الهند تستعين بمقلدين للقرود لحراسة بطولة عالم في الرياضة.. ما القصة؟
أبتكرت الهند في إطار الاستعدادات لاستضافة بطولة العالم للريشة الطائرة في صالة "إنديرا غاندي المغلقة" بنيو دلهي الأسبوع المقبل، حيث تم استئجار ثلاثة رجال، من بينهم جبار، لإطلاق أصوات حادة وقصيرة تشبه النداءات الغاضبة لقردة "اللانجور الرمادية".
وكشفت صحيفة هندوستان تايمز، أنه تكمن مهمة المجموعة في منع قردة "الماكاك الريسوسية" من الاقتحام والملاعبة داخل الملاعب المنشأة حديثاً، وذلك بعد أن تسلل قرد إلى صالة التدريب خلال بطولة الهند المفتوحة في يناير الماضي.
سيتقاضى هؤلاء الرجال مبالغ تتراوح بين 20,000 و25,000 روبية عن كل مهمة، ويقول جبار: "عندما نطلق هذه الصيحات، تفر القردة على الفور".
تعد هذه المرة الثانية خلال ثلاثة أعوام التي تلجأ فيها السلطات في دلهي إلى هذه الحيلة، حيث سبق استخدام المقلدين ومجسمات كرتونية بحجم طبيعي لقردة اللانجور خلال قمة مجموعة العشرين في عام 2023.
تعتمد هذه الطريقة على فكرة متوارثة مفادها أن قردة "الماكاك" تخاف جينياً من قردة "اللانجور"، ويمكن إبعادها بمجرد تقليد شكلها أو صوتها.
هل توجد عداوة طبيعية بين الفصيلتين؟
تقوم النظرية الشائعة على أن قردة "الماكاك" أصغر حجماً، بينما قردة "اللانجور" أكبر، ذات وجه أسود، وتصور في التراث الشعبي على أنها المفترس الطبيعي للمنوع الأول؛ وبالتالي، فإن إظهار اللانغور يؤدي فوراً إلى تشتيت الماكاك وفرارها.
لكن الباحثين لم يتمكنوا من إثبات هذه العلاقة القائمة على العداء؛ فعندما يلتقي الفصيلان في الحياة البرية، لوحظ أنهما يتعايشان بسلام.
أفاد عالم البيئة أشيش نيرليكار في مقال نشر بمجلة "ZOO's Print" الصادرة عن منظمة غير ربحية في كويمباتور عام 2012، بأنه شاهد صغار قردة الماكاك في محمية "بينش" للنمور وهي تتسلق ظهر قرد لانجور بالغ وتأكل إلى جانبه.
وأوضح نيرليكار أن هذا السلوك يعكس تفاعلاً بين الأنواع المختلفة يشبه سلوكيات التسلق والتشبث لدى صغار الرئيسيات.
كما استشهد بدراسة أجريت عام 1990 وثقت "سلوكيات لعب ملحوظة" بين صغار وجراء الفصيلتين في أحد المواقع الدينية التي يرتادها الزوار.
من جانبه، أوضح فايز خضسار، عالم الحياة البرية، لمجلة "Down to Earth" في أبريل 2024، أن النظام الغذائي للفصيلتين يتداخل في الغابة حيث تتغذى قردة اللانجور على أوراق الشجر، بينما تتغذى الماكاك على الفواكه والأوراق مؤكداً أنهما "تعيشان بسلام في البرية ولا داعي لمثل هذه الأساليب للحد من الصراع بينهما".
كتبت إيزابيل كاثرين ويندر، المحاضرة الكبيرة في علم الحيوان بجامعة بنجور في ويلز، عبر موقع "The Conversation" في سبتمبر 2023: "تظهر البحوث أن فرضية وجود عداء طبيعي بين اللانجور والماكاك غير مرجحة".
وأوضحت أن قردة اللانجور تعتمد أساساً على أكل أوراق الشجر، بينما قردة الماكاك كائنات متعددة التغذية تنتشر من أفغانستان إلى الصين وتقتات على الفواكه والبذور والحشرات وخلايا النحل.
هل ينجح الترديد الصوتي في الردع؟

ترى "ويندر" أن العامل الردعي للقردة قد لا يكون الصوت المقلّد بحد ذاته، بل وجود الإنسان نفسه.
