من حلوى المولد لـ«الموسم».. حكايات متوارثة فى دمياط تحفظ فرحة المولد النبوي
يحتفظ أهالي دمياط بعادات خاصة في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، تحولت مع مرور السنوات إلى جزء من ذاكرة البيوت والشوارع، فالمناسبة عند كثير من الأسر لا تقتصر على شراء حلوى المولد، وإنما تمتد إلى تبادل الهدايا وصلة الرحم وتوزيع الحلوى وإقامة حلقات الذكر والمديح، في أجواء تجمع بين البهجة والروحانيات.
وتتصدر حلوى المولد المشهد في دمياط مع اقتراب المناسبة، حيث تحرص الأسر على شراء أصناف متعددة من الحلوى، من بينها الفولية والسمسمية والحمصية والفستقية والبندقية واللوزية والملبن والجزرية، إلى جانب عروسة المولد والحصان اللذين يحتفظان بمكانة خاصة لدى الأطفال. وتشير تقارير محلية إلى أن تبادل هذه الحلويات بين الأسر يعد من الطقوس المرتبطة بالمناسبة في دمياط.
ومن العادات اللافتة التي ارتبطت بالمجتمع الدمياطي ما يعرف باسم «الموسم»، وهي عادة تقوم خلالها الأسرة بإرسال نصيب ابنتها المتزوجة من الأطعمة والحلوى في المناسبات المختلفة، ويكون للمولد النبوي طابعه الخاص، حيث تتصدر الحلويات محتويات الموسم المرسل إلى البنات وأسرهن، في رسالة تحمل معنى صلة الرحم واستمرار التواصل بين البنت وعائلتها بعد الزواج.
ولا تتوقف العادات عند حدود المنازل، فالشوارع والأحياء الشعبية تشهد في بعض المناطق مظاهر احتفالية يشارك فيها الأهالي من خلال توزيع قطع حلوى المولد على المواطنين والأطفال، وهي عادة وصفها أبناء دمياط بأنها موروثة عن الآباء والأجداد، ويحرص بعض أصحاب محال الحلويات على استمرارها كل عام باعتبارها جزءا من تراث المحافظة.
وتحضر حلقات الذكر والابتهالات والمدائح النبوية ضمن المشاهد الروحانية المرتبطة بالمولد، حيث يشارك المبتهلون والمنشدون في إحياء ليالي المناسبة، بينما تتجمع الأسر للاستماع إلى المدائح والأناشيد الدينية، وهو تقليد ظل حاضرا في عدد من المناطق التي ارتبطت تاريخيا بالاحتفالات الدينية.
وتتميز دمياط كذلك بارتباط المولد النبوي بمظاهر الفنون الشعبية، حيث تظهر التنورة والمزمار البلدي في بعض الاحتفالات، وهو ما يضيف جانبا شعبيا إلى المناسبة ويجذب الأطفال والأسر، خاصة في الأسواق والمناطق التي تشهد حركة كبيرة خلال موسم حلوى المولد.
وتظل عروسة المولد والحصان من أكثر الرموز ارتباطا بفرحة الأطفال، إذ تحرص الأسر على شرائهما إلى جانب علب الحلوى، بينما شهدت صناعة حلوى المولد في دمياط تطورا كبيرا في الأشكال والأصناف، مع الحفاظ على الأنواع التقليدية التي اعتاد عليها الأهالي جيلا بعد جيل.
ويحمل تبادل حلوى المولد بين الأقارب معنى يتجاوز مجرد تقديم هدية موسمية، فهو فرصة للتواصل والزيارة والسؤال عن أفراد العائلة، كما يمثل مناسبة لاستعادة بعض العادات التي ارتبطت بالبيوت الدمياطية، خاصة بين الأسر التي ما زالت تحرص على إرسال «الموسم» إلى بناتها المتزوجات.
وتمنح هذه العادات المولد النبوي في دمياط طابعا اجتماعيا مميزا، إذ تجتمع فيها مظاهر الاحتفال الشعبي مع صلة الرحم والعطاء والمشاركة، بينما تحافظ الأسر على بعض التفاصيل القديمة رغم تغير شكل الحياة وارتفاع تكاليف الاحتفال.
ومع اقتراب المولد النبوي كل عام، تعود شوارع دمياط إلى استقبال مظاهر المناسبة من جديد، فتنتشر محال الحلوى وتظهر العروسة والحصان في واجهات المحلات، وتتبادل الأسر الهدايا، بينما يحرص البعض على توزيع الحلوى وإحياء المدائح والابتهالات، لتبقى المناسبة جزءا من الذاكرة الشعبية التي تنتقل من جيل إلى آخر.
وهكذا لا تبدو حكاية المولد النبوي في دمياط مجرد موسم لبيع الحلوى، وإنما مناسبة تحمل معها مجموعة من العادات التي تعبر عن طبيعة المجتمع الدمياطي، بداية من «الموسم» الذي يصل إلى البنات المتزوجات، مرورا بتبادل الحلوى والهدايا، وصولا إلى توزيعها على المواطنين وإحياء ليالي الذكر والمديح، في صورة تؤكد أن التراث الشعبي يظل حاضرا ما دام الناس يحرصون على نقله لأبنائهم.
