من بساتين بلاد فارس إلى كاليفورنيا.. كيف أشعل الفستق حربا بين إيران وأمريكا؟
لم يكن الفستق مجرد محصول زراعي ارتبط بالمطبخ الإيراني لقرون طويلة، بل تحول مع مرور الوقت إلى أحد أكثر المنتجات ارتباطا بالصراع الاقتصادي بين إيران والولايات المتحدة، في معركة امتدت لعقود وتداخلت فيها التجارة والسياسة والعقوبات.
وكشفت القناة 12 الإسرائيلية، في تقرير موسع، كيف أصبحت هذه الحبة الصغيرة محور منافسة اقتصادية بمليارات الدولارات بين واشنطن وطهران، بعدما كانت إيران لعقود طويلة المنتج والمصدر الأكبر للفستق في العالم، قبل أن تتمكن الولايات المتحدة من انتزاع الصدارة.

ويرى البروفيسور نمرود لوز، رئيس قسم الأبحاث في كلية كينيريت الأكاديمية، أن الطعام لعب دورًا مؤثرًا في تشكيل مسار التاريخ العالمي، موضحًا أن الفستق يمثل نموذجًا واضحًا لكيفية تحول منتج زراعي إلى أداة اقتصادية وجيوسياسية.
ويقول لوز إن الأدلة التاريخية تشير إلى أن الإنسان عرف الفستق قبل أكثر من 7 آلاف عام، موضحًا أن موطنه الأصلي ليس إيران، وإنما المناطق الواقعة في آسيا الوسطى، وتحديدًا طاجيكستان، إلا أن إيران تحولت لاحقًا إلى المركز الأبرز لزراعته بفضل الظروف المناخية المناسبة.
وأضاف أن الفستق الذي يُستهلك حاليًا يعد منتجًا حديثًا نسبيًا مقارنة بمحاصيل أخرى مثل القمح، الذي بدأ الإنسان في زراعته قبل آلاف السنين.
محصول شديد التعقيد
ويُصنف الفستق ضمن أكثر المحاصيل الزراعية تعقيدًا، إذ لا يعتمد على النحل في عملية التلقيح، بل على الرياح فقط، كما تحتاج أشجاره إلى سنوات طويلة قبل أن تبدأ في إنتاج الثمار.
وأوضح لوز أن أشجار الفستق قد تحتاج إلى ما بين 12 و15 عامًا قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج، وهو ما يجعل زراعته أكثر تعقيدًا مقارنة بمحاصيل أخرى تبدأ في الإثمار بعد عامين أو ثلاثة أعوام فقط، وربما كانت هذه الصعوبة أحد الأسباب التي جعلت الفستق يتحول إلى رمز للمكانة الاجتماعية في بلاد فارس، حيث ارتبط بالحدائق الملكية والأدب الفارسي القديم.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن الغرب تعرف على الفستق خلال فترة الإمبراطور الإغريقي الإسكندر الأكبر، الذي نقل العديد من العناصر الثقافية والغذائية من بلاد فارس إلى أوروبا.

مغامرة أمريكية بدأت عام 1929
ورغم إعجاب الأوروبيين بالفستق، فإنهم لم يتمكنوا من زراعته بنجاح لعدة قرون، إلى أن بدأت الولايات المتحدة محاولاتها في القرن التاسع عشر، لكنها واجهت سلسلة طويلة من الإخفاقات.
وشكل عام 1929 نقطة تحول في تاريخ صناعة الفستق الأمريكية، عندما أُرسل عالم النباتات الأمريكي ويليام إدوارد وايت هاوس إلى إيران لجمع أنواع مختلفة من بذور الفستق ونقلها إلى كاليفورنيا.
وعاد وايت هاوس ومعه نحو 10 كيلوجرامات من البذور، لكن جميع التجارب الزراعية تقريبًا فشلت، باستثناء شجرة واحدة نجحت في النمو، لتصبح فيما بعد الأساس الذي قامت عليه صناعة الفستق الأمريكية بأكملها.
واستغرق الأمر 47 عامًا من التجارب قبل أن تنجح الولايات المتحدة في إنتاج أول محصول تجاري من الفستق خارج إيران عام 1976.
الثورة الإيرانية تغير قواعد اللعبة
ومع اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، دخل الفستق مرحلة جديدة، بعدما فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على إيران عقب أزمة احتجاز الرهائن.
وفي ذلك الوقت، كانت إيران تسيطر بشكل شبه كامل على سوق الفستق العالمي، وكانت الولايات المتحدة تعتمد بصورة كبيرة على الواردات الإيرانية، لكن واشنطن بدأت تدريجيًا في دعم مزارعيها المحليين، وفرضت رسومًا جمركية مرتفعة على الواردات الإيرانية، متهمة طهران بتقديم دعم حكومي لمزارعي الفستق بهدف إغراق الأسواق العالمية.
وخلال ثمانينيات القرن الماضي، تحول الفستق إلى إحدى ساحات المواجهة الاقتصادية بين البلدين، إذ استخدمت الولايات المتحدة أدواتها الاقتصادية، مثل العقوبات والرسوم الجمركية، بينما اعتمدت إيران على حجم إنتاجها الكبير للحفاظ على حصتها في الأسواق العالمية.

