عاجل

5 خيارات أمام ترامب.. واشنطن تستعد لتوجيه أشد ضربة لاقتصاد إيران

أرشيفية
أرشيفية

يستعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفتح جولة جديدة من الضغوط الاقتصادية على إيران، في تحرك قد يتجاوز العقوبات التقليدية إلى استهداف قنوات التجارة والطاقة والتمويل التي تعتمد عليها طهران لتجاوز القيود الأمريكية.

وتترقب الأسواق والحكومات المعنية ما ستعلنه واشنطن خلال الساعات المقبلة، بعدما توعد ترامب بتوجيه ضربات قاصمة إلى الاقتصاد الإيراني، فيما أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن الإدارة تستعد للكشف عن إجراءات وصفها بأنها «لم يسبق لها مثيل».

ومن المقرر أن يعقد بيسنت مؤتمرًا صحفيًا الاثنين عند الساعة الثانية ظهرًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة، للكشف عن تفاصيل الحزمة الجديدة، بعدما وصفها بأنها ستكون «الأشد في التاريخ»، في إطار استراتيجية تجمع بين العقوبات المالية والاقتصادية والضغوط المفروضة على حركة الملاحة والشحن الإيرانية.

وتأتي هذه الخطوة بعد عقود من العقوبات الأمريكية والدولية المفروضة على إيران، والتي تعود جذورها إلى ما بعد الثورة الإيرانية عام 1979، قبل أن تتوسع لاحقًا لتشمل البرنامج النووي الإيراني وملفات حقوق الإنسان ودعم طهران لجماعات مسلحة في المنطقة.

ومنذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي، أضافت واشنطن عقوبات جديدة استهدفت قطاعات الملاحة والطاقة والمال، بالتزامن مع إجراءات تستهدف الموانئ وحركة الشحن الإيرانية.

أكثر من ألف عقوبة منذ عودة ترامب

وتظهر بيانات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية أن واشنطن فرضت، منذ بدء الولاية الثانية لترامب، عقوبات على أكثر من ألف فرد وسفينة وطائرة مرتبطة بإيران أو بشبكاتها الاقتصادية.

وطالت الإجراءات الأخيرة ما يعرف بـ«أسطول الظل»، وهو شبكة من السفن والجهات المستخدمة في نقل النفط الإيراني والالتفاف على العقوبات، إلى جانب شركات تأمين ووسطاء ماليين ومنصات مرتبطة بالأصول الرقمية.

وتشير المعطيات إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس عدة مسارات، بعضها يركز على الصين باعتبارها المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وبعضها الآخر يستهدف المصارف والشركات والوسطاء الذين يساعدون طهران على الحفاظ على تجارتها الخارجية.

الورقة الأولى.. «أباريق الشاي» الصينية

وتتمثل إحدى أبرز الأوراق التي يمكن لواشنطن استخدامها في المصافي الصينية المستقلة المعروفة باسم «أباريق الشاي»، والتي تستحوذ على نسبة مهمة من طاقة التكرير في الصين.

وتعمل هذه المصافي، التي غالبًا ما تحقق هوامش ربح محدودة، منذ سنوات كإحدى أبرز الوجهات للنفط الإيراني الخاضع للعقوبات، مستفيدة من الأسعار المخفضة التي تقدمها طهران.

ووفق بيانات شركة «كبلر» لعام 2025، تستحوذ الصين على أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحرًا، بينما تستوعب المصافي المستقلة جزءًا كبيرًا من هذه الكميات.

ومن هنا يمكن لواشنطن محاولة قطع إحدى أهم حلقات التمويل الإيراني عبر فرض عقوبات ثانوية على المصافي التي تواصل شراء الخام الإيراني.

لكن هذا الخيار يواجه عقبة مهمة، إذ إن عددًا من هذه المصافي لا يرتبط بصورة كبيرة بالنظام المالي الأمريكي، ما يجعل تعرضه للعقوبات أقل تأثيرًا مقارنة بالشركات الصينية الكبرى التي تعتمد بدرجة أكبر على النظام المالي العالمي.

ومع ذلك، بدأت آثار الضغوط تظهر بالفعل على تجارة النفط الإيراني، فقد تراجعت عروض الخام الإيراني المتاحة للمشترين الصينيين بصورة ملحوظة خلال أغسطس/آب، في ظل القيود الأمريكية وتراجع الشحنات، فيما لجأت بعض المصافي الصينية إلى البحث عن مصادر بديلة للخام من العراق والبرازيل.

وبحسب «كبلر»، انخفضت الشحنات الإيرانية المتجهة إلى الصين إلى نحو 534 ألف برميل يوميًا خلال أغسطس/آب، مقارنة بمتوسط بلغ 1.4 مليون برميل يوميًا خلال عام 2025.

