ترامب يرفع يده عن كوريا الجنوبية.. من يملء الفراغ الأمريكي؟
أعاد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقليص التدريبات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية الجدل بشأن مستقبل أحد أقدم التحالفات الأمنية لواشنطن في آسيا، بعدما ربط الرئيس الأمريكي الخطوة بموقف سيول من الحرب مع إيران وعلاقته الشخصية بالزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون.
وأمر ترامب، الأحد، وزارة الدفاع الأمريكية بتقليص المناورات السنوية المشتركة مع كوريا الجنوبية، التي بدأت الإثنين، قائلا إن التدريبات مكلفة وترسل «إشارة غير مناسبة ومعادية تماما» إلى كوريا الشمالية.
وأوضح ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أنه وجّه وزير الحرب بيت هيجسيث إلى «تقليص المناورات العسكرية المشتركة بشكل كبير»، بعدما قال إن الوقت كان قد فات لإلغائها بالكامل.
وأضاف ترامب أنه سأل مؤخرا الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونج عما إذا كانت بلاده ستنضم إلى الولايات المتحدة في «نزع سلاح إيران النووي»، وقال إن الرد كان: «لا، شكرا».
واستند ترامب أيضا إلى ما وصفه بعلاقته الجيدة مع كيم، قائلاً إن كوريا الشمالية لم تشكل تهديداً وكانت «محترمة» خلال فترة وجوده في البيت الأبيض.
خطوة تعيد تجربة ولاية ترامب الأولى
يعيد القرار إلى الواجهة نهجاً اتبعه ترامب خلال ولايته الأولى، عندما انتقل من تهديد كوريا الشمالية في 2017 إلى عقد ثلاث لقاءات مع كيم جونج أون في سنغافورة عام 2018، وهانوي عام 2019، ثم في المنطقة منزوعة السلاح في وقت لاحق من العام نفسه.
وبعد قمة سنغافورة، أمر ترامب بتعليق تدريبات عسكرية مشتركة مع كوريا الجنوبية، واصفاً إياها بأنها مكلفة واستفزازية.
وأُلغيت أو أعيد تصميم عدة تدريبات لاحقاً، لكن المفاوضات بين واشنطن وبيونج يانج انهارت في قمة هانوي دون التوصل إلى اتفاق بشأن نزع السلاح النووي.
ومنذ ذلك الحين، أعادت واشنطن وسيول توسيع نطاق تدريباتهما العسكرية المشتركة، لتشمل سيناريوهات مرتبطة بالتهديدات الصاروخية والهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة.
سيول تتمسك بالتحالف
وسارعت كوريا الجنوبية إلى التأكيد على أهمية التحالف مع الولايات المتحدة، في محاولة لطمأنة الداخل بعد القرار المفاجئ.
وقال مكتب الرئيس لي جاي ميونج إن التحالف الأمريكي-الكوري الجنوبي لا يزال مهماً للأمن القومي، مشيراً إلى استمرار التنسيق بين البلدين بشأن القضايا الدفاعية.
كما أوضح المكتب أن واشنطن وسيول تجريان محادثات بشأن المساهمات العملية والعسكرية التي يمكن لكوريا الجنوبية تقديمها للمساعدة في استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز.
ونقلت وكالة «أسوشيتد برس» عن صحيفة «هانكوك إلبو» الكورية الجنوبية أن قرار ترامب كشف، بحسب الصحيفة، عن «واقع صارخ لعلاقة كورية وأمريكية متعثرة»، وأثار قلقاً داخل كوريا الجنوبية.
وقال ليف-إريك إيزلي، أستاذ في جامعة إيوا في سيول، إن ترامب ينظر إلى التحالف باعتباره استثماراً يتعين أن يحقق عوائد، أو مورداً يمكن اللجوء إليه في أوقات الأزمات.
وأضاف أن قادة كوريا الجنوبية يدركون أن العلاقات مع إدارة ترامب قد تصبح عملية إعادة تفاوض مستمرة تربط بين القضايا الاقتصادية والأمنية.
كوريا الشمالية المستفيد المحتمل
يأتي تقليص التدريبات الأمريكية-الكورية الجنوبية في وقت عززت فيه كوريا الشمالية علاقاتها العسكرية مع روسيا ووسعت خبرتها في ساحات القتال الحديثة.
