عاجل

موسكو تسحب سفيرها من لندن وتترك منصبه شاغرا وسط تصاعد التوتر

السفير الروسي لدى
السفير الروسي لدى المملكة المتحدة أندريه كيلين

دخلت العلاقات الروسية البريطانية مرحلة جديدة من التوتر، بعدما غادر السفير الروسي لدى المملكة المتحدة أندريه كيلين منصبه من دون أن تقدم موسكو حتى الآن مرشحا لخلافته، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن مستوى التمثيل الدبلوماسي الذي تعتزم روسيا اعتماده في لندن خلال المرحلة المقبلة.

وذكرت صحيفة «صنداي تايمز» أن كيلين، الذي تولى منصبه في نوفمبر 2019، غادر السفارة الروسية في لندن في 21 يوليو الماضي، بينما لم يتلق العاملون في البعثة مؤشرات على موعد تعيين سفير جديد، لتتولى السفارة في الوقت الحالي قائم بالأعمال.

وجاء رحيل كيلين بعد يوم واحد فقط من تولي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام مهامه في 20 يوليو.

ولم تعلن موسكو رسمياً أن الخطوة تمثل خفضاً للعلاقات الدبلوماسية، كما لم تربطها مباشرة بالخلافات الأخيرة بين البلدين، إلا أن غياب بديل للسفير يفتح الباب أمام احتمال استمرار التمثيل الروسي في بريطانيا على مستوى أدنى لفترة غير محددة.

موسكو: كيلين حاول الحفاظ على قنوات التواصل

دافعت السفارة الروسية في لندن عن أداء كيلين، وقال متحدث باسمها إنه بذل «جهوداً كبيرة للحفاظ على الاتصالات وقنوات التواصل» مع بريطانيا، متهماً الحكومة البريطانية باختيار «طريق المواجهة» مع موسكو.

وأضاف المتحدث أن السفير السابق غادر منصبه على أمل استعادة «حوار أكثر بناء واحتراما» بين البلدين في نهاية المطاف، إذا أعادت المملكة المتحدة النظر في سياساتها تجاه روسيا.

وأكدت السفارة أن الكرملين لم يطرح حتى الآن اسما بديلا لكيلين، وأن البعثة تدار مؤقتاً بواسطة القائم بالأعمال.

ويعد سحب السفير إحدى الوسائل الرسمية التي يمكن للدول استخدامها للتعبير عن استياء شديد من دولة أخرى من دون الوصول إلى مرحلة قطع العلاقات الدبلوماسية. وفي حالات أخرى، قد ينخفض مستوى التمثيل بصورة تدريجية عندما تمتنع دولة عن تعيين سفير جديد بعد انتهاء مهمة السفير السابق.

ويظل السؤال الأساسي هو ما إذا كان غياب السفير الروسي مؤقتاً إلى حين اختيار خلف، أم أنه يعكس قراراً روسياً بالإبقاء على العلاقات مع لندن عند مستوى دبلوماسي أدنى.

إعلان الرحيل سبق الأزمة الأخيرة

وبحسب «الصنداي تايمز»، أُبلغ العاملون في السفارة الروسية برحيل كيلين قبل نحو شهر من مغادرته، خلال مناسبة أقامتها السفارة بمناسبة «يوم روسيا».

وفي اليوم نفسه، أجرى السفير البريطاني لدى موسكو نايجل كايسي، إلى جانب السفير الألماني ألكسندر غراف لامبسدورف والسفير الفرنسي نيكولا دو ريفيير، محادثات نادرة مع نائب وزير الخارجية الروسي، للتنديد بالحرب الروسية في أوكرانيا.

ولم تتضح أسباب مغادرة كيلين بعد نحو ست سنوات في المنصب، بينها أكثر من أربعة أعوام منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.

ويرى الباحث في الشأن الأمني الروسي مارك غاليوتي أن تأخر تعيين خلف قد يكون مؤشراً إلى تراجع جاذبية منصب السفير في موسكو، بعدما أصبح العمل الدبلوماسي بين روسيا وبريطانيا أكثر صعوبة.

