"نبي الرحمة".. الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة القادمة وتدعو إلى استلهام القيم
أعلنت وزارة الأوقاف، اليوم الأحد، عن موضوع خطبة الجمعة القادمة، تحت عنوان «نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم»، وذلك في الإصدار التاسع والستين من سلسلة «زاد الأئمة والخطباء»، التي تهدف إلى التعريف بشمائل النبي ﷺ ومظاهر رحمته الشاملة، واستلهام القيم النبوية الراقية وتطبيقها في واقعنا المعاصر.
وتأتي هذه الخطبة في إطار احتفاء الوزارة بشهر ربيع الأول شهر مولد النبي الكريم، وتأكيداً على أن الرحمة لم تكن خلقاً عارضاً في شخصية النبي ﷺ، ولا خصلة تظهر في بعض مواقفه ثم تغيب، وإنما كانت روح رسالته، وغاية بعثته، وأثراً ممتداً في كل ما جاء به من هدي وتشريع.
الرحمة جوهر الرسالة المحمدية
تستند الخطبة في محورها الأول إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، حيث تؤكد أن هذه الآية كاشفة عن حقيقة الرسالة المحمدية وجوهرها، وأن الرحمة لم تكن خلقاً عارضاً في شخصية النبي ﷺ، وإنما كانت روح رسالته وغاية بعثته.
وقد تنوعت أقوال المفسرين في معنى الآية؛ فروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كُتِبَ لَهُ الرَّحْمَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عُوفِيَ مِمَّا أَصَابَ الْأُمَمَ مِنَ الْخَسْفِ وَالْقَذْفِ". بينما يرى ابن جزي أن المعنى أن الله رحم العالمين بإرسال سيدنا محمد ﷺ؛ لأنه جاءهم بالسعادة الكبرى والنجاة من الشقاوة العظمى، ونالوا على يديه الخيرات الكثيرة في الآخرة والأولى.
وقد جاءت رحمته ﷺ أوسع من أن تحدها دائرة أو يقيدها انتماء؛ فلم تكن رحمة لفئة دون أخرى، ولا لقوم دون قوم، بل كانت رحمة للعالمين، شملت المؤمن والمخالف، والقريب والبعيد، والصغير والكبير، والصديق والعدو، وامتدت حتى إلى الحيوان وسائر المخلوقات، فكان ﷺ رحمة تمشي بين الناس، يرق للضعيف، ويواسي الحزين، ويعطف على المحتاج، ويصفح عمن أساء، ويحرص على هداية من خالفه، حتى غدت الرحمة في سيرته منهجاً أصيلاً لا موقفاً استثنائياً.
ولم تقف رحمته ﷺ عند حدود المشاعر والعواطف، بل تحولت إلى منهج حياة متكامل تجلى في أقواله وأفعاله، وفي عباداته ومعاملاته، وفي بيته ومجتمعه، وفي حال السلم والحرب، وفي تعامله مع أصحابه ومخالفيه، فكان يعلم الرحمة قولاً، ويجسدها فعلاً، ويغرسها في النفوس خلقاً وسلوكاً.
رحمته بأهل بيته وقرابته
وتشير الخطبة إلى شفقته الشخصية على المتصلين به، والتي تبدو في معاملته لأهله من أزواج وأقارب. ومن أبرز صور ذلك امتناعه عن النوم عندما أُسر عمه العباس بن عبد المطلب في غزوة بدر، فكان يبكي لأنينه، مما يعكس الألم لأسره مع التمسك بالعدالة المقررة التي تسوي بين الناس في النتائج إذا تساووا في الأسباب.
رحمته بالأطفال والضعفاء
كان النبي ﷺ، على علو مكانته وعظيم شأنه، قريباً من الصغار، يملأ قلوبهم أنساً ومحبة، ويعاملهم بعطف يفيض رحمة وحناناً. فكان يحمل الأطفال ويقبلهم ويداعبهم، ويخص الحسن والحسين رضي الله عنهما بعناية ظاهرة، فيلاطفهما أمام أصحابه دون أن يرى في ذلك ما ينقص من هيبته أو مكانته.
وحين استنكر البعض تقبيله للصبيان، بيّن ﷺ أن الرحمة هي التي تمنح القلب إنسانيته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِساً، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَداً، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ».
وكان ﷺ يراعي أحوال الصغار حتى في أعظم العبادات؛ فكان إذا سمع بكاء الصبي في الصلاة خفف فيها، مراعاة لمشاعر أمه وشفقة عليها، فعن أبي قتادة، عن النبي ﷺ قال: «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ، أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ».
