«العبث المنظم».. كيف يوظف ترامب التصعيد مع إيران لتحقيق مصالح شخصية؟
إذا كان هناك وصف يختصر أداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الأسبوعين الماضيين من المواجهة مع إيران، فهو "العبث المنظم"، فما بدا للبعض سلسلة من التصريحات المتناقضة والمتقلبة، يكشف عند التدقيق عن نمط متكرر ومدروس، يقوم على التصعيد إلى أقصى الحدود ثم التراجع في اللحظة الأخيرة، في لعبة سياسية واقتصادية لا يبدو أن أطرافها تقتصر على ساحات القتال.
ففي كل مرة يلوح فيها ترامب بمحو أهداف إيرانية أو استهداف منشآت الطاقة والجسور أو التلويح بحرب غير مسبوقة، ترتجف أسواق النفط والأسهم، وتقفز أسعار الطاقة، قبل أن يعود بعد ساعات ليتحدث عن انفراجة دبلوماسية أو اتفاق يلوح في الأفق.
وبين التهديد والتراجع، تتحرك الأسواق بمليارات الدولارات، وكأنها تستجيب لإيقاع منشوراته أكثر مما تستجيب للوقائع على الأرض.

تهديدات ثم تراجع.. ماذا يريد ترامب من التصعيد مع إيران؟
هذا النمط لا يبدو عشوائيا، بل أقرب إلى استراتيجية تفاوض تقوم على سياسة "حافة الهاوية"، حيث تتحول التصريحات إلى سلاح يوازي في تأثيره الصواريخ والطائرات، والهدف الظاهر هو دفع إيران إلى طاولة المفاوضات تحت ضغط الخوف من مواجهة أوسع، لكن الهدف لا يتوقف عند حدود السياسة الخارجية.
فالبيت الأبيض اليوم ليس بعيدا عن معركة انتخابية تقترب، وترامب يدرك أن صورته أمام قاعدته المحافظة تُبنى على إظهار القوة والحزم، حتى وإن لم تتحول تلك التهديدات إلى أفعال، لذلك تبدو لغة التصعيد جزءا من حملة سياسية بقدر ما هي جزء من إدارة أزمة دولية.

وفي الوقت نفسه، يرى منتقدو ترامب أن تقلب تصريحاته يمنح الأسواق جرعات متتالية من الاضطراب، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول المستفيدين من هذه التقلبات، وإن كانت هذه التحركات تخدم مصالح دوائر استثمارية قريبة من مراكز النفوذ.
وحتى الآن، لا توجد أدلة معلنة تثبت تحقيق ترامب أو عائلته مكاسب مالية غير مشروعة نتيجة هذه التقلبات، إلا أن تزامن التصريحات مع التحركات الحادة للأسواق يظل محل جدل واسع بين المحللين.

الأخطر في هذه السياسة أنها تقوم على مقامرة مستمرة، فكل تهديد جديد يرفع سقف التوقعات، وكل تراجع لاحق يستهلك جزءا من المصداقية الأمريكية، ومع تكرار المشهد، قد تصل واشنطن إلى لحظة يفقد فيها خصومها الإيمان بجدية تهديداتها، أو على العكس، يسيء أحدهم تقدير الموقف، فتتحول الحرب النفسية إلى حرب حقيقية لا يمكن احتواؤها.
لقد اعتاد ترامب تقديم نفسه باعتباره رجل الصفقات، لكن إدارة الأزمات الدولية بمنطق الصفقات التجارية تحمل مخاطر تتجاوز حدود الاقتصاد والسياسة، فأسواق المال قد تتعافى من التقلبات، أما الحروب إذا اشتعلت بسبب سوء الحسابات، فلن تعترف بمنشورات على منصات التواصل، ولا بتغريدة تنفي ما قيل قبل ساعات.