الورقة الثانية.. المصارف الصينية

الخيار الأكثر حساسية يتمثل في النظام المصرفي الصيني، فقد سبق لوزارة الخزانة الأمريكية أن فرضت عقوبات على كيانات أصغر في الصين وهونغ كونغ، متهمة إياها بمعالجة معاملات بمليارات الدولارات مرتبطة بالنفط الإيراني وشبكات تمويل أخرى.

كما حذرت واشنطن مصرفين صينيين كبيرين، لم تكشف اسميهما، من إمكانية تعرضهما لعقوبات ثانوية إذا ثبت استخدام أنظمتهما في تمرير أموال إيرانية.

ويرى خبراء في العقوبات أن استهداف مصرف صيني كبير قد تكون له آثار تتجاوز المؤسسة المستهدفة نفسها، إذ يمكن أن تدفع العقوبات بنوكًا وشركات أخرى إلى الابتعاد تلقائيًا عن المعاملات الإيرانية خشية فقدان الوصول إلى الأسواق والنظام المالي الأمريكي.

لكن هذه الورقة تحمل مخاطرة كبيرة بالنسبة إلى واشنطن، إذ قد تدفع بكين إلى الرد اقتصاديًا، خصوصًا في ملفات المعادن الحيوية وسلاسل التوريد التي تعتمد عليها الصناعات التكنولوجية والعسكرية الأمريكية.

ولهذا تواجه إدارة ترامب معضلة دقيقة: كيف يمكنها خنق القنوات التي تستخدمها إيران داخل الصين، من دون تحويل حملة الضغط على طهران إلى مواجهة اقتصادية أوسع مع بكين، خصوصًا في وقت يُنتظر فيه أيضًا عقد لقاء بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ.

الورقة الثالثة.. «لعبة ضرب الخلد»

أما الخيار الثالث، فيتمثل في مواصلة ما يصفه خبراء العقوبات بلعبة «ضرب الخلد»، وتقوم الفكرة على استهداف كل شركة شحن أو صراف أو وسيط مالي أو شركة واجهة تكتشف واشنطن أنها تساعد إيران على تجاوز العقوبات، قبل أن تعيد طهران بناء الشبكة من خلال تأسيس شركة جديدة أو تغيير الأسماء ومسارات الشحن والتحويلات المالية.

وقال بريت إريكسون، المدير في شركة «أوبسيديان ريسك أدفايزرز»، إن هذه الآلية تشبه لعبة «ضرب الخلد»، إذ تظهر الكيانات المستهدفة مرة أخرى بأسماء وهياكل جديدة، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تغيير السلوك الإيراني.

ومع ذلك، تستطيع واشنطن توسيع نطاق هذا النهج ليشمل شركات شحن النفط والمشترين والوسطاء المسؤولين عن تحويل العملات، إضافة إلى الشركات التي تساعد إيران على استبدال عائدات النفط بالسلع المستوردة.

كما يمكن أن يمتد الضغط إلى قطاع الطيران الإيراني، ولا سيما إذا أرادت الإدارة الأمريكية الحد من قدرة طهران على استخدام النقل الجوي لتعويض جزء من القيود المفروضة على حركة الشحن البحري.

وتزداد أهمية هذا المسار مع الانخفاض الحاد في صادرات النفط الإيرانية، إذ تشير بيانات حديثة إلى تراجع المخزون العائم من النفط الإيراني الموجود خارج منطقة الحصار من نحو 105 ملايين برميل إلى نحو 80 مليونًا.

وفي الوقت نفسه، أصبحت الكميات المتاحة للمشترين الآسيويين أكثر محدودية، ما يزيد الضغط على أحد أهم مصادر العملة الأجنبية بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني.

الورقة الرابعة.. حصار بري على إيران

الخيار الأكثر تعقيدًا يتمثل في محاولة فرض حصار بري على إيران، وهي فكرة طرحت في أوساط أمريكية وإسرائيلية باعتبارها وسيلة لإغلاق المنافذ التي قد تستخدمها طهران لتعويض القيود المفروضة على موانئها ومساراتها البحرية.

لكن تنفيذ مثل هذا السيناريو يتطلب تعاون الدول التي تشترك مع إيران في حدود برية، وهي العراق وتركيا وباكستان وأفغانستان وتركمانستان وأذربيجان وأرمينيا.

وتملك إدارة ترامب علاقات متفاوتة مع هذه الدول، كما تستطيع استخدام مجموعة من أوراق الضغط الاقتصادية والسياسية، فعلى سبيل المثال، سعت باكستان إلى الحصول على خط لمبادلة العملات بقيمة 10 مليارات دولار من وزارة الخزانة الأمريكية، بينما تسعى تركيا إلى العودة إلى برنامج المقاتلات الأمريكية «إف-35».

لكن العقبة الأكبر أمام فرض حصار بري تظل جغرافية وسياسية في الوقت نفسه، فالحدود الإيرانية طويلة، وبعض مناطقها جبلية وصعبة المراقبة، فيما سيكون إقناع جميع دول الجوار بالمشاركة في حصار شامل لطهران مهمة شديدة التعقيد.

