من حرب 2020 إلى اشتباكات 2026.. تيجراي يعيد إشعال إثيوبيا
لم يكن تجدد القتال في إقليم تيجراي الإثيوبي في أغسطس 2026 حدثا منفصلا عن مسار طويل من التوترات التي لم تنجح سنوات السلام في إغلاقها بالكامل، فبعد أقل من أربعة أعوام على توقيع اتفاق بريتوريا للسلام، الذي أنهى حربا دامية استمرت عامين وخلفت آلاف القتلى وملايين النازحين، عادت المواجهات إلى الإقليم الواقع شمال إثيوبيا، هذه المرة قرب الحدود السودانية، لتعيد إلى الواجهة مخاوف انهيار الاتفاق والعودة إلى حرب جديدة.
وتأتي الاشتباكات الأخيرة في ظل تعثر تنفيذ عدد من البنود الأساسية لاتفاق السلام، خصوصا ما يتعلق بنزع سلاح القوات التابعة لتيجراي، وعودة النازحين، واستعادة مؤسسات الإقليم، إلى جانب انقسامات داخلية ضربت جبهة تحرير شعب تيجراي منذ عام 2023.

1998.. الحرب الإثيوبية الإريترية
تعود جذور الأزمة إلى عقود سابقة، عندما تأسست جبهة تحرير شعب تيجراي عام 1975، وتحولت لاحقا إلى قوة سياسية وعسكرية رئيسية في إثيوبيا، وفي عام 1991، لعبت الجبهة بقيادة ميليس زيناوي دورا محوريا في الإطاحة بنظام منجيستو هايلي ماريام العسكري، لتبدأ مرحلة جديدة من هيمنة جبهة تيجراي على الحياة السياسية الإثيوبية.
وشاركت الجبهة مع قوى أخرى في تشكيل الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية، التي تولت الحكم، قبل أن تهيمن النخبة التيجرانية على مؤسسات الدولة لأكثر من ثلاثة عقود.
وخلال عهد زيناوي، شهدت إثيوبيا معدلات نمو اقتصادي سريعة وتعزز حضورها الدولي، لكن حكومته واجهت انتقادات بسبب تهميش جماعات عرقية، بينها الأورومو والأمهرة، في إطار سعيها إلى تثبيت سيطرتها على السلطة، وفق منصة البيانات العالمية "إبسكو".
وفي الوقت نفسه، دخلت إثيوبيا في حرب مع إريتريا بين عامي 1998 و2000، أعقبها نزاع مجمد استمر قرابة عقدين، وألقى بظلال سياسية واقتصادية ثقيلة على البلدين، وكانت جبهة تحرير شعب تيجراي، التي كانت صاحبة النفوذ الأكبر في أديس أبابا، طرفا أساسيا في إدارة الحرب.
ويشكل سكان تيجراي نحو 6% من سكان إثيوبيا، البالغ عددهم نحو 139 مليون نسمة.

أغسطس 2012.. وفاة زيناوي وبداية تراجع نفوذ تيجراي
شكلت وفاة رئيس الوزراء ميليس زيناوي في أغسطس 2012 نقطة تحول مهمة بالنسبة إلى النخبة السياسية المنحدرة من إقليم تيجراي، فزيناوي، الذي أمضى أكثر من عقدين في السلطة، كان أحد أبرز رموز جبهة تحرير شعب تيجراي، وساهم في تأسيسها عندما كان في العشرين من عمره.
وبعد رحيله، بدأ نفوذ النخبة التيجرانية داخل مؤسسات الدولة يتراجع تدريجيا، في وقت كانت فيه الخلافات بين المكونات الإثنية والسياسية تتزايد.

