عاجل

الدكتور محمد الجندي: التحديات الفكرية المعاصرة تستلزم وعيا راسخا بالهوية

الدكتور محمد الجندي
الدكتور محمد الجندي

شارك الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة، ظهر اليوم، في الملتقى الفكري الأول لمنطقة وعظ المنوفيَّة، الذي عُقِدَ في جامعة المنوفيَّة برعاية كريمة من الإمام الأكبر أحمد الطيِّب، شيخ الأزهر الشريف، بعنوان: (الهُويَّة ضرورة مجتمعيَّة وفريضة دِينيَّة)، في إطار جهود المجمع في تعزيز الوعي الدِّيني والفكري، ومناقشة القضايا التي تمسُّ واقع المجتمع، وبما يُسهم في بناء وعيٍ قادرٍ على التعامل مع التحديات المعاصرة.

الهوية تمثل جوهر الإنسان

وفي كلمته، أكَّد الدكتور محمد الجندي أنَّ الهُويَّة تمثِّل جوهر الإنسان والثقافة والحضارة، وأنَّها تقوم على مجموعة من الثوابت والقِيَم والمعايير التي تمنح الفرد والجماعة خصوصيتهما وتميُّزهما، موضحًا أنَّ الهُويَّة هي ثوابت تتجدَّد فاعليَّتها مع تطوُّر الحياة، دون أن تفقد حقيقتها أو تذوب في هُويَّات أخرى.

وأشار إلى تعدُّد مستويات الهُويَّة، التي تشمل: الهُويَّة الفرديَّة، والاجتماعيَّة، والجماعيَّة، والثقافيَّة والدِّينيَّة، مؤكِّدًا أنَّ هذه المستويات تتكامل في تشكيل وعي الإنسان بذاته وانتمائه ومجتمعه، وأنَّ الحفاظ على الهُويَّة يتطلَّب وعيًا حقيقيًّا بمكوِّناتها، وقدرةً على التمييز بين ما يمثِّل ثوابت أصيلة وما يمكن أن يتغيَّر بتغيُّر الظروف والأحوال.

وتناول الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة أبرز التحديات التي تواجه الهُويَّة، وفي مقدِّمتها: العولمة، ووسائل التواصل الحديثة، وسرعة انتقال الأفكار والثقافات، إلى جانب الشعور بالنقص أو التبعيَّة لدى بعض الشباب، وضعف الوعي بالتاريخ والثقافة والدِّين، وغياب القدوة؛ بما قد يفتح المجال أمام التقليد الأعمى لبعض الأنماط الوافدة في المظهر والسلوك واللُّغة والاحتفالات والممارسات الاستهلاكيَّة.

وأكد أنَّ الهُويَّة الإيمانيَّة حجر أساس لتحقيق السِّلم المجتمعي؛ إذ تمثِّل العقيدة الإسلاميَّة الخيط الناظم لمكوِّنات الهُويَّة، من خلال ترسيخ الإيمان بالله تعالى، والأنبياء والكتب واليوم الآخر، وما ينبني على ذلك من قِيَم ومبادئ تضبط عَلاقة الإنسان بربِّه وبنفسه وبالآخرين، مشدِّدًا على أنَّ الهُويَّة الأخلاقيَّة مصدرٌ لتحقيق الرُّقي المجتمعي؛ لما تقوم عليه من منظومةٍ من القِيَم التي تحفظ تماسك المجتمع وتوجِّه سلوك أفراده.

التحديات الفكرية التي تستهدف الهوية

وحذَّر من بعض التحديات الفكريَّة التي قد تستهدف الهُويَّة الإيمانيَّة، وفي مقدِّمتها: التشكيك في وجود الله تعالى، أو الطعن في مصادر المعرفة الدِّينيَّة، موضِّحًا أنَّ الإيمان بالله -تعالى- تؤكِّده دلائل الفطرة والعقل والنظر في آيات الكون والإنسان، وأنَّ تشوُّه المعرفة أو ضعف التكوين الدِّيني قد يجعل بعض الشباب أكثر عرضةً للشُّبهات والأفكار الماديَّة.

وبيَّن الدكتور الجندي أنَّ العلم والدِّين لا يتعارضان؛ لأنَّ لكلٍّ منهما مجاله ووظيفته، فالعلم يبحث في الظواهر الماديَّة وقوانينها، بينما يقدِّم الدِّين إجاباتٍ عن الأسئلة الكليَّة المرتبطة بالغاية من الوجود ومصير الإنسان والقِيَم والمعايير الأخلاقيَّة، مؤكِّدًا أنَّ عجز العلم التجريبي عن الإجابة عن الأسئلة التي تقع خارج نطاقه لا يُشكِّل انتقاصًا من قيمته، كما أنَّ تناول الدِّين لحقائق الوجود الكليَّة لا يعني أنَّه بديل عن البحث العلمي في مجالاته المتخصِّصة.