وقال غاليوتي إن المنصب الذي كان يُعد في السابق وظيفة مرموقة أصبح موقعاً «صعباً» يصعب فيه على شاغله ترك أثر، ما قد يجعل الدبلوماسيين الذين يمتلكون الأقدمية والثقل المطلوبين أقل رغبة في توليه.

أما الملحق العسكري البريطاني السابق في موسكو جون فورمان، فأشار إلى أن وجود فترة شغور بين سفيرين ليس أمراً غير مسبوق، لكنه رأى أن حدة بيان السفارة الروسية والتدهور الكبير في العلاقات الثنائية منذ 2019، ولا سيما منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، يثيران احتمال أن تكون موسكو بصدد خفض مستوى العلاقات بصورة أكثر ديمومة.

حتى القنوات العسكرية تبدو مسدودة

ولا يقتصر التوتر على القنوات السياسية والدبلوماسية، إذ تشير تقارير إعلامية بريطانية إلى صعوبات متزايدة في الاتصالات العسكرية بين البلدين.

وبحسب التقارير، باءت محاولات المارشال ريتشارد نايتون، رئيس أركان الدفاع البريطاني، للتحدث إلى نظيره الروسي الجنرال فاليري غيراسيموف بالفشل.

وقال مصدر دفاعي إن اتصالات خلفية بين ممثلين عسكريين من البلدين لم تُسجل منذ صدور التهديدات الروسية الأخيرة تجاه بريطانيا، بما في ذلك تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.

ووصف مصدر دبلوماسي رفيع المستوى انهيار قنوات الحوار بأنه «مقلق للغاية»، مؤكداً أن الحفاظ على الاتصالات يظل مهماً «لا سيما بين الدول المتخاصمة»، لأن التواصل وخفض التصعيد يمكن أن يساعدا في منع الحوادث الخطرة من التحول إلى أزمات أكبر.

وفي المقابل، رأى مصدر في الأمن القومي البريطاني أن الخطوة الروسية قد تكون رسالة متعمدة إلى لندن بعد الغضب المتزايد في الكرملين من الدور البريطاني في دعم أوكرانيا، واعتبر أن الرسالة الضمنية قد تكون أن بريطانيا لم تعد تتمتع بالثقل نفسه في حسابات موسكو.

المسيرات البريطانية تفتح جبهة جديدة

وتزامن تصاعد التوتر مع الكشف، في منتصف أغسطس/آب الجاري، عن استخدام القوات المسلحة الأوكرانية طائرات مسيرة من إنتاج شركتين بريطانيتين في هجمات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية خلال الأشهر الستة الماضية، بينها ضربات استهدفت مصافي نفط.

وأشارت تقارير إلى أن إحدى المنظومات المستخدمة هي المسيرة الانتحارية النفاثة «نيان»، التي تنتجها شركة «كالن-لينز»، التابعة لقسم «فالكون ووركس» في مجموعة «بي إيه إي سيستمز».

وردت السفارة الروسية في لندن ببيان اتهم الحكومة البريطانية بتعمد تصعيد الأزمة الأوكرانية، بينما تتحدث في الوقت نفسه عن رغبتها في السلام، وحذرت السفارة من أن ما وصفته بأفعال لندن ستكون له «عواقب» يتعين على بريطانيا تحملها.

ورفع لافروف مستوى التحذير في 18 أغسطس، عندما قال إن موسكو تعتبر من حقها النظر إلى المشاركة البريطانية المباشرة والمعلنة في هجمات تستهدف روسيا باعتبارها مشاركة في الحرب، مع ما يترتب على ذلك من تبعات.

