رئيس القطاع الديني بالأوقاف: الحكمة والموعظة الحسنة منهج النبي في الدعوة
أكد الدكتور السيد عبد الباري، رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف، أن استحضار السيرة النبوية ليس وقوفاً عند صفحات مضيئة من التاريخ، وإنما هو استمداد من معين النبوة لما يصلح به الإنسان وتستقيم به الحياة.
جاء ذلك في مقال له بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، قال فيه إنه تتجدد الدعوة إلى إحياء منهجه في الحكمة والموعظة الحسنة والرحمة والرفق، لتتحول محبته إلى عمل، والاقتداء به إلى خلق، واتباعه إلى أثر صالح في الناس.
وأشار عبد الباري إلى أن أعظم ما يتجلى في المولد النبوي ويبرز جوهر الحقيقة المحمدية هو النهج القويم الذي أرساه الله لرسوله، وهو الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فالاحتفاء بالمولد استحضار حي لهذا النهج، حيث قامت الدعوة المحمدية على أساس من اللين والرحمة والرفق، وجاء النبي لينقل البشرية من ظلمات القسوة والجهل إلى ضياء الوصل والمحبة، تجسيداً لقوله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن".
وأوضح رئيس القطاع الديني أن الحكمة المحمدية تجلت في مراعاة أحوال النفوس وتدرجت معها، واستخدمت الأسلوب المناسب لكل إنسان بعيداً عن الشدة أو العنف، مستشهداً بموقف الأعرابي الذي بال في المسجد، حيث قال النبي لأصحابه: "دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"، ثم دنا منه وأوضح له أن المساجد بنيت لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن. كما استشهد بموقف معاوية بن الحكم السلمي الذي تكلم في الصلاة جاهلاً، فلم يعنفه النبي ولا ضربه ولا شتمه، بل قال له: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن". وتحدث عن موقف طفيل بن عمرو الدوسي الذي طلب الدعاء على قومه فرفع النبي يديه داعياً: "اللهم اهد دوساً وأت بهم"، فأتت القبيلة برمتها مسلمة، وعن موقف الأقرع بن حابس حين قال إن له عشرة من الولد ما قبل منهم أحداً، فنظر إليه النبي وقال: "من لا يرحم لا يرحم".
وأضاف أن حكمة النبي لم تقتصر على الكبار بل شملت الأطفال، مستشهداً بموقفه مع الطفل أبي عمير الذي مات عصفوره فمازحه قائلاً: "يا أبا عمير ما فعل النغير"، وموقفه مع عبد الله بن عباس حين أعد له وضوءه فاحتضنه ودعا له: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
أما الموعظة الحسنة، فتتجلى في موقف النبي مع الشاب الذي استأذنه في الزنا، حيث قرّبه منه وخاطب قلبه وعقله قائلاً: "أتحبه لأمك؟ لأختك؟ لعمتك؟" فلما أجاب الشاب بالنفي قال له: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم وأخواتهم وعماتهم"، ثم وضع يده على صدره ودعا له بالطهر والمغفرة.
واستشهد عبد الباري بموقف النبي يوم فتح مكة حين قال للمشركين: "ما تظنون أني فاعل بكم؟" قالوا خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: "فإني أقول كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء". كما أشار إلى موقف الأعرابي الذي جذبه من ردائه جذبة شديدة وقال له: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه ضاحكاً وأمر بعطائه.
وشدد رئيس القطاع الديني على أن استلهام النهج النبوي يؤكد أن رسالة الإسلام ما انتشرت إلا بالمحبة والتآلف ومراعاة أبعاد النفس الإنسانية، وأن النبي أسس مدرسة إنسانية فريدة في الدعوة أركانها الفهم العميق للطبيعة البشرية، والصبر على الهفوات، وتقديم الرحمة على العقوبة، والبشارة على التنفير، واليسر على العسر.
وأوضح أنه في هذا العصر الذي برز فيه الجفاف الروحي في أساليب الخطاب، وتعاظمت فيه حدة الخلافات، يغدو إحياء هذه المدرسة المحمدية السبيل الوحيد لإصلاح القلوب وجمع الشمل وترميم الفجوات.
واختتم عبد الباري مقاله بالتأكيد على أن الاحتفال الحقيقي بالمولد النبوي يكون بالتخلق بأخلاقه والتأسي بنهجه الدعوي، بإصلاح الباطن وتغليب لغة البشارة واليسر، والنظر إلى الخلق بعين الرحمة، معتبراً أن استلهام السيرة يجب أن يتحول إلى واقع عملي معيش ومشاهد لتسطع أنوار الحكمة وتفيض بركات الموعظة الحسنة وتزهر معاني الرحمة وتثمر صدق الاقتداء وحسن الاتباع وصلاح العمل.