وتناول مكانة الرسالة النبويَّة وصلاحيَّتها لكل زمان ومكان، مستعرضًا عددًا من الشُّبهات التي أُثيرت حول النبي ﷺ والقرآن الكريم، ومشيرًا إلى ما قدَّمه عددٌ من المفكرين والمستشرقين من شهاداتٍ تؤكِّد عظمة شخصيَّة النبي ﷺ وأثر رسالته في بناء مجتمعٍ يقوم على القِيَم والأخلاق والتكافل، بما يفنِّد دعاوى حصر الرسالة النبويَّة في سياق تاريخي منقطع عن واقع الإنسان المعاصر.

وتطرَّق إلى مفهوم التجديد، مبيِّنًا أنَّ التجديد في الخطاب الدِّيني لا يعني تغيير ثوابت الدِّين أو إلغاء الموروث العلمي؛ وإنَّما يعني القدرة على استيعاب المستجدَّات ومعالجة قضايا العصر في ضوء أصول الشريعة ومقاصدها، مشيرًا إلى حديث النبي ﷺ بشأن بعث المجدِّدين على رأس كل مِئَة سنة، مسلِّطًا الضوء على نماذج من العلماء الذين أسهموا في تجديد العلوم والمعارف الدِّينيَّة عبر العصور.

وانتقل إلى مناقشة عددٍ مِنَ التحديات الداخليَّة التي تؤثِّر في الهُويَّة، وفي مقدِّمتها: ضعف وعي بعض الشباب باللُّغة العربيَّة والتراث والثقافة الدِّينيَّة، ومحاولات التشكيك في الإسلام ومصادره، وانتقاد القرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة والتراث الإسلامي، مؤكِّدًا أنَّ مواجهة هذه التحديات تكون ببناء وعيٍ علميٍّ راسخ يُمكِّن الشباب من فهم دِينهم ومصادره، والتمييز بين النقد العلمي والشُّبهات الفكريَّة.

وشدَّد على أهميَّة اللُّغة العربيَّة بوصفها سبيلًا أساسًا لتحقيق الهُويَّة، بعدِّها وعاء القرآن الكريم، وأحد أهم عناصر الذاكرة الثقافيَّة والحضاريَّة للأمَّة، داعيًا إلى تعزيز حضورها في التعليم والإعلام ومجالات التواصل، ومواجهة النظرة التي تختزلها في كونها لغةً تراثيَّة لا تواكب العصر.

وتناول عددًا من الاتجاهات الحداثيَّة في قراءة النص القرآني، موضِّحًا أنَّ بعض هذه الاتجاهات تعاملت مع القرآن الكريم بوصفه نصًّا لُغويًّا بشريًّا قابلًا للتفكيك وإعادة البناء بمعزل عن مصدره الإلهي وخصوصيَّته الدِّينيَّة، واستعرض في هذا الإطار الاتجاهات البنيويَّة والتفكيكيَّة والعقليَّة المجرَّدة والتاريخيَّة والهرمنيوطيقيَّة، وما يترتَّب على بعض تطبيقاتها من إشكالاتٍ تتعلَّق بمصدريَّة الوحي وقدسيَّة النَّص وصلاحيَّته لكل زمان ومكان.

وتابع أنَّ مواجهة هذه القراءات لا تعني رفض أدوات البحث الحديثة في ذاتها، وإنَّما تقتضي استخدامها في إطارٍ علميٍّ منضبط يراعي طبيعة النَّص القرآني وخصوصيَّته ومصدريَّته، ويميِّز بين المناهج التي يمكن الإفادة منها في فهم النص وبين إسقاط مناهج نشأت في سياقات معرفيَّة مغايرة بما يؤدِّي إلى نتائج تتعارض مع أصول الاعتقاد وطبيعة الوحي.

واختتم الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة بتأكيد أنَّ الحفاظ على الهُويَّة مسئوليَّة مشتركة بين الأسرة والمؤسَّسات التعليميَّة والدِّينيَّة والثقافيَّة والإعلاميَّة، وأنَّ بناء جيلٍ واعٍ بهُويَّته يتحقَّق بالتربية والتعليم والقدوة والمعرفة، موضحًا أنَّ الهُويَّة الوطنيَّة درعٌ واقٍ لتحقيق الأمن، وأنَّ ارتباط الإنسان بهُويَّته الدِّينيَّة والثقافيَّة والأخلاقيَّة يعزِّز استقرار المجتمع، ويحميه من محاولات الاستلاب الفكري والذوبان الثقافي، ويمنح أبناءه القدرة على الانفتاح الواعي على العالم دون فقدان خصوصيَّتهم وثوابتهم.

جاء ذلك بحضور أ.د. محمد زيدان، نائب رئيس جامعة المنوفيَّة، والعقيد أركان حرب أحمد حلاوة، نائب المستشار العسكري، والدكتور حسن درويش، رئيس الإدارة المركزيَّة لمنطقة المنوفيَّة الأزهريَّة، والشيخ هشام عمَّار، مدير عام منطقة الوعظ بالمحافظة، والدكتور عمرو مصطفى، وكيل وزارة الصحة، والدكتور ربيع مهدي، نائب وكيل وزارة الأوقاف، والأستاذ الحسيني أبو طالب، نائب وكيل وزارة الثقافة بالمحافظة.

تم نسخ الرابط