وبحسب تقارير، قدمت بيونج يانج دعماً عسكرياً لموسكو خلال الحرب في أوكرانيا، وأرسلت آلاف الجنود إلى منطقة كورسك عام 2024، فيما تحدثت تقارير عن استخدام روسيا صواريخ كورية شمالية في الحرب.
ووقعت روسيا وكوريا الشمالية في يونيو 2024 معاهدة شراكة استراتيجية تتضمن التزامات بالمساعدة المتبادلة في حال تعرض أي من البلدين لعدوان خارجي.
وفي المقابل، لم تبدِ بيونج يانج استعدادا واضحا للعودة إلى المسار الدبلوماسي الذي يسعى ترامب إلى إحيائه، بينما واصلت تطوير قدراتها النووية والصاروخية وتعزيز علاقاتها مع موسكو.
ورغم العلاقات الشخصية التي أقامها ترامب مع كيم، لم تؤد قمما سنغافورة وهانوي إلى اتفاق نهائي بشأن نزع السلاح النووي الكوري الشمالي.
وقد يمنح تقليص التدريبات بيونج يانج مكسباً عسكرياً وسياسياً في الوقت نفسه، إذ يقلل من حجم التدريبات قرب أراضيها ويعيد التأكيد على استعداد واشنطن للتعامل مباشرة مع كيم.
الصين تقترب من سيول
وفي توقيت حساس، تستعد الصين لتعزيز اتصالاتها مع كوريا الجنوبية، إذ من المقرر أن يتوجه وزير الخارجية الصيني وانج يي إلى سيول غداً الأربعاء في زيارة تستمر يومين، يلتقي خلالها نظيره الكوري الجنوبي تشو هيون.
وقال متحدث باسم الخارجية الكورية الجنوبية إن الوزيرين سيناقشان العلاقات الثنائية والوضع في شبه الجزيرة الكورية، إلى جانب القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وتعد الزيارة الرسمية الأبرز من نوعها منذ خمس سنوات، وتأتي في ظل علاقات اقتصادية وثيقة بين البلدين؛ إذ تعد الصين أكبر شريك تجاري لكوريا الجنوبية، وبلغ حجم التجارة الثنائية نحو 272.73 مليار دولار في عام 2025.
ولا تقتصر العلاقات الاقتصادية على التجارة، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد والصناعات المرتبطة بالسيارات وأشباه الموصلات والبطاريات، مع وجود آلاف الشركات الكورية في الصين.
لكن تحرك بكين لا يعني بالضرورة استعدادها لتحل محل واشنطن أمنياً في كوريا الجنوبية، بقدر ما يعكس رغبتها في الحفاظ على نفوذها ومنع سيول من الانخراط بصورة أكبر في استراتيجية أمريكية تستهدف احتواء الصين.
هل تستطيع بكين ملء الفراغ الأمريكي؟
ورغم التقارب الاقتصادي والدبلوماسي، لا تستطيع الصين بسهولة تقديم البديل الأمني الذي وفرته الولايات المتحدة لكوريا الجنوبية منذ الحرب الكورية.
فالتحالف الأمريكي الكوري الجنوبي يستند إلى معاهدة دفاع مشترك تعود إلى عام 1953، ويشمل وجودا عسكريا أمريكيا دائما، وهيكل قيادة مشتركة، وتعاونا استخباراتيا وعسكريا واسعا، إضافة إلى المظلة النووية الأمريكية.
ويبلغ عدد القوات الأمريكية المتمركزة في كوريا الجنوبية نحو 28 ألفاً و500 عسكري، وفق خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي.
في المقابل، لا تربط الصين بكوريا الجنوبية معاهدة دفاع مشترك، بينما تتمتع بعلاقة استراتيجية متنامية مع كوريا الشمالية، التي ترى سيول في ترسانتها النووية والصاروخية التهديد الأمني المباشر الأكبر لها.
كما استخدمت بكين في السابق أدوات اقتصادية للضغط على شركات كورية جنوبية رداً على قرارات اتخذتها حكومات سيول، وهو ما يعكس حدود العلاقة الاقتصادية وقدرتها على التحول إلى أداة ضغط سياسي.