واستحضر الوزير الروسي تحذيراً سابقاً للرئيس فلاديمير بوتين بشأن حق روسيا، وفق طرح موسكو، في التحرك في أي جزء من محيطات العالم إذا تعرضت مصالحها أو ممتلكاتها للخطر، مضيفاً أنه سيكون «من المؤسف» لبريطانيا إذا اختارت الوقوف إلى جانب أوكرانيا «حتى النهاية».

لندن تتمسك بدعم أوكرانيا

في المقابل، أكد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام تمسك حكومته بدعم كييف، وقال إن بريطانيا تفعل «ما قالت دائماً إنها ستفعله، أي دعم أوكرانيا 100 في المئة في مواجهة هذه الحرب غير الشرعية»، مضيفاً: «لسنا أصدقاء الطقس الجميل، سنكون إلى جانب أوكرانيا في ساعة حاجتها».

وقالت وزارة الدفاع البريطانية إنها ملتزمة بتزويد أوكرانيا بالمعدات التي تحتاج إليها، لكنها لم تؤكد استخدام مسيرات بريطانية الصنع في تنفيذ ضربات داخل الأراضي الروسية.

سجل طويل من الطرد المتبادل

ولا تأتي أزمة السفير بمعزل عن سلسلة من الإجراءات المتبادلة التي أدت إلى تدهور العلاقات بين موسكو ولندن خلال السنوات الماضية.

وكان المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف قد قال في يونيو/حزيران 2024 إن خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية يمثل ممارسة معتادة للدول التي تواجه ما تعتبره مظاهر غير ودية أو عدائية.

وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، خفضت موسكو علاقاتها مع عدد من الدول الأوروبية، بينها لاتفيا وليتوانيا وإستونيا.

وفي بريطانيا وروسيا، سبق أزمة السفير سلسلة من عمليات الطرد المتبادل، ففي 15 يناير الماضي، أعلن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي طرد دبلوماسي يعمل في السفارة البريطانية في موسكو، متهماً إياه بالتجسس. ورفضت الخارجية البريطانية الاتهامات ووصفتها بأنها «خبيثة ولا أساس لها».

وفي 30 مارس، أعلنت موسكو طرد دبلوماسي بريطاني آخر للسبب نفسه، وفي 29 أبريل، استدعت الخارجية البريطانية السفير الروسي كيلين وأبلغته بسحب اعتماد دبلوماسي روسي، رداً على الإجراءات الروسية.

وقالت الخارجية البريطانية آنذاك إن تصرفات موسكو تمثل جزءاً من «حملة أوسع من التصرفات العدائية تجاه المملكة المتحدة»، وحذرت من أن أي خطوات إضافية ستُعامل باعتبارها تصعيداً.

لندن تتهم موسكو بنشاط هجين متزايد

وتشمل خلفية الخلاف اتهامات بريطانية لروسيا بتكثيف أنشطة التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية.

وقالت مديرة الاتصالات الحكومية البريطانية آن كيست-باتلر في 27 مايو/أيار الماضي إن روسيا «تصعد نشاطها الهجين اليومي ضد المملكة المتحدة وأوروبا، من قاع البحر إلى الفضاء السيبراني».

وفي أكتوبر 2025، أصدرت محكمة بريطانية أحكاماً بالسجن تراوحت بين 7 و17 عاماً بحق خمسة رجال في قضية إحراق مستودع في شرق لندن كان يضم معدات اتصالات فضائية متجهة إلى أوكرانيا.

وكانت القضية من أولى القضايا التي صدرت فيها أحكام بموجب قانون الأمن القومي البريطاني لعام 2023.

وفي 15 يونيو الماضي، أدانت هيئة محلفين في لندن رجلين بالتآمر لتنفيذ عمليات إحراق متعمد استهدفت عقارين وسيارة مرتبطة برئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر.

وأظهر تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» أدلة على أن دبلوماسياً روسياً شاباً جند المنفذين، وفق ما أوردته التقارير.

