنا جالس إلى جوار شاب يحمل في داخله حزن فقد أبيه وإلى جوارنا كاتب كبير وممثل ونجم غناء ومصر كلها في الخارج تعيش واحدة من أكثر سنواتها اضطرابًا بينما نحن ننتظر أن تنتهي طوابير الصور لكي نبدأ حديثًا هادئًا وأخيرًا استقر الأمر حيث هدأ المكان قليلًا وعاد كل منا إلى مقعده وبدأ الحديث ..
وكان للفيلسوف لينين الرملي القدر الأكبر منه ولم يكن ذلك غريبًا فلينين الرملي لم يكن مجرد كاتب يجيد صياغة الجملة والأفكار بل كان صاحب عقل متأمل يرى خلف الأشياء أشياء أخرى ويستخرج من التفاصيل اليومية أسئلةً كبرى عن الإنسان والحياة والمجتمع.
كان يتحدث، ونحن نصغي ؛ وكان حديثه يأخذنا من فكرة إلى أخرى ومن موقف عابر إلى معنى أعمق حتى تشعر أن الرجل لا يتحدث فقط بل يفكر بصوت مسموع.
وكانت الجلسة قد أخذت طابعًا جادًا وربما فلسفيًا واستقراء لمستقبل مجهول - اشهد انه استقرأه انذاك بنسبة ٩٥٪ - إلى أن حدثت تلك اللحظة التي ما زلت أذكرها بكل تفاصيلها حيث نهض عمرو دياب من مكانه متوجهًا إلى دورة المياه ؛ وفجأة قال له محمد لطفي بكل عفوية : «ادخل برجلك اليمين!»
وهنا انفجر الأستاذ لينين الرملي ضاحكًا !! لم تكن ضحكة مجاملة، ولا ابتسامة عابرة وإنما ضحك حقيقي متواصل خرج منه بعفوية شديدة وكأن العبارة البسيطة أصابت في داخله شيئًا لم يستطع مقاومته.
وكانت المفارقة شديدة الطرافة فمنذ لحظات كان لينين الرملي يتحدث حديثًا فلسفيًا عميقًا، ثم جاءت جملة مصرية شعبية من محمد لطفي لتنسف كل هذا الوقار:
«ادخل برجلك اليمين!»
ولم أستطع وأنا أستعيد المشهد الآن إلا أن أبتسم واستعيد ضحكة الاستاذ لينين ووجوم لطفي وترقب الهضبة ونظرة مروان وزغلول ؛ فالإنسان قد يحمل في قلبه جنازةً كاملة ثم تخرج منه في اللحظة نفسها ضحكة ؛ وبقيت ضحكة لينين الرملي وبقيت جملة محمد لطفي التي لم نكن نعرف يومها أنها ستصبح واحدة من أكثر تفاصيل تلك الليلة رسوخًا في الذاكرة:
«ادخل برجلك اليمين!» وللحديث بقية