أبريل 2018.. آبي أحمد يصل إلى السلطة
وصل آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء في أبريل 2018، ليصبح أول رئيس وزراء من قومية الأورومو، التي عانت من التهميش خلال فترة هيمنة النخبة التيجرانية.
وأطلق آبي أحمد سلسلة إصلاحات سياسية أنهت عملياً الهيمنة السياسية لجبهة تيجراي، وقدم نفسه باعتباره قائدا قادرا على إعادة بناء الثقة بين المكونات الإثنية المختلفة.
ورحبت قطاعات واسعة داخل إثيوبيا وخارجها بوصوله، باعتباره فرصة لفتح صفحة جديدة، فيما تعهد بتوسيع الحريات السياسية وتخفيف القيود المفروضة على المعارضة.

لكن الإصلاحات التي أطلقها آبي أحمد كانت في الوقت ذاته بداية مرحلة جديدة من التوتر مع جبهة تيجراي، التي رأت في الإجراءات الحكومية تهديداً لنفوذها السياسي وموقعها داخل النظام الفيدرالي.
يوليو 2018.. اتفاق تاريخي مع إريتريا
بعد أشهر قليلة من وصوله إلى السلطة، أبرم آبي أحمد اتفاقاً تاريخياً مع إريتريا في يوليو 2018، أنهى رسميا عقدين من العداء بين البلدين، لكن التقارب بين أديس أبابا وأسمرة أثار مخاوف جبهة تيجراي، التي كانت تنظر إلى إريتريا باعتبارها خصما تقليديا.
وبمرور الوقت، أصبح التقارب بين آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي أحد العوامل التي غذت مخاوف القيادة التيجرانية من عزلها سياسيا وعسكريا.
ديسمبر 2019.. حل الائتلاف الحاكم
في ديسمبر 2019، اتخذ آبي أحمد خطوة أكثر عمقاً باتجاه إعادة تشكيل النظام السياسي، عندما حل الائتلاف الحاكم الذي كانت جبهة تيجراي إحدى أبرز مكوناته.
وأسس بدلا منه حزب "الازدهار"، داعياً مختلف القوى السياسية والإثنية إلى الانضمام إليه، لكن جبهة تحرير شعب تيجراي رفضت الانضمام إلى الحزب الجديد، لتدخل العلاقة بينها وبين الحكومة الفيدرالية مرحلة أكثر توترا.

سبتمبر 2020.. الشرارة السياسية
تصاعد الخلاف بصورة حادة في عام 2020، بعدما أدت جائحة كورونا إلى تأجيل الانتخابات العامة، فيما قررت الحكومة تمديد ولاية آبي أحمد.
رفضت جبهة تيجراي هذا التمديد، واعتبرته مخالفا للدستور، وفي المقابل، مضى مجلس إقليم تيجراي في إجراء انتخابات محلية رغم معارضة الحكومة الفيدرالية، وهو ما اعتبرته أديس أبابا تحدياً مباشرا لسلطتها.
وبذلك أصبح الخلاف السياسي بين الطرفين يتحول تدريجياً إلى مواجهة بين سلطتين، إحداهما فيدرالية في أديس أبابا والأخرى إقليمية في ميكيلي.
نوفمبر 2020.. اندلاع حرب تيجراي
في 4 نوفمبر 2020، اتهم آبي أحمد قوات تيجراي بمهاجمة قاعدة عسكرية اتحادية في عاصمة الإقليم ميكيلي، وأمر الجيش الإثيوبي ببدء عملية عسكرية واسعة في شمال البلاد.
ومن هنا اندلعت حرب تيجراي، التي سرعان ما تحولت إلى واحدة من أعنف الصراعات في القارة الإفريقية، وفي بدايتها، قال آبي أحمد إن العملية تستهدف قيادة جبهة تيجراي فقط، لكن انقطاع الاتصالات مع الإقليم جعل من الصعب معرفة حجم القتال وتداعياته على المدنيين.