رحمته بالنساء
جاء النبي ﷺ برسالة رفعت عن المرأة صوراً من الظلم والامتهان، وأكدت كرامتها وحقوقها، وجعلت الإحسان إليها من دلائل حسن الخلق، فقال ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً»، وقال: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي». وكان ﷺ قدوة في حسن معاشرة زوجاته، رفيقاً بهن، يستمع إليهن ويكرمهن، كما رفع مكانة الأم وأكد عظيم حقها، فقال لمن سأله عن أحق الناس بحسن صحبته: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ».
كما حفظ ﷺ للمرأة مكانتها الاجتماعية والإنسانية، فأقر لها حقوقها، وحث على الإحسان إلى البنات ورعايتهن، وجعل القيام عليهن باباً عظيماً من أبواب الأجر، فقال ﷺ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ»، وضم أصابعه.
رحمته بالحيوان والبيئة
امتدت رحمة النبي ﷺ لتشمل كل كائن حي يدب على هذه الأرض، فجاءت أحاديثه الشريفة تنهى عن تعذيب الحيوان وإيذائه أشد النهي، حتى أخبر ﷺ أن امرأة دخلت النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، في حين أخبر أن رجلاً سقى كلباً أشرف على الهلاك من العطش فغفر الله له، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْراً فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْراً؟ قَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ».
ومن مواقفه ﷺ أنه نهى أصحابه عن اتخاذ الحيوان غرضاً يرمى بالسهام، فعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئاً فِيهِ الرُّوحُ غَرَضاً»، ونهى عن الجلوس على ظهور الدواب وهي واقفة عبثاً دون حاجة، وأوصى بالإحسان في الذبح وشحذ الشفرة حتى لا تتعذب الذبيحة.
رحمته بالعصاة والمذنبين
كان النبي ﷺ يفرق دائماً بين الذنب وصاحبه، فيمقت المعصية ويرحم المذنب، ويسعى إلى تقويمه لا إلى فضحه وتحطيمه. فكان أسلوبه في التربية قائماً على الستر والتلطف، لا على التشهير والتجريح، حتى قال لأصحابه حين قالوا لرجل ارتكب ذنباً: أَخْزَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ: «لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ»، مؤسساً بذلك منهجاً نبويّاً في الإصلاح يقوم على معالجة الخطأ مع حفظ كرامة المخطئ.
وعن أبي هريرة أن الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إن دوساً قد عصت وأبت فادع الله عليها، فقال أبو هريرة: فقلت: هلكت دوس، فرفع رسول الله ﷺ يديه، وقال: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْساً وَأْتِ بِهِمْ».
رحمته في الحرب والسلم
على الرغم مما تفرضه الحرب من قسوة وشدة، ظلت رحمة النبي ﷺ حاضرة حتى في أشد المواطن التي يظن أنها بعيدة عن الرأفة، فكان يوصي قادة جيوشه قبل انطلاقهم بوصايا تقيد سطوة السلاح بضوابط أخلاقية صارمة: «لَا تَقْتُلُوا شَيْخاً فَانِياً وَلَا طِفْلاً صَغِيراً وَلَا امْرَأَةً وَلَا تَغُلُّوا»، فجعل ﷺ ميدان القتال -على قسوته- محكوماً بميثاق أخلاقي يحفظ للإنسانية كرامتها حتى في أوج الصراع.
وكان حرصه ﷺ على تجنب سفك الدماء ظاهراً في أدق تفاصيل سيرته، فما دخل حرباً إلا مضطراً، وما وجد فرصة للصلح إلا آثرها على القتال. حتى في صلح الحديبية، حين قبل ﷺ شروطاً بدت في ظاهرها مجحفة بحق المسلمين، آثر السلم وحقن الدماء على الاعتداد بالنصر العسكري، فكان ذلك الصلح -كما وصفه القرآن- فتحاً مبيناً، لأنه جنب الطرفين حرباً كانت ستزهق فيها أرواح كثيرة.
رحمته بأعدائه
يوم دخل النبي ﷺ مكة فاتحاً، بعد سنوات من الأذى والحصار الذي لاقاه من قريش، وقف أمام صناديدها الذين آذوه وأخرجوه وقاتلوه، وهم ينتظرون حكمه فيهم خاضعين منكسرين، فلم ينطق بكلمة انتقام، بل قال قولته الخالدة: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ»، فكان عفوه ﷺ في أوج قوته وتمكينه أعظم دليل على أن الرحمة عنده ليست ضعفاً يبدى عند العجز، بل خلقاً ثابتاً لا يتغير بتغير الأحوال، فحول بهذا العفو قلوب أعدائه إلى قلوب مسلمة موالية، ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
وقبل ذلك بسنوات، حين ذهب ﷺ إلى الطائف يلتمس النصرة، قابله أهلها بالسخرية والإيذاء، وأغروا به سفهاءهم حتى أدموا قدميه الشريفتين، فناداه جبريل عليه السلام فقال له ملك الجبال: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال النبي ﷺ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً»، فما دعا عليهم بالهلاك، بل دعا لهم بالهداية.
أثر رحمته في بناء الحضارة الإسلامية
كانت رحمة النبي ﷺ بمثابة بذرة غرسها في قلوب أصحابه فأثمرت قيماً حضارية امتدت عبر القرون، فتربى الصحابة على عينه حتى تشرّبوا رحمته سلوكاً وممارسة، فتحولت من موقف نبوي فردي إلى سلوك اجتماعي يلتزم به الجميع.
ومن غرس النبوة، نشأت في الحضارة الإسلامية مؤسسات ما كانت الإنسانية قد عرفت لها مثيلاً في ذلك العصر؛ فقامت الأوقاف لرعاية الفقراء والأيتام وابن السبيل، وأنشئت البيمارستانات لعلاج المرضى مجاناً مهما كانت ديانتهم أو أصلهم، وسنت الأحكام التي تكفل حقوق الأسير والمرأة والطفل والحيوان، حتى غدت الرحمة معياراً تقاس به سياسات الحكام وأحكام القضاة.
وتجلى أثر هذه الرحمة في تعامل المسلمين خلال الفتوحات؛ فلم يفرضوا الدين إكراهاً، بل ضمنوا لأهل الذمة حرية عقيدتهم وحماية كنائسهم ومعابدهم، اقتداءً بعهود النبي ﷺ ومواثيقه، حتى شهد المؤرخون من غير المسلمين بعدل هذه الفتوحات ورحمتها.
كيف نستلهم رحمته اليوم؟
كلما انتشرت المادية وأضفت على الحياة ظلالها زادت حاجة الإنسان المعاصر إلى استعادة معالم الرحمة النبوية وتطبيقها في تفاصيل حياته اليومية.
ففي الأسرة، يمكن للمرء أن يستلهم رحمته ﷺ بأن يكون كما كان مع أهله؛ رفيقاً في القول، عادلاً بين أبنائه، صبوراً على تقصير زوجه، متجاوزاً عن هفوات أفراد بيته، فقد كان ﷺ في مهنة أهله، يخدم نفسه ويرفق بمن حوله، حتى قال: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ».
وفي ميدان العمل، تتجلى الرحمة النبوية في إنصاف الموظف والعامل، وعدم تحميله فوق طاقته، ومراعاة ظروفه، اقتداءً بوصيته ﷺ: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ».
أما في التعامل مع المخالف، سواء كان مخالفاً في الرأي أو الدين أو المذهب، فإن رحمته ﷺ تعلمنا أن الاختلاف لا يستدعي العداء، وأن الحوار الهادئ أجدى من الإقصاء والتخوين، فقد جالس ﷺ اليهود والنصارى، وأنصف المخالف قبل الموافق، وعامل الناس بمقتضى إنسانيتهم لا بمقتضى عقيدتهم فحسب.
ومن أهم ما ينبغي استلهامه اليوم أن الرحمة كانت عند النبي ﷺ طريقاً للدعوة لا وسيلة للإكراه، فقد أرسله الله رحمة لا نقمة، وداعياً لا مسيطراً، يخاطب القرآن الكريم نفسه الشريفة قائلاً: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، فكان لين قلبه الشريف سبباً في اجتماع القلوب حوله لا سبباً في ضعف موقفه.
واختتمت الخطبة بالدعاء: "اللهم صل وسلم على باب الرحمة الأعظم، سيدنا ومولانا محمد، وحققنا بأخلاقه الشريفة، وارزقنا حسن التأسي به، والاقتداء بجميل خصاله، وارزقنا رحمة في قلوبنا نتعامل بها بين خلقك، وترحمنا بها يوم القيامة بفضلك يا كريم".



