أمين الأعلى للشئون: صحيح البخاري الأصح بعد القرآن.. تأليفه استمر 16عاماً
نشر الدكتور أحمد نبوي، الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بحثًا علميًا حول الإمام محمد بن إسماعيل البخاري وكتابه "الجامع المسند الصحيح"، تناول فيه أسباب تفوق الكتاب وتميزه على غيره من دواوين السنة النبوية، وكيف استطاع أن يحتل المكانة الأولى بين كتب الحديث بعد كتاب الله على مدار 12 قرنًا.
وأكد الدكتور نبوي في بحثه أن وصف صحيح البخاري بأنه "أصح الكتب بعد كتاب الله" لم يكن تعبيرًا عن تقديس شخص الإمام البخاري، ولا عن إغلاق باب البحث، وإنما كان نتيجة تقييم علمي استمر قرونًا، اشترك فيه كبار أئمة الحديث ونقادهم. وأوضح أن تقديم صحيح البخاري على غيره من الكتب يعود إلى أسباب متضافرة، في مقدمتها دقة الشروط التي التزمها البخاري في قبول الرواية.
رحلة التأليف.. 16 عامًا من البحث والتدقيق
وكشف البحث عن أن مشروع البخاري استغرق نحو ستة عشر عامًا، لم تكن مجرد فترة لجمع النصوص، بل لمراجعتها والموازنة بينها وترتيبها في أبواب فقهية محكمة، حتى أصبح الكتاب بناءً علميًا متماسكًا يجمع بين صحة الرواية ودقة الاستنباط. وأوضح الدكتور نبوي أن البخاري لم يكتفِ بما سمعه في بلده بخارى، بل شد الرحال إلى خراسان والشام ومصر والحجاز، والتقى بأكثر من ألف شيخ، وسمع مئات الآلاف من الروايات، وكان يقابل روايات بعضهم ببعض حتى تكوّنت لديه ثروة حديثية هائلة.
وأشار البحث إلى أن البخاري كان إذا أراد أن يكتب حديثًا في صحيحه، توضأ وصلى ركعتين ثم استخار الله قبل إثباته، مما يكشف عن مقدار الشعور بالمسؤولية وإدراكه أن نسبة حديث إلى رسول الله ليست شأنًا علميًا مجردًا، بل أمانة دينية وأخلاقية تستوجب غاية التثبت والتحري.
شروط البخاري الصارمة وعبقرية "الفقه في التراجم"
وبيّن البحث أن البخاري اشترط لصحة الحديث خمسة شروط رئيسية: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وسلامة الحديث من الشذوذ، والخلو من العلة القادحة. ولم يكن يكتفي بمجرد إمكان اللقاء بين الراوي وشيخه، بل كان يميل إلى التشدد في إثبات السماع والاتصال، ولذلك عُدّت شروطه من أدق الشروط التي التزمها أصحاب كتب الحديث.
وكشف الدكتور نبوي عن جانب خفي من عبقرية البخاري، وهو ما عُرف بـ"الفقه في التراجم"، حيث جعل لكل باب ترجمة تحمل معنى فقهيًا، ثم أورد تحتها من الأحاديث ما يدل على ذلك المعنى بطريق التصريح أو الإشارة أو الاستنباط، حتى قال العلماء: "فقه البخاري في تراجمه"، إشارة إلى أن كثيرًا من اجتهاداته الفقهية تظهر في عناوين الأبواب قبل أن تظهر في متن الحديث نفسه.
كيف وصل صحيح البخاري إلينا؟
وأوضح البحث أن صحيح البخاري لم يكن كتابًا منعزلاً، بل انتقل عبر شبكة واسعة من الرواة والحفاظ والنساخ، وكان البخاري يُحدَّث بكتابه في حياته ويقرؤه على طلابه في مجالس العلم، حتى قال أشهر تلامذته محمد بن يوسف الفربري: "سمع كتاب الصحيح من محمد بن إسماعيل البخاري تسعون ألفاً". وهذه الرواية ليست مجرد إشارة إلى انتشار الكتاب، بل دلالة على أنه خرج إلى الناس في حياة مؤلفه، وتلقاه عنه عدد كبير من أهل العلم، فلم يكن كتابًا مجهول الأصل ولا نسخة يتيمة انفرد بها راوٍ واحد.
المعركة الكبرى: هل يجوز نقد صحيح البخاري؟
وناقش البحث إشكالية نقد صحيح البخاري، مؤكدًا أن الكتاب كان منذ ظهوره موضع عناية العلماء ونظرهم، فلم يتعاملوا معه باعتباره نصًا مغلقًا لا تجوز مناقشته، وإنما درسوه وشرحوه وحققوا رواياته، وبحثوا في مسائله الحديثية والفقهية. واستشهد بما صنعه الإمام الدارقطني في كتابه "الإلزامات والتنبيه"، حيث ناقش بعض الأحاديث التي رأى أن فيها مجالاً للنظر، مما يدل على حيوية المنهج النقدي عند علماء المسلمين.
وحذر الدكتور نبوي من أن من يقتحم هذا المجال بغير أدواته قد لا يصل إلى نقد النص، بل قد يصل إلى نتيجة سطحية تفوته فيها جوهر العلم، مشددًا على أن النقد العلمي له شروطه وضوابطه، ولا يمكن نقد حديث من أحاديث الصحيح بمعزل عن علوم الإسناد ومعرفة أحوال الرواة وطرق التخريج وقواعد العلل ودقائق اللغة والسياق.
القراءة المنهجية للبخاري
وقدم الدكتور نبوي رؤية منهجية لكيفية التعامل مع صحيح البخاري، مؤكدًا أنه كتاب حديث وفقه معًا، وليس مجرد مجموعة من الروايات المتباعدة، وأن قراءته تحتاج إلى منهج يراعي طبيعة الكتاب ومقاصده، وتُقرأ أحاديثه في ضوء مجموع السنة، لا بمعزل عنها، مع مراعاة أسباب ورود الحديث وملابساته وسياقه التاريخي.
واختتم البحث بالتأكيد على أن صحيح البخاري سيبقى نموذجًا فريدًا في تاريخ التأليف الإسلامي، ليس لأنه كتاب لا يُبحث، وإنما لأنه كتاب بُحث كثيرًا، ونال من عناية العلماء ما لم ينله كتاب مثله، وأن أفضل طريقة للتعامل معه هي قراءته قراءة علمية واعية، تدرك قيمته، وتفهم منهجه، وتفتح باب البحث الرصين بعيدًا عن الإفراط والتفريط.