وبحلول ديسمبر 2020، بدأت وسائل إعلام ومسؤولو الأمم المتحدة في التحذير من وقوع انتهاكات واسعة ضد المدنيين، خصوصاً أبناء تيجراي.
كما دخلت إريتريا على خط الحرب إلى جانب الحكومة الإثيوبية، قبل أن يقر آبي أحمد في ربيع 2021 بمشاركة القوات الإريترية، بعد أشهر من نفي وجودها داخل إثيوبيا.
2021.. اتساع الحرب والانقسام الإثني
مع استمرار الحرب، اتسع نطاق القتال ليشمل مناطق أخرى، فيما تصاعدت الاتهامات بارتكاب انتهاكات خطيرة ضد المدنيين.
وفي عام 2021، وصفت الولايات المتحدة الحرب بأنها ترقى إلى مستوى التطهير العرقي ضد أبناء تيجراي، بينما حذرت منظمات غير حكومية من احتمال وقوع إبادة جماعية.
وفي مارس من العام نفسه، أعلن مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فتح تحقيق مشترك مع لجنة حقوق الإنسان الإثيوبية بشأن الانتهاكات، لكن نتائج التحقيق تعرضت لاحقاً لانتقادات تتعلق بدرجة حياديتها.

وفي يونيو 2021، تمكنت قوات تيجراي من استعادة السيطرة على مدينة ميكيلي، وفي الوقت نفسه، حقق حزب آبي أحمد فوزاً كاسحاً في الانتخابات البرلمانية التي قاطعتها جبهة تيجراي، وسط اتهامات للحكومة بمنع مراقبين انتخابيين من الوصول إلى بعض المناطق.
ولم يقتصر القتال على تيجراي، إذ امتد إلى إقليمي عفر وأمهرة، فيما دعا آبي أحمد المواطنين القادرين على حمل السلاح إلى الانضمام إلى الحرب.
وبحلول نوفمبر 2021، تمكنت قوات تيجراي وحلفاؤها من مقاتلي الأورومو من الوصول إلى مسافة تقارب 85 ميلا من العاصمة أديس أبابا، قبل أن تجبرهم هجمات مضادة للقوات الحكومية على التراجع، وأدى ذلك إلى تعميق الانقسامات الإثنية في البلاد، ففي حين تحالف جيش تحرير أورومو مع جبهة تيجراي، وقفت قوات ومليشيات من إقليمي أمهرة وعفر إلى جانب الحكومة الفيدرالية.
كما شهدت مناطق أخرى من إثيوبيا موجات من العنف الإثني، سقط خلالها مئات المدنيين ونزح آلاف الأشخاص، خصوصا في أوروميا وأمهرة.

2 نوفمبر 2022.. اتفاق بريتوريا للسلام
بعد نحو عامين من الحرب، بدأت جهود مكثفة لإنهاء القتال، توجت في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 بتوقيع الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي اتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية.
وأعقب الاتفاق مفاوضات تنفيذية في العاصمة الكينية نيروبي.
ونص الاتفاق على وقف العمليات العسكرية، ونزع سلاح قوات تيجراي، وإعادة الإقليم إلى سلطة الحكومة الفيدرالية، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية، وإنهاء القتال رسميا.
ووضع الاتفاق حداً لحرب خلفت أعداداً ضخمة من الضحايا والنازحين، وفتحت الباب أمام عملية سياسية يفترض أن تعالج أسباب الصراع، لكن السلام لم يكن كاملا.
مارس 2023.. الانقسامات تعود إلى الواجهة
بعد أشهر من اتفاق بريتوريا، بدأت تظهر خلافات جديدة حول كيفية تنفيذ بنوده، وفي عام 2023، أعلنت الحكومة الفيدرالية خططاً لدمج جميع القوات الأمنية الإقليمية في الأجهزة الأمنية الوطنية، وهي خطوة أثارت اعتراضات في عدد من الأقاليم، واعتُبرت تهديداً لنفوذ السلطات المحلية.
وتحولت هذه التوترات إلى احتجاجات ومواجهات مسلحة، خصوصاً في إقليم أمهرة، حيث خاض الجيش الإثيوبي معارك ضد مليشيا فانو والقوات الخاصة للإقليم.
وفي الوقت نفسه، استمرت العمليات العسكرية ضد جيش تحرير أورومو.

مارس 2023.. دبرصيون يقود الإدارة المؤقتة
وفي مارس 2023، عُين دبرصيون جبرمياكائيل رئيساً للإدارة المؤقتة في تيجراي، في إطار ترتيبات ما بعد اتفاق بريتوريا.
لكن وجود إدارة انتقالية لم ينهِ الخلافات المتعلقة بمستقبل الإقليم، ولا سيما بشأن السلطة المحلية، والمناطق المتنازع عليها، وعودة النازحين، ومستقبل القوات التي كانت تقاتل خلال الحرب.
أبريل - يوليو 2026.. اتفاق السلام يتعثر
مع دخول عام 2026، بدأت الخلافات المرتبطة بتنفيذ اتفاق بريتوريا تتصاعد مجددا، وخلال الفترة بين أبريل/نيسان ويوليو/تموز، تركزت نقاط الخلاف بصورة خاصة حول ملفات نزع السلاح، وعودة النازحين، واستعادة مؤسسات الدولة في الإقليم.
وتبادلت الحكومة الفيدرالية وقوى تيجراي الاتهامات بشأن المسؤولية عن تعثر تنفيذ بنود الاتفاق، فيما ساهمت الانقسامات داخل جبهة تيجراي في زيادة هشاشة الوضع السياسي والأمني.
ومع غياب تسوية نهائية لهذه الملفات، ظل اتفاق بريتوريا قائما من الناحية الرسمية، لكنه أصبح عرضة لاختبارات متزايدة على الأرض.
3 أغسطس 2026.. عودة القتال
في 3 أغسطس الجاري، اندلعت مواجهات جديدة بين الجيش الإثيوبي وقوات من تيجراي في المحور الغربي من الإقليم، بالقرب من الحدود السودانية.
وأعادت الاشتباكات المخاوف من إمكانية انهيار اتفاق بريتوريا، وعودة تيجراي إلى دائرة الحرب التي عاشها الإقليم بين عامي 2020 و2022.
وتكتسب المواجهات الأخيرة أهمية خاصة بسبب موقعها قرب الحدود السودانية، في منطقة شديدة الحساسية أمنيا، وبسبب تراكم الملفات التي لم تجد طريقها إلى الحل منذ انتهاء الحرب السابقة.

السلام الذي لم يحسم جذور الصراع
بعد نحو أربعة أعوام من توقيع اتفاق بريتوريا، يبدو أن أصعب اختبار أمام إثيوبيا لم يعد يتعلق بوقف إطلاق النار فقط، وإنما بقدرتها على معالجة القضايا التي أبقت جذور الصراع حية، فنزع السلاح لم يُحسم بصورة نهائية، وعودة النازحين لا تزال من الملفات الحساسة، فيما تظل قضية استعادة مؤسسات الإقليم وإعادة ترتيب العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وتيجراي موضع خلاف.
كما أن الانقسامات داخل جبهة تيجراي، إلى جانب الصراعات الأوسع في أمهرة وأوروميا، تجعل أي انفجار أمني في الشمال قابلا للتفاعل مع أزمات أخرى في البلاد، ولهذا، وبحسب التقارير، فإن الاشتباكات التي اندلعت في 3 أغسطس لا تبدو مجرد حادث أمني محدود، بل اختباراً جديداً لاتفاق السلام الذي أنهى حربا مدمرة.
فإذا تمكنت الأطراف من احتواء القتال والعودة إلى مسار التفاوض، فقد يبقى اتفاق بريتوريا قابلا للإنقاذ، أما إذا اتسعت المواجهات وتداخلت مع الخلافات السياسية والإثنية القائمة، فقد تجد إثيوبيا نفسها أمام خطر إعادة فتح واحدة من أكثر صفحات تاريخها الحديث دموية.