فالأشخاص الذين يقلدون صوت اللانغور غالباً ما يحملون عصياً، وتكون صيحاتهم عالية وجارحة، وأحياناً أشد صخباً من صوت اللانغور الحقيقي. ومطاردة القردة بواسطة إنسان يصرخ ويحمل عصا تعد تجربة منفرة للمكاك بغض النظر عن الصوت الصادر عنه.
لكن العلماء يحذرون من أن قردة "الماكاك الريسوسية" تمتلك مرونة سلوكية عالية مكنتها من التأقلم والازدهار في المدن الهندية. وبما أن هذه الحيلة تعتمد على المداورة والخدعة، فإن تأثيرها يزول بمجرد أن تكتشف القردة حقيقتها. وهذا ما يفسر فشل التجربة التي أجرتها سلطات مدينة "نويدا" عام 2024 لوقاية مجمع سكني عبر وضع ملصقات لقردة اللانغور، حيث أُلغيت التجربة بعد أيام قليلة وأقر المسؤولون بفشلها.
ومع ذلك، يرى الباحثون أن المقلدين قد يكسبون بعض الوقت. ولأن بطولة العالم للريشة الطائرة تمتد لفترة قصيرة (من 17 إلى 23 أغسطس)، فإن كسب بضعة أيام قد يكون كل ما تحتاجه السلطات قبل أن تعتاد القردة على الأصوات وتتأقلم معها.
خيال المآتة.. حلول مؤقتة وفشل سريع
تشبه هذه التجربة استخدام "خيال المآتة" لترهيب الطيور؛ حيث أظهرت الدراسات في الولايات المتحدة وبريطانيا أن المجسمات التقليدية المحشوة بالقش تقلل من نشاط الطيور في الأسبوع الأول، ولكن فعاليتها تتراجع بشدة في غضون أسبوعين. فالطيور تراقب، وتدرك أن المجسم لا يتحرك ولا يشكل خطراً، فتتوقف عن الخوف منه.
وأكدت مراجعة علمية نُشرت عام 2025 في "مجلة العلوم الطبيعية والهندسة والتكنولوجيا" أن وسائل الردع التقليدية كالدمى والمواد العاكسة والمواد الكيميائية "أثبتت عدم فعاليتها على المدى الطويل بسبب اعتياد الحيوانات عليها".
أما الوسائل التي تحقق نجاحاً مستداماً فهي إما التي تعتمد على الحركة غير المتوقعة، أو تلك التي تمثل تهديداً تطورياً حقيقياً تهابه الحيوانات غريزياً.
وفي دراسة نشرت عام 2022 في مجلة "Journal of the Royal Society Interface"، اختبر باحثون في هولندا استخدام طائرة بدون طيار على شكل صقر شاهين آلي ("RobotFalcon") لإبعاد أسراب الطيور في إحدى القواعد الجوية.
وأظهرت النتائج أن الحقول أُخليت فوراً وظلت خالية لعدة ساعات، حيث تفوق الصقر الآلي على الطائرات المسيرة العادية وأنظمة أجهزة إطلاق صيحات الاستغاثة، دون أن تظهر الطيور أي علامات على الاعتياد عليه.
أسباب قانونية خلف الاستعانة بـ "المقلدين"
حتى نحو عقد من الزمان، كان المروضون يجوبون أحياء دلهي والمباني الحكومية برفقة قردة لانجور حقيقية ومربوطة بسلاسل لإخافة الماكاك، لكن قردة "اللانجور" أُدرجت ضمن الجدول الثاني من قانون حماية الحياة البرية لعام 1972 في الهند، والذي يحظر ملكيتها أو بيعها أو تجارتها أو تأجيرها، وتصل عقوبة المخالفة إلى السجن أو الغرامة، كما يمنع قانون منع القسوة ضد الحيوانات لعام 1960 تدريب أو عرض الحيوانات البرية.
مع تشديد تطبيق هذه القوانين، برزت الحاجة إلى حلول بديلة. ويبدو أن جبار وزملائه من المقلدين سيستمرون في تلقي الطلبات للقيام بهذه المهمة طالما استمرت أعداد القردة بالنمو في المدن الهندية، وطالما استمرت البطولة والمؤتمرات الكبرى في جدول العاصمة.