كما أن إيران ترتبط أصلًا بعلاقات اقتصادية مهمة مع عدد من جيرانها، فتركيا تربطها بإيران تجارة سنوية بمليارات الدولارات، بينما يعتمد العراق على الغاز الإيراني، وتسعى باكستان وطهران إلى توسيع حجم التبادل التجاري بينهما.

ومن ثم فإن مطالبة هذه الدول بإغلاق حدودها أمام التجارة الإيرانية ستفرض عليها تكلفة اقتصادية وسياسية مباشرة، وقد تجعلها مترددة في الانخراط الكامل في خطة أمريكية لعزل طهران.

ويحذر خبراء كذلك من أن الحصار البري قد تكون له آثار مباشرة على المواطنين الإيرانيين، من خلال الحد من واردات الغذاء والطاقة والمنسوجات والسلع الأساسية، من دون وجود ضمان بأن تؤدي هذه الضغوط إلى احتجاجات داخلية أو تغيير في سياسات الحكومة الإيرانية.

الورقة الخامسة.. الرسوم الجمركية الثانوية

أما الورقة الخامسة فتتمثل في فرض رسوم جمركية ثانوية على الدول التي تستمر في توفير قنوات تجارية لإيران، وبموجب هذا الخيار، لن تقتصر الإجراءات الأمريكية على معاقبة الشركات التي تتعامل مباشرة مع طهران، وإنما يمكن أن تمتد إلى فرض رسوم على منتجات الدول التي تستمر في توفير قنوات تجارية أو مالية تساعد إيران.

وسبق لترامب أن هدد باستخدام هذا السلاح، إلا أن عقبة قانونية ظهرت بعد إبطال المحكمة العليا الأساس الذي اعتمدت عليه الإدارة لفرض بعض الرسوم.

وفي المقابل، أقر مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قانون واسعًا للعقوبات على روسيا يتضمن أيضًا إجراءات مرتبطة بإيران، وقد يمنح الرئيس صلاحيات جديدة لفرض رسوم على الدول التي تساعد التجارة الإيرانية أو عمليات شراء الأسلحة.

لكن المشروع لم يتحول بعد إلى قانون، إذ لا يزال بحاجة إلى موافقة مجلس النواب، وسط تحفظات لدى ديمقراطيين وبعض الجمهوريين بشأن توسيع صلاحيات الرئيس في فرض الرسوم الجمركية.

اقتصاد إيران تحت ضغط متزايد

ويأتي بحث إدارة ترامب عن هذه الأوراق الخمس في وقت تتزايد فيه الضغوط بالفعل على الاقتصاد الإيراني، فصادرات النفط، التي تمثل أحد أهم مصادر العملات الأجنبية بالنسبة إلى طهران، تراجعت بصورة حادة، فيما أصبحت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز محدودة للغاية مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.

وفي المقابل، تحاول إيران إظهار قدرتها على الصمود أمام الضغوط الأمريكية، إذ يؤكد مسؤولون إيرانيون أن بلادهم اكتسبت خلال سنوات العقوبات خبرة واسعة في الالتفاف على القيود وإنشاء قنوات بديلة للتجارة وبيع النفط.

كما حذرت دول مجاورة من المشاركة في الخطط الأمريكية الرامية إلى عزل إيران اقتصاديًا، في ظل مصالحها التجارية والطاقة المرتبطة بطهران.

وتبقى الصين الحلقة الأكثر أهمية في أي محاولة أمريكية لخفض صادرات النفط الإيرانية، نظرًا إلى حجم مشترياتها من الخام الإيراني.

لكن بكين ترفض سياسة العقوبات والضغوط الأمريكية، وتدعو إلى معالجة الأزمة من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية، ما يجعل أي محاولة لاستهداف المشترين الصينيين أو المصارف الصينية اختبارًا مباشرًا للعلاقات بين واشنطن وبكين.

وبذلك، فإن المعركة المقبلة لا تتعلق فقط بإضافة أسماء جديدة إلى قوائم العقوبات الأمريكية، وإنما بمدى استعداد إدارة ترامب للضغط على الصين والدول المحيطة بإيران، وتحمل التداعيات الاقتصادية والسياسية التي قد تنتج عن ذلك.

ومن «أباريق الشاي» الصينية إلى المصارف، ومن لعبة «ضرب الخلد» إلى الحصار البري والرسوم الجمركية الثانوية، تمتلك إدارة ترامب مجموعة من الأدوات الإضافية لتضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني، لكن كل أداة تحمل في المقابل كلفة ومخاطر مختلفة.

ويبقى الاختبار الأبرز يوم الاثنين، مع إعلان بيسنت تفاصيل الحزمة الجديدة، إذ سيتضح حينها ما إذا كانت إدارة ترامب ستكتفي بتشديد أدوات العقوبات التقليدية، أم ستنتقل إلى مرحلة أكثر تصعيدًا تستهدف شركاء إيران التجاريين، وعلى رأسهم الصين، والدول المحيطة بها.

تم نسخ الرابط