عاجل

من ممداني إلى عبد الرحمن السيد.. صراع الأجنحة داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي

عبد الرحمن السيد
عبد الرحمن السيد

منذ فترة ليست قصيرة، تدور داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي معركة هادئة في ظاهرها، لكنها تهز تدريجيا أركان واحدة من أعرق المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، بين جناح يرى أن المرحلة تفرض مراجعة شاملة لقيادات الحزب وخطابه وسياساته، وآخر يتمسك بالنهج الوسطي التقليدي، ويؤكد أن الديمقراطيين لا يزالون قادرين على الحفاظ على موقعهم باعتبارهم القوة السياسية الأبرز للعمال الأمريكيين والمهاجرين وأبناء المهاجرين.

غير أن هذا الصراع خرج إلى العلن بصورة أكثر وضوحا عقب الانتخابات التمهيدية في ولاية ميشيغان، بعد النجاح اللافت الذي حققه المرشح الديمقراطي الاشتراكي المصري الأمريكي عبد الرحمن السيد، في مواجهة منافسته الديمقراطية الحالية في مجلس النواب هالي ستيفنس، التي حظيت بدعم واسع من قيادة الحزب الديمقراطي والقيادة الديمقراطية في الكونجرس.

ولم يكن الانقسام حول الانتخابات في ميشيجان مجرد خلاف على اسم المرشح الذي سيمثل الحزب في الانتخابات العامة، بل تحول إلى اختبار أوسع لصراع سياسي داخل الحزب بشأن مستقبله، وطبيعة خطابه، والقيادات التي ستتولى توجيهه خلال المرحلة المقبلة.

أطلق السياسي التقدمي من ولاية ميشيغان، السيد إيل سيد، لجنة عمل سياسي بعد ترشحه لمنصب حاكم الولاية - بوليتيكو

ميشيجان.. المواجهة التي كشفت عمق الأزمة

جاءت نتيجة ميشيجان لتكشف بوضوح حجم الهوة بين المؤسسة التقليدية للحزب والتيار التقدمي الصاعد، خصوصا أن قيادة الحزب في واشنطن راهنت بقوة على هالي ستيفنس في مواجهة عبد الرحمن السيد.

وكان زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، إلى جانب زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز، من أبرز الداعمين لستيفنس، في مواجهة المرشح الذي يمثل تياراً أكثر يسارية وتقدمية داخل الحزب.

ولم يتوقف الرهان على الدعم السياسي والإعلامي، بل تحول السباق إلى واحدة من أكثر المعارك الانتخابية التمهيدية كلفة في تاريخ الانتخابات الداخلية للحزب الديمقراطي، بعدما ضخت مؤسسات سياسية ومجموعات ضغط مرتبطة بالمؤسسة الديمقراطية مبالغ ضخمة لدعم ستيفنس.

A former AIPAC-linked group is now supporting Abdul El-Sayed to elect a  doctor to the U.S. Senate • Michigan Advance

وبحسب ما قاله قيادي في حملة عبد الرحمن السيد في تصريحت صحفية، فإن نحو 70 مليون دولار أُنفقت لدعم المرشحة المفضلة لدى قيادة الحزب، بمشاركة مجموعات تأثير سياسي في واشنطن، بينها جهات داعمة لسياسات الحكومة الإسرائيلية.

وشملت الأموال الإنفاق على الإعلانات التلفزيونية والحملات العامة ومختلف متطلبات العملية الانتخابية، في خطوة اعتبرتها حملة السيد دليلاً على أن القيادة الوطنية للحزب تعاملت مع انتخابات ميشيجان باعتبارها معركة سياسية تتجاوز حدود الولاية.

وقال القيادي في حملة عبد الرحمن السيد إن حجم الإنفاق يعكس، من وجهة نظرهم، "مدى الجدية التي أخذت بها القيادة الوطنية في واشنطن الانتخابات في ميشيجان"، وسعيها إلى قطع الطريق أمام عبدول السيد ومنع وصوله إلى السباق العام.

وبحسب القراءة التي تقدمها حملة عبد الرحمن، فإن قيادة الحزب كانت تسعى إلى توجيه رسالة إلى بقية الولايات مفادها أن المؤسسة الديمقراطية في واشنطن لا تزال قادرة على حسم الانتخابات التمهيدية الداخلية، وتمويل المرشحين الذين ترى أنهم أكثر قدرة على ضمان مصالح الحزب في الانتخابات العامة.

ويرى هؤلاء أن شومر وجيفريز أرادا، من خلال المعركة الانتخابية في ميشيجان، إنهاء جانب أساسي من النقاش الداخلي داخل الحزب قبل نحو ثلاثة أشهر من الانتخابات العامة المقررة في نوفمبر، وإظهار أن القرار النهائي بشأن اتجاه الحزب لا يزال في يد المؤسسة التقليدية في واشنطن.

فاز عبد السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ميشيغان، محققاً بذلك انتصاراً لليسار في منطقة الغرب الأوسط.

التقدميون يشنون هجوما مضادا

لكن خسارة المرشح المدعوم من المؤسسة التقليدية لم تغلق النقاش، بل دفعت الجناح التقدمي إلى رفع سقف المواجهة، وقالت قيادات من الجناح التقدمي الديمقراطي داخل الكونجرس في تصريحات صحفية إن المعركة لا تتعلق فقط بنتيجة انتخابات ميشيجان، وإنما بمستقبل إدارة الحزب بعد انتخابات نوفمبر، وبشكل خاص بمصير القيادات الحالية التي يتهمها التيار التقدمي بتحمل مسؤولية تراجع الحزب خلال السنوات الماضية.

ويواجه شومر بالفعل مطالب داخل أوساط ديمقراطية بالرحيل عن موقعه مطلع العام المقبل، وسط انتقادات له بسبب ما يعتبره خصومه فشلاً في مواجهة الرئيس دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض، وعدم اتخاذ مواقف أكثر صرامة في الدفاع عن الأمريكيين المتضررين من سياسات الإدارة الحالية داخلياً وخارجياً.

ولا تبدو الصورة أكثر هدوءاً بالنسبة إلى حكيم جيفريز، الذي تعرض لانتقادات وهتافات استهجان من مؤيدي التيار اليساري خلال الانتخابات التمهيدية في نيويورك، خصوصا مع صعود مرشحين تقدميين حظوا بدعم من عمدة المدينة زهران ممداني.

ويعتقد قادة التيار التقدمي أن نتائج انتخابات 2024، التي خسر فيها الديمقراطيون السباق الرئاسي وفقدوا السيطرة على غرفتي الكونغرس، كانت كافية لإطلاق عملية تغيير واسعة داخل الحزب، سواء على مستوى القيادة أو السياسات.

ويرى هذا الجناح أنه لا يمكن لحزب خسر للمرة الثانية أمام مرشح جمهوري واحد، وفقد الغرفتين في الانتخابات العامة، أن يستمر بالقيادات والسياسات نفسها التي قادت المرحلة السابقة.

عبد السيد: "قوة جماهيرنا أعظم من قوة أموالهم" | ذا نيشن

هل كانت ميشيجان محاولة لإنهاء التمرد؟

في نظر التيار التقدمي، تحولت انتخابات ميشيغان إلى الحلقة الأكثر أهمية في الصراع الداخلي على مستقبل الحزب، ويعتقد هؤلاء أن المؤسسة التقليدية سعت إلى تحقيق انتصار حاسم على التيار اليساري، وإرسال رسالة إلى أنصار هذا التيار في ولايات عدة، بينها نيويورك وكولورادو ونيوجيرسي وميشيجان، بأن قيادة الحزب لا تزال قادرة على التحكم في مسار الانتخابات التمهيدية واختيار المرشحين الذين ترى أنهم يمثلون مصالح الحزب في الانتخابات العامة.

لكن فوز عبدول السيد قلب الحسابات، وحول السباق من محاولة لإثبات قوة المؤسسة التقليدية إلى دليل على أن التيار التقدمي أصبح قادرا على خوض مواجهات مباشرة معها وتحقيق نتائج انتخابية رغم حجم الفارق في الموارد المالية والتنظيمية.

وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه أن تصدر قيادة الحزب إشادة واضحة بفوز السيد، غابت القيادة الديمقراطية عن مظاهر الاحتفاء بالنتيجة، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات جديدة بشأن قدرة الحزب على تجاوز الخلافات الداخلية، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات العامة.

توحيد الصف.. الاختبار الأصعب

ويرى قياديون تقدميون أن التحدي الأكبر أمام الديمقراطيين لن يكون فقط في إدارة الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية، وإنما في القدرة على العمل المشترك داخل الكونجرس بعد انتخابات نوفمبر.

ويحذر هؤلاء من أن حجم الانقسام السياسي بين الجناحين، إلى جانب المشاعر السلبية التي تراكمت خلال الانتخابات التمهيدية، قد يجعل التعاون بينهما أكثر صعوبة خلال المرحلة المقبلة.

فالمواجهة لم تعد تقتصر على خلافات في التفاصيل أو على اختيار مرشح هنا أو هناك، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أوسع: أي حزب ديمقراطي يريد الأمريكيون أن يروا في السنوات المقبلة؟، فهل يبقى الحزب قريبا من الوسط السياسي، مع الحفاظ على تحالفاته التقليدية ومراكز قوته المالية والتنظيمية؟ أم يتجه بصورة أكبر نحو التيار التقدمي الذي يطالب بتغيير الخطاب والسياسات، وإعادة تعريف علاقة الحزب بقواعده الشعبية؟

يقول السيد إن موجة كوفيد-19 الأخيرة في ميشيغان مختلفة: "لم يعد عام 2020 كما كان" - WDET 101.9 FM

عبد الرحمن السيد.. مرشح من خارج المؤسسة

من جانبها، تعتزم حملة عبدول السيد استثمار فوزه سياسيا خلال المرحلة المقبلة، وتقديمه باعتباره المرشح الذي واجه المؤسسة التقليدية للحزب، وحظي بدعم محدود من قيادتها، لكنه تمكن رغم ذلك من تجاوز الحواجز السياسية والمالية والتنظيمية والوصول إلى الفوز بترشيح الحزب للانتخابات العامة.

ويقول قياديون في حملته في تصريحات صحفية إن «السيد» لن يكون المرشح الديمقراطي الوحيد الذي يخوض الانتخابات المقبلة بهذا الخطاب، إذ من المتوقع أن يرافقه عدد من الديمقراطيين الذين عارضت قيادة الحزب في واشنطن ترشيحهم، أو حاولت الحد من فرصهم خلال الانتخابات التمهيدية.

وبحسب هؤلاء، فإن التيار الجديد لا يعتمد فقط على الدعم القادم من المؤسسات التقليدية للحزب، وإنما بدأ في بناء شبكات تنظيمية وتمويلية مستقلة، وهو ما ظهر بوضوح خلال معركة ميشيغان.

ويرى أنصار هذا التيار أن هذه القدرات تمثل تحولا مهما داخل الحزب الديمقراطي، لأنها تمنح المرشحين التقدميين قدرة أكبر على خوض الانتخابات بعيدا عن مراكز القوة المالية والسياسية التقليدية.

ويعتزم التيار، وفق حملة عبد الرحمن السيد، مواصلة الاعتماد على هذه القدرات الذاتية خلال الانتخابات العامة، بهدف كسر ما يعتبره "طوق السيطرة المركزية" للمؤسسة الحزبية، وفتح المجال أمام مزيد من الاستقلال السياسي للنواب التقدميين داخل الكونجرس.

عبد السيد في مهمة لتغيير وجه السياسة في ميشيغان

فوز السيد.. رسالة إلى واشنطن

وبالنسبة إلى رموز الموجة الجديدة من الديمقراطيين، فإن نجاح عبد الرحمن السيد في سباق الثلاثاء يتجاوز شخص المرشح نفسه، فالفوز، وفق هذا التفسير، يمثل رسالة إلى صناع القرار في واشنطن بأن جيلا جديدا من الديمقراطيين بات مستعدا لدخول الكونجرس، وأن هذا الجيل لا يريد بالضرورة الارتباط بمراكز القوة المالية التقليدية التي اعتادت تمويل الحملات الانتخابية وتشكيل شبكات الولاء السياسي داخل الحزب.

ولا يقتصر طموح هؤلاء على تغيير أسماء القيادات، وإنما يمتد إلى تغيير طريقة إدارة الحزب لمواجهته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال العامين المقبلين.

ويقول قادة حملة السيد إن الجيل الجديد من الديمقراطيين يريد تغيير طريقة تعامل الحزب مع إدارة ترامب، سواء داخل واشنطن أو في الملفات الداخلية والخارجية، وكذلك إعادة النظر في صورة الولايات المتحدة ودورها على الساحة الدولية.

وتستند هذه الرؤية إلى قناعة لدى التيار التقدمي بأن الديمقراطيين الموجودين حاليا في الكونجرس لم يفعلوا ما يكفي، من وجهة نظرهم، لمواجهة ترامب والحد من قدرته على تمرير سياساته وقراراته بصورة منفردة.

استراتيجية الشعبوية: مرشح ديمقراطي لمجلس الشيوخ الأمريكي يسعى لتكرار نجاح مامداني | ميشيغان | الغارديان

ويعتبر هؤلاء أن الرئيس الجمهوري تمكن، خلال المرحلة الماضية، من توسيع هامش نفوذ السلطة التنفيذية على حساب الدور التقليدي للكونغرس، ويرون أن الديمقراطيين بحاجة إلى استراتيجية أكثر صداماً ووضوحاً في الدفاع عن صلاحيات السلطة التشريعية.

وهكذا، تحولت انتخابات ميشيجان من سباق تمهيدي داخل الحزب الديمقراطي إلى اختبار حقيقي لمستقبل الحزب نفسه، ففوز عبدول السيد لم يحسم فقط هوية مرشح في ولاية واحدة، بل كشف عن صراع أعمق بين مؤسسة سياسية تتمسك بقيادتها التقليدية، وتيار تقدمي يرى أن نتائج الانتخابات السابقة أثبتت الحاجة إلى تغيير جذري.

ومع اقتراب انتخابات نوفمبر، يبدو أن الديمقراطيين أمام معركة مزدوجة: مواجهة الجمهوريين في الانتخابات العامة من جهة، ومحاولة احتواء الخلافات المتصاعدة داخل صفوفهم من جهة أخرى. وفي ظل اتساع نفوذ التيار التقدمي وقدرته المتزايدة على تمويل وتنظيم حملاته بعيداً عن المؤسسة التقليدية، قد تصبح معركة ميشيغان مجرد بداية لصراع أكبر على هوية الحزب الديمقراطي وقيادته في السنوات المقبلة.

تم نسخ الرابط