هل تستيقظ مرