الأزهر: «الحدود تسقط بالشبهات» قاعدة راسخة لتفكيك الفكر التكفيري
ألقى الدكتور حسن الصغير، رئيس أكاديمية الأزهر العالمية، محاضرة علمية ضمن فعاليات برنامج الترسيخ العلمي الذي تشرف عليه الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء بمشيخة الأزهر الشريف، تناول خلالها قاعدة «الحدود تسقط بالشبهات»، من خلال دراسة ما أورده الإمام السيوطي في كتابه «الأشباه والنظائر»، موضحاً مكانة هذه القاعدة في الفقه الإسلامي، وما تستند إليه من أدلة شرعية، وما تكشف عنه من دقة المنهج الإسلامي في إقامة الحدود وضبط تطبيقها .
وأكد الدكتور الصغير أن فهم هذه القاعدة يمثل مدخلاً مهماً في تفكيك الفكر المتطرف والفكر التكفيري وفكر الخوارج؛ لما تكشف عنه من خلل المنهج الذي تقوم عليه بعض التصورات المتشددة، والتي تختزل الشريعة الإسلامية في جانب العقوبات الحدية، وتتجاهل منظومة الأحكام والقواعد والضوابط الدقيقة التي تحكم الإثبات والمحاكمة وتطبيق العقوبات .
وأوضح رئيس الأكاديمية أن قاعدة «الحدود تسقط بالشبهات» ليست مجرد قاعدة اجتهادية، وإنما هي قاعدة فقهية راسخة دلّت عليها جملة من الأحاديث النبوية، وتلقاها العلماء بالقبول، مؤكداً أن النظر في منهج النبي ﷺ في إقامة الحدود يكشف بوضوح عن حرص الشريعة على التثبت والتحقق ودرء الحدود عند قيام الشبهة المعتبرة .
كما بيّن أن إسقاط العقوبة الحدية لوجود شبهة لا يعني بالضرورة سقوط كل صور المسؤولية والعقوبة، إذ قد يوقع القاضي عقوبة تعزيرية متى توافرت موجباتها؛ بما يحقق التوازن بين صيانة الحقوق، وإقامة العدل، ومراعاة مقاصد الشريعة في حفظ المجتمع .
وخلال المحاضرة، قرأ الدكتور الصغير النص الذي أورده الإمام السيوطي حول القاعدة، موضحاً دلالات تعدد الروايات الحديثية التي ساقها السيوطي، ودقة اختياره للألفاظ والتعبيرات الفقهية، كما ناقش عدداً من الفروع والتطبيقات التي ذكرها الإمام السيوطي، مبيناً إمكانية تخريج صور معاصرة عليها في ضوء القواعد الفقهية والأصول العلمية المنضبطة .
وتوقف الدكتور الصغير عند قول الإمام السيوطي: «إنما تعتبر الشبهة إذا قويت»، موضحاً أن مجرد وجود شبهة لا يكفي لإسقاط الحد، وإنما المعتبر هو قيام شبهة قوية معتبرة شرعاً، بما يؤكد دقة المنهج الفقهي في الموازنة بين حفظ الحقوق، وتحقيق العدالة، وصيانة المجتمع .
وتأتي هذه المحاضرة في إطار حرص الأزهر الشريف على تأصيل العلوم الشرعية، وتعميق الفهم المنهجي للنصوص والقواعد الفقهية، بما يسهم في بناء وعي علمي راسخ قادر على مواجهة القراءات المنحرفة والمناهج الفكرية المتطرفة، وترسيخ الفهم الصحيح لمقاصد الشريعة الإسلامية .