عائلتان تسيطران على السوق
وأدى ازدهار تجارة الفستق إلى ظهور عائلات بنت ثروات هائلة من هذا القطاع، وفي الولايات المتحدة، برزت عائلة ريزنيك باعتبارها إحدى أكبر القوى المسيطرة على صناعة الفستق في كاليفورنيا، أما في إيران، فبرزت عائلة رفسنجاني، التي ارتبط اسمها بإنتاج الفستق في محافظة كرمان، وأصبحت واحدة من أكثر العائلات نفوذًا في البلاد.
وخلال تسعينيات القرن الماضي، تغيرت خريطة السوق العالمية بصورة كبيرة، بعدما أصبحت الولايات المتحدة أكبر مصدر للفستق في العالم، وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة تستحوذ حاليًا على ما بين 65 و70% من سوق الفستق العالمية، بينما تبلغ حصة إيران نحو 18%.
ومع تراجع اعتمادها على الواردات الإيرانية، بدأت واشنطن في استخدام تجارة الفستق كورقة ضغط سياسية ودبلوماسية، ففي عام 2000، خففت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون القيود المفروضة على واردات الفستق والسجاد والكافيار الإيراني، في إطار محاولة لتحسين العلاقات بين البلدين.
لكن الملف النووي الإيراني أعاد التوتر مجددًا، لتعود القيود الأمريكية إلى الواجهة، حتى بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015.
شوكولاتة دبي تقلب الموازين
وفي تطور غير متوقع، دخلت وسائل التواصل الاجتماعي على خط المنافسة، ففي عام 2021، أطلقت سارة حمودة في دبي لوح شوكولاتة محشوًا بالفستق والطحينة والزعفران.
وبقي المنتج محدود الانتشار حتى ديسمبر 2023، عندما انتشر مقطع فيديو على منصة "تيك توك" تجاوزت مشاهداته 120 مليون مشاهدة، وأدى الانتشار السريع لما عُرف لاحقًا باسم "شوكولاتة دبي" إلى ارتفاع الطلب العالمي على الفستق بشكل غير مسبوق.
ودفعت هذه الموجة شركات عالمية إلى إطلاق منتجات مماثلة، ما تسبب في نقص المعروض وارتفاع الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ ثماني سنوات.
ويؤكد الخبراء أن زيادة الإنتاج ليست مهمة سهلة، لأن أشجار الفستق تحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن تبدأ في إنتاج الثمار، كما أن المحصول يتأثر بشكل كبير بالعوامل المناخية.

الفستق بديلا للعملات
ورغم العقوبات الاقتصادية، لا يزال الفستق يمثل أحد أهم مصادر الدخل غير النفطية في إيران، إذ يعد ثاني أكثر المنتجات الإيرانية مبيعًا بعد النفط، وفي بعض الحالات، استخدم التجار الإيرانيون الفستق وسيلة غير مباشرة لإتمام صفقات تجارية خارجية.
ووفقًا للتقرير، لجأ بعض مستوردي السيارات في إيران إلى شراء الفستق وبيعه في الصين للحصول على العملة الصينية، ثم استخدام العائدات في شراء قطع الغيار، في محاولة للالتفاف على القيود المالية والعقوبات.
وبين الزراعة والتجارة والعقوبات والصراعات السياسية، تحول الفستق من محصول زراعي ارتبط بالحضارة الفارسية إلى أحد أبرز الأمثلة على تداخل الاقتصاد مع السياسة، في معركة لا تزال مستمرة بين طهران وواشنطن.