وفي 13 يوليو الماضي، أعلنت لندن وبروكسل أول حزمة عقوبات سيبرانية مشتركة، شملت 24 اسماً أدرجتها بريطانيا، إلى جانب تسعة أفراد وأربعة كيانات أدرجها الاتحاد الأوروبي.

هل يمثل رحيل كيلين خفضا دائما للعلاقات؟

ورغم التطورات المتسارعة، لا توجد حتى الآن إشارة رسمية من موسكو إلى أنها قررت خفض مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع بريطانيا.

كما أن السفارة الروسية لم تربط رحيل كيلين مباشرة باستخدام المسيرات البريطانية في الهجمات داخل روسيا، خصوصاً أن الإعلان الداخلي عن مغادرته سبق الكشف عن هذا الملف بأكثر من شهرين.

وتقول «الصنداي تايمز» إن أسباب مغادرة السفير لا تزال غير واضحة، وهو ما يجعل تفسير الخطوة باعتبارها رداً مباشراً على أزمة المسيرات غير محسوم.

كما أن موسكو نفت في مناسبات سابقة أن تكون لديها نية لاستهداف بريطانيا، إذ قالت سفارتها في لندن في يونيو 2025 إن روسيا لا تشكل تهديداً للمملكة المتحدة وشعبها، ولا تضمر «نيات عدوانية» أو خططاً لمهاجمة بريطانيا.

وفي المقابل، صدرت خلال الفترة الأخيرة تهديدات أكثر حدة من شخصيات إعلامية روسية، بينها دعوات إلى استهداف مصالح بريطانية، لكنها لا تمثل بالضرورة موقفاً رسمياً صادراً عن القيادة العسكرية الروسية.

بريطانيا تواجه أيضاً نقاشاً حول جاهزيتها العسكرية

ويتزامن تدهور العلاقات مع نقاش متزايد داخل بريطانيا حول قدرة القوات المسلحة على التعامل مع التهديدات الخارجية.

وحذر نايتون في 5 يونيو الماضي من أن المملكة المتحدة «تنفد من الوقت لتحديث قواتها المسلحة»، وقال إن خصومها، وفي مقدمتهم روسيا، يختبرون فعلياً الدفاعات البريطانية.

وبحسب تقديرات الحلف، بلغ الإنفاق الدفاعي البريطاني نحو 2.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، مع توقع ارتفاعه إلى 2.6 في المئة خلال 2026، في ظل التزام بزيادة الإنفاق إلى 3.5 في المئة بحلول 2035.

وفي المقابل، تجاوزت قيمة الدعم العسكري البريطاني لأوكرانيا 16 مليار جنيه إسترليني منذ عام 2022، بينما أعلنت لندن في يونيو الماضي حزمة دعم بقيمة 752 مليون جنيه، تضمنت تمويل إنتاج وتسليم نحو 150 ألف طائرة مسيرة قبل نهاية 2026.

ثلاثة مسارات أمام العلاقة

بعد مغادرة كيلين، تبدو العلاقات الروسية البريطانية أمام ثلاثة مسارات محتملة، الأول أن يستمر التمثيل الروسي في لندن عبر القائم بالأعمال لفترة طويلة، بما يشكل خفضاً فعلياً لمستوى العلاقات من دون إعلان روسي رسمي عن ذلك.

والثاني أن تسمي موسكو سفيراً جديداً خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، بما يجعل غياب كيلين مجرد فجوة انتقالية، وهو احتمال يتوافق مع ما أشار إليه فورمان بشأن وجود سوابق لفترات شغور بين سفراء البلدين، أما المسار الثالث، والأكثر خطورة، فيتمثل في تحول الخلاف الدبلوماسي إلى خفض رسمي للعلاقات أو جولة جديدة من عمليات الطرد المتبادل وتقليص حجم البعثتين.

وفي ظل غياب قنوات اتصال سياسية وعسكرية فاعلة، قد تزداد مخاطر سوء التقدير في حال وقوع حادث أمني أو عسكري أو سيبراني جديد بين البلدين.

تم نسخ الرابط