عاجل

".. قذف كل نبي بحجر".. عبارة استوقفتني قديمًا في سياق إحدى القضايا التي شغلت الرأي العام المصري، حين كان عبد الخالق المحجوب، شقيق رئيس مجلس الشعب الأسبق الدكتور رفعت المحجوب، متهمًا في قضية أثارت جدلاً واسعًا، فقالها رفعت المحجوب تحت قبة البرلمان في دفاعه عن شقيقه، وظلت المقولة بما تحمله من صورة بلاغية، تختزن معنى يتجاوز سياقها القضائي، حين يتحول الاتهام إلى غاية، ويصبح إلقاء الحجر على كل من يقع في طريق الخصومة طريقًا إلى الشهرة. من هنا جاء عنوان هذا المقال لا باعتباره اتهامًا لأحد، وإنما بوصفه استعارة لنمط من الكتابة يقوم على الانتقال من شخصية إلى أخرى، ومن خصومة إلى أخرى، حتى يصبح الاشتباك مع الأشخاص هو الموضوع، بينما تتوارى القضية التي يفترض أن تكون أصل الكتابة.

أستحضر هذه المقولة وأنا أتابع ما يكتبه الدكتور أيمن منصور ندا في الآونة الأخيرة، خصوصًا على حسابه في فيسبوك، حيث تتكرر مقالات ومنشورات تتخذ من رموز إعلامية معروفة موضوعًا رئيسيًا للنقد والهجوم. ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن أي شخصية تناولها ندا، ولا بمناقشة ما إذا كان قد أصاب في نقده لها أو أخطأ، وإنما بالسؤال الأهم: ماذا يبقى من هذه الكتابات إذا أخرجنا منها أسماء الأشخاص الذين تدور حولهم؟ ذلك هو السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده؛ فليس عيبًا أن ينتقد الكاتب إعلاميًا، ولا أن يختلف معه، ولا أن يكشف خطأه أو يناقش مواقفه، بل إن النقد ضرورة لأي مهنة تريد أن تحافظ على حيويتها، لكن النقد شيء، وتحويل الأشخاص إلى مادة دائمة للاشتباك شيء آخر.

فالكاتب صاحب المشروع الفكري يجعل من الأشخاص مدخلاً إلى الظواهر والأفكار، لا غاية للكتابة. أما حين تغيب القضية، يصبح الشخص هو القضية، ويغدو الاشتباك بديلاً عن الفكرة. وهنا تحديدًا تكمن مشكلة ندا؛ فمن يتابع كتاباته يجد قدرة واضحة على صناعة المعركة، وعلى التقاط نقطة الخلاف، وعلى بناء خطاب حاد حول الشخصية التي استهدفها، لكن السؤال الذي يظل معلقًا بعد انتهاء المعركة هو: أين القضية التي تستحق أن نختلف حولها؟ أين الفكرة التي يمكن أن يتبناها قارئ ويختلف معها قارئ آخر؟ أين الرؤية التي يمكن أن تتحول إلى نقاش عام؟ أين المشروع الذي يقول لنا، بعد أن ينتهي الكاتب من هدم صورة هذا الإعلامي أو ذاك: كيف ينبغي أن يكون الإعلام؟

ندا لا يقدم نفسه مجرد كاتب رأي عابر، وإنما ينطلق من خلفية أكاديمية في الإعلام، بما يفترض معه أن تكون لديه القدرة على تجاوز الشخص إلى الظاهرة، والواقعة إلى القاعدة، والخطأ الفردي إلى الخلل المؤسسي، والنقد إلى اقتراح البديل. فالمشكلة في الإعلام ليست أن لدينا إعلاميين يخطئون فقط؛ هذه حقيقة لا تحتاج إلى اكتشاف، بل هي: لماذا ينتج النظام الإعلامي أخطاء متشابهة؟ ولماذا تتكرر الممارسات نفسها حتى مع تغير الأشخاص؟ وما الذي ينبغي إصلاحه في بنية المؤسسات وثقافة العمل ومعايير الاختيار والتقييم؟ هذه الأسئلة هي التي تستحق أن يكتب عنها أستاذ الإعلام. أما أن ينتقل ندا في كل مقال إلى اسم جديد، وكل اسم إلى خصومة جديدة، وكل خصومة إلى مادة للتهكم أو التشريح أو المحاكمة، فإن الكاتب قد يحقق حضورًا لافتًا، لكنه لا يقدم إضافة معرفية توازي حجم هذا الحضور. وهنا يمكن أن نطرح السؤال بصورة أكثر مباشرة: هل شهرة الكاتب تأتي من أفكاره أم من خصومه؟

فالفكرة تمنح الكاتب عمرًا أطول من مقاله، أما الخصومة فقد تمنحه حضورًا عابرًا، لكنها تشوه صورته وتنتقص من رصيده. الفكرة تجعل الناس يختلفون معك حول مضمونها، أما الخصومة فتجعلهم ينشغلون بمن هاجمت، وكيف هاجمته، وهل سيرد عليك أم لا. وفي الحالة الأولى تكون قد خلقت مشروعًا يستحق النقاش حوله، وفي الثانية صنعت معركة تحدث دويًا لكنها خاسرة، والفارق بين الاثنين هو الفارق بين كاتب يضيف إلى المجال العام، وكاتب يستهلك المجال العام في الاشتباك. ولذلك فإن السؤال الذي أراه أكثر إلحاحًا من أي رد على ندا هو: إذا حذفنا أسماء الإعلاميين الذين ينتقدهم، فكم من هذه المقالات سيبقى قائمًا بوصفه فكرة تستحق النقاش؟

سؤال واحد كهذا كفيل بأن يعيد ندا حساباته، لا فيمن يهاجم، وإنما فيما يطرح. فليس المهم أن نعرف أن فلانًا أخطأ، أو أن علانًا لم يحسن إدارة مؤسسة، أو أن شخصية إعلامية اتخذت موقفًا يراه الكاتب خاطئًا، المهم أن نعرف ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الإعلام ككل: هل ما ينتقده الكاتب يرتبط بأداء فردي أم بطبيعة الدور والمسؤولية التي يؤديها؟ هل المشكلة في أداء الشخص أم في الطريقة التي جرى بها التعامل مع القضية محل النقد؟ وهل تغيير الأشخاص، في حد ذاته، كفيل بإحداث تغيير حقيقي في الأداء؟ وما الذي يمكن تطويره لضمان معالجة أوجه القصور وتجنب تكرارها؟ ثم، وهو السؤال الأهم: ما البديل الذي يقترحه الكاتب؟ وهل يستطيع أن يضع رؤيته بوضوح على الطاولة؟ هذه هي الأسئلة التي تحول النقد من قذف كل نبي بحجر إلى محاولة جادة لبناء شيء جديد، أما أن نعرف من هو الشخص التالي الذي سيقع في دائرة نقد ندا، فهذا قد يكون ممتعًا للمتابع، لكنه لا يصنع إصلاحًا.

لعل أكثر ما يحتاج ندا إلى مراجعته في كتاباته الأخيرة ليس شدة النقد، وإنما ما هو الهدف من وراء النقد؟ فليس المطلوب أن يكون أكثر لطفًا مع الشخصيات الإعلامية التي ينتقدها، وإنما أن يكون أكثر قسوة مع الأفكار نفسها. وليس المطلوب أن يتوقف عن كشف الأخطاء، وإنما أن يتناول أسبابها. وليس المطلوب أن يتخلى عن حقه في الاشتباك، وإنما أن يجعل الاشتباك وسيلة لطرح قضية، لأن الكاتب الذي يملك أدوات أكاديمية واسعة يستطيع أن يقدم أكثر بكثير من مجرد قائمة بأسماء الإعلاميين الذين يرى فيهم عبئًا على الإعلام. يمكنه أن يقدم مشروعًا لإصلاح الإعلام، يستطيع أن يناقش مستقبل المهنة، يستطيع أن يتحدث عن استقلالية المؤسسات، ومعايير اختيار القيادات، وأخلاقيات العمل الصحفي، وإدارة غرف الأخبار، وتطوير المحتوى، وتأهيل الصحفيين، وعلاقة الإعلام بالجمهور، وكيفية استعادة الثقة التي تراجعت في كثير من المجتمعات أمام انفجار وسائل التواصل الاجتماعي. كل هذه قضايا تستحق النقاش حولها، كل واحدة منها يمكن أن تنتج عشرات المقالات، وكل واحدة منها يمكن أن تجعل صاحبها حاضرًا بفكرته.

أما أن يظل الكاتب يستهدف كل مرة شخصية إعلامية يضعها في مرمى النيران كي يبدأ مقالاً جديدًا، فهنا يصبح من المشروع أن نسأل: هل نحن أمام مشروع نقدي للإعلام، أم أمام مشروع للظهور من خلال الخصومة؟ والفارق بينهما كبير؛ فالمشروع النقدي يترك وراءه أفكارًا، أما مشروع الخصومة فيترك وراءه أعداء، الأول يبني تراكمًا، والثاني يبني سجلاً من المعارك، الأول يزداد قيمة بمرور الوقت، والثاني يفقد بريقه بمجرد أن تنتهي المعركة.

أنا لا أريد أن أدخل في سجال مع ندا حول أي إعلامي هاجمه، ولا أن أكون طرفًا في معركة جديدة من معاركه، ذلك تحديدًا هو ما أعتقد أنه يجب تجاوزه. ما يهمني هو السؤال الذي لم أجد له، في متابعتي لكتاباته الأخيرة، إجابة واضحة: ما هي القضية الجادة التي يريد أيمن منصور ندا أن يضعها أمام الإعلاميين والباحثين والرأي العام لكي نختلف أو نتفق حولها؟ فإذا كانت لديه قضية، فليطرحها مجردة من الأسماء، ولنختلف حولها كما نختلف حول أي فكرة محترمة. وإذا كانت لديه رؤية لإصلاح الإعلام، فليضعها كاملة أمام القارئ. وإذا كان يرى أن الإعلام المصري يعاني خللاً عميقًا، فليشرح لنا طبيعة الخلل، وأسبابه، وكيف يمكن علاجه. أما أن يظل الكاتب يلاحق الأشخاص، فإن الأشخاص أنفسهم قد يتحولون إلى مصدر شهرته، فيصبح وجود الخصم شرطًا لكتابة المقال، وهنا تتحول المعادلة من كاتب يملك فكرة إلى خصم يمنح الكاتب مادة، وهذه ليست المكانة التي يستحقها كاتب أكاديمي.

الكاتب الحقيقي لا يحتاج إلى شخص يهاجمه كي يكون حاضرًا، يكفيه أن تكون لديه فكرة، والفكرة عكس الأشخاص لا تحتاج إلى خصم كي تعيش. ولهذا فإنني أظن أن أفضل نقد يمكن توجيهه إلى أيمن منصور ندا اليوم ليس أن نقول له لا تهاجم فلانًا، أو لا تنتقد علانًا، أو تقذف العلن التالي، بل أن نقول له اترك لنا الأشخاص، وأعطنا الأفكار، اكتب لنا مقالاً لا تحتاج فيه إلى اسم إعلامي، اطرح قضية على الطاولة، افتح نقاشًا حقيقيًا، قدم رؤية يمكن أن نختلف معها، ضع تصورًا لمشروع فكري يمكن أن نناقشه. عندها فقط سنكون أمام كاتب لا يستمد حضوره من كسب أعداء جدد، وإنما من قيمة ما يطرحه؛ فالكتابة لا تقاس بعدد الحجارة التي يقذفها ندا فوق الرؤوس، وإنما بما إذا كان قد طرح شيئًا يستحق أن يختلف الناس حوله.

تم نسخ الرابط