رمضان قرني: سد جوليوس نيريري رسالة مصرية قوية لدول أفريقيا
أكد الدكتور رمضان قرني، الخبير في الشؤون الأفريقية، أن افتتاح سد جوليوس نيريري يمثل يومًا مشهودًا في تاريخ تنزانيا السياسي، وكذلك في تاريخ العلاقات المصرية التنزانية، والأهم أنه يمثل مرحلة فارقة في تاريخ العلاقات الأفريقية الأفريقية.
وقال قرني لـ"نيوز رووم" إن افتتاح السد يحمل العديد من الرسائل السياسية والإعلامية والتنموية لدول القارة، لعل أبرزها ما ورد على لسان رئيس مجلس الوزراء، بأن مصر داعم قوي ورئيسي لعملية التنمية في دول حوض النيل، وأن مصر ليست ضد التنمية في أي من دول الحوض، معتبرًا أن هذه الرسالة هي الرئيسية والجوهرية التي تقدم بها مصر نفسها لدول القارة الأفريقية.
التنمية أصبحت السردية المصرية الرئيسية تجاه أفريقيا
وأوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أن هذه الرسالة يمكن قراءتها في سياق أعم وأشمل، يتمثل في رؤية مصر لقضية التنمية، حيث أصبحت التنمية تمثل السردية المصرية الرئيسية أو الوطنية التي تقدم بها مصر نفسها للقارة الأفريقية.
وأضاف أن التنمية التي تطرحها مصر تقوم على إدارة وطنية وملكية وطنية لعملية التنمية في القارة الأفريقية، وفق مقتضيات واحتياجات دول القارة، والأهم أنها تستند إلى آليات تنفيذية أفريقية حقيقية.
«الحلول الأفريقية للأزمات الأفريقية» رسالة مصرية
وأشار قرني إلى أن التحرك المصري يبعث أيضًا برسالة مهمة تتعلق بمبدأ مهم من مبادئ الاتحاد الأفريقي، وهو تكريس نمط أو مبدأ الحلول الأفريقية للأزمات الأفريقية.
وأوضح أن إحدى الإشكاليات الرئيسية التي تواجه دول القارة تتمثل في عملية التنمية، وبالتالي فإن التحرك المصري استند إلى مبدأ أفريقي مهم، وهو حلول أفريقية للأزمات الأفريقية، وحلول أفريقية بآليات ووسائل تنفيذية أفريقية.
وأكد أن مصر لم تكتفِ بطرح الشعار التنموي لدول القارة الأفريقية، بل سعت إلى مجموعة من الآليات الوطنية المصرية لإحداث التنمية داخل دول القارة.
الوكالة المصرية للشراكة.. ذراع التنمية المصرية في أفريقيا
ولفت إلى أن من أبرز هذه الآليات وجود الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، باعتبارها الذراع التنموي للسياسة الخارجية المصرية تجاه دول القارة الأفريقية.
وأوضح أن الوكالة تعمل في قرابة 14 مجالًا من مجالات التنمية مع دول القارة الأفريقية، مشيرًا إلى أن الأرقام تتحدث عن قيام الوكالة منذ إنشائها عام 2014، وهي امتداد للصندوق المصري للتعاون الفني مع أفريقيا الذي تم إنشاؤه في الثمانينيات، بتنظيم قرابة 700 دورة تدريبية لنحو 20 ألف خبير ومتدرب أفريقي داخل مصر.
مصر وملف إعادة الإعمار والتنمية في أفريقيا
وقال قرني إن هناك جانبًا مصريًا يتعلق بملف إعادة الإعمار والتنمية في أفريقيا، باعتبار أن هذا الملف يرتبط ارتباطًا قويًا بحل الصراعات ووقفها.
وأشار إلى سعي مصر لاستضافة مركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية في مرحلة ما بعد النزاعات، مضيفًا أنه على المستوى الأمني المرتبط بجانب التنمية يوجد مركز القاهرة لتسوية النزاعات وحفظ السلام في القارة الأفريقية.
وأوضح أن الرؤية المصرية تجاه القارة فيما يتعلق بقضية التنمية تطرح المبدأ والسردية، كما تطرح الآليات التنفيذية، والأهم أن مصر تركز بدرجة كبيرة على وجود آليات وطنية أفريقية تحقق عملية التنمية مع دول القارة الأفريقية.
سد جوليوس نيريري ورؤية تنزانيا 2050
وتحدث الخبير في الشؤون الأفريقية عن الرسائل التي يقدمها افتتاح سد جوليوس نيريري للداخل التنزاني، موضحًا أن الخطاب السياسي التنزاني يعكس تعويل تنزانيا على السد باعتباره آلية وطنية ورئيسية لتحقيق رؤية تنزانيا 2050، وهي رؤية تنزانيا التنموية الأساسية.
وأشار إلى أن من يتابع السياسات التنزانية، خاصة في عهد الرئيسة سامية حسن ومن قبلها الرئيس جون ماغوفولي، يجد أن هناك تحولًا استراتيجيًا في السياسات التنزانية بعيدًا عن الحقبة الاشتراكية، وتحولًا ليبراليًا على المستوى السياسي والاقتصادي وتبني سياسات السوق.
وأضاف أن تنزانيا تحاول أن تقدم نفسها للمجتمع الدولي كدولة ناهضة وكدولة صاعدة في منطقة شرق أفريقيا.
الطاقة والبنية التحتية أدوات تنزانيا للتنمية
وأوضح قرني أن أحد الأدوات التي تعتمد عليها تنزانيا يتمثل في قطاع البنية التحتية، خاصة ما يتعلق بالموانئ والمدن اللوجستية، مشيرًا إلى أن البلاد تستند اليوم إلى أداة مهمة أخرى، وهي قطاع الطاقة والكهرباء.
وأضاف أن وجود سد جوليوس نيريري باعتباره ثاني أكبر السدود في القارة الأفريقية، يمكن القول معه إن المجتمع التنزاني ينظر إليه بالنظرة نفسها التي ينظر بها المصريون إلى السد العالي، إذ يعادل بالنسبة لهم ما يمثله السد العالي كنموذج تنموي وآلية تنموية مهمة في مصر.
وأشار إلى أن مشروع السد يتجاوز أبعاد الطاقة والكهرباء إلى تطوير قطاع البنية التحتية بالكامل داخل تنزانيا، والربط مع الموانئ المهمة والمدن اللوجستية، وبالتالي تسعى تنزانيا إلى الاستفادة القصوى من مشروع سد جوليوس نيريري باعتباره رافعة وآلية تنموية مهمة لها على الصعيدين الإقليمي والدولي.
البنية التحتية المصرية جاذبة للاستثمارات في أفريقيا
وأكد الخبير في الشؤون الأفريقية أن قطاع البنية التحتية يعد أحد القطاعات المصرية الجاذبة في القارة الأفريقية، مشيرًا إلى وجود العديد من المشروعات التي تتحرك فيها مصر تجاه دول القارة في هذا الملف.
وأوضح أن نموذج سد جوليوس نيريري في تنزانيا يمثل نموذجًا مميزًا في هذا الإطار، حيث يؤدي العديد من الرسائل أو يبعث بالعديد من الرسائل.
وأضاف أن من بين هذه الرسائل رسائل مصرية تتعلق بدعم دول حوض النيل، وأن مصر داعم قوي لقضية التنمية في دول حوض النيل.
سد جوليوس نيريري يواجه السردية الإثيوبية
وأشار قرني إلى أن هذا الدور أو التوجه المصري يمثل جزءًا من الرسائل الإعلامية والسياسية لمواجهة السياسة الإعلامية المضادة من قبل إثيوبيا، التي تحاول الترويج في الإعلام الأفريقي لسردية سياسية مفادها أن مصر تقف ضد التنمية في دول حوض النيل.
وأكد أن مصر بالفعل مع قضية التنمية، مشيرًا إلى أن مصر لم تعلن يومًا، منذ عام 2011 وحتى هذه اللحظة، أنها ضد سد النهضة.
وقال إن من يتابع الخطاب السياسي والدبلوماسي والإعلامي المصري يجد أن مصر لم تقف يومًا ضد سد النهضة، بل تؤكد دائمًا أنها مع التنمية في إثيوبيا، ولكن وفق ضوابط وقواعد القانون الدولي، ووفق اتفاق ملزم لكل الأطراف.
وأوضح أن سد جوليوس نيريري يأتي في هذا الإطار ليؤكد هذه السردية وهذه المقولة، من خلال دعم التنمية في دول حوض النيل بشكل خاص ودول القارة الأفريقية بشكل عام.
مشروعات الربط تعزز التجارة البينية الأفريقية
وقال قرني إن مصر تعمل ضمن مجموعة من المشروعات المتعلقة بتطوير البنية التحتية لدول حوض النيل والقارة الأفريقية، مشيرًا إلى أن هذا التطوير ينطلق من رؤية مصرية لحل إشكالية أكبر، وهي إشكالية التجارة البينية الأفريقية.
وأوضح أن من يتابع حجم التجارة البينية الأفريقية يجد أنها أرقام متدنية بدرجة كبيرة، ولا ترقى إلى وجود 55 دولة، ولا إلى كون القارة أكبر منطقة تجارة حرة، ولا إلى اقتصاد أفريقي يقارب 2 تريليون دولار.
وأشار إلى عدد من المشروعات في هذا الإطار، أبرزها مشروع الربط البحري أو النهري فيكتوريا - المتوسط، ومشروع الربط البري القاهرة - كيب تاون، بالإضافة إلى مشروع الخط أو الطريق البري بين مصر وليبيا وتشاد.
الربط الأفريقي يدعم انسياب السلع والعمالة
وأوضح أن هذه المشروعات من المتوقع أن تحدث نقلة نوعية في أكثر من ملف أو مجال، من بينها ملف التجارة البينية الأفريقية، وانسياب السلع والبضائع، وانسياب العمالة.
وأضاف أنها تحقق جانبًا مهمًا يتمثل في حل إشكالية الدول الأفريقية الحبيسة، خاصة الدول الموجودة في وسط القارة الأفريقية، مشيرًا إلى وجود العديد من الدول الحبيسة.
وأكد أن مشروعات الربط البري والنهري يمكن أن تمثل منفذًا مهمًا لهذه الدول، خاصة بالنظر إلى أهمية منطقة قناة السويس والمناطق اللوجستية التي يتم إنشاؤها حاليًا في منطقة قناة السويس.
وأوضح أن هذه المناطق اللوجستية يمكن أن تكون منفذًا للسلع والبضائع الأفريقية وبالعكس، ومن ثم فإن تطوير البنية التحتية مسألة في غاية الأهمية.
مشروعات مصرية للسدود والموارد المائية في دول حوض النيل
وأشار قرني إلى أنه بالتوازي مع هذه المشروعات الكبرى على الصعيد الأفريقي، لدى مصر مجموعة من مشروعات تطوير البنية التحتية والسدود على وجه التحديد مع العديد من دول حوض النيل.
وأوضح أن هناك اتفاقيات مع الكونغو الديمقراطية وأوغندا وجنوب السودان وتنزانيا وكينيا، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا منها يرتكز بالأساس على تطوير المصارف والمجاري المائية وحفر الآبار، خاصة في المناطق التي تعاني إشكاليات في المياه.
وأضاف أن هناك بالتوازي تحركات مصرية قد يكون من الممكن أن تكرر تجربة سد جوليوس نيريري، مشيرًا إلى أن الكونغو الديمقراطية إحدى الدول المرشحة لهذا الإطار.
سد جوليوس نيريري يتجاوز إنتاج الطاقة
وأكد الخبير في الشؤون الأفريقية أن هناك جانبًا ثانيًا يتعلق بأن مشروع سد جوليوس نيريري لا يقدم نفسه كمشروع للطاقة فقط.
وأوضح أن السد هو بالأساس مشروع لتوليد الطاقة بقرابة 2150 ميجاوات، لكن من يتابع المشروع بصورة أعمق يجده يتضمن تطويرًا للطرق وقطاع البنية التحتية في تنزانيا، كما يتضمن مشروع بناء مدينة متكاملة، ومدينة سكنية متكاملة تحيط بالسد.
وأشار إلى أن ذلك يعني المساهمة بشكل أو بآخر في عملية التنمية داخل تنزانيا.
السد يدعم خطة تنزانيا التنموية
وقال قرني إن الخطاب السياسي التنزاني، وهو من الخطابات الرسمية، يتحدث بشكل صريح عن تعويل تنزانيا على سد جوليوس نيريري في إحداث التنمية وتطبيق خطة التنمية في تنزانيا 2030.
وأضاف أن التشبيك بين سد جوليوس نيريري كمشروع تنموي وتقديم تنزانيا نفسها للمجتمع الدولي، خاصة في قطاع المدن اللوجستية وقطاع الموانئ، من المتوقع أن يحدث فارقًا ليس بالقليل في سياسة تنزانيا التنموية والاقتصادية.
القارة قادرة على تحقيق التنمية
وأوضح قرني أن هناك رسالة أفريقية مهمة يقدمها افتتاح السد، تتمثل في أن العديد من دول القارة الأفريقية تعاني إشكاليات في فكرة الاستقلال الاقتصادي وفي الرشادة الاقتصادية في القرارات.
وأشار إلى أن افتتاح سد جوليوس نيريري بتعاون اقتصادي أفريقي أفريقي، وبمشاركة دولتين من دول القارة الأفريقية، يقدم رسالة مهمة للداخل الأفريقي، مفادها أن دول القارة، متى توافرت الإرادة السياسية، تستطيع أن تحدث فارقًا مهمًا في عملية التنمية.
وأكد أن إعطاء الفرصة للشركات الوطنية يمثل مدخلًا مهمًا في هذا الإطار.
تحالف مصري فاز بمشروع السد بعد منافسة دولية
ولفت الخبير في الشؤون الأفريقية إلى أن الدعم السياسي الذي قدمته القيادة السياسية المصرية، والدعم السياسي الذي قدمته القيادة التنزانية للتحالف المصري لإنشاء السد، لعبا دورًا كبيرًا في هذا الإطار.
وأوضح أن فوز التحالف المصري بمشروع سد جوليوس نيريري جاء بعد منافسة شرسة مع شركات دولية من تركيا والصين وإيطاليا وبعض الشركات الأوروبية.
وأكد أن نجاح تحالف مصري في إنشاء سد بهذا المكون، وبهذه الطاقة الاستيعابية التي تتجاوز 2000 ميجاوات، وبتكلفة تقارب 3 مليارات دولار، يمثل تجربة أفريقية قابلة للتكرار في أكثر من دولة.
تجربة قابلة للتكرار في أفريقيا
واختتم رمضان قرني بالتأكيد على أن مشروع سد جوليوس نيريري يمثل تعاونًا يحترم قواعد القانون الدولي، ولا يضر بدول أخرى من دول حوض النيل، ويؤسس لشراكة استراتيجية وتنموية مصرية تنزانية.
وقال إن هذه رسالة مهمة للداخل الأفريقي، مفادها أن أفريقيا قادرة على إحداث تنمية حقيقية متى توافرت الإرادة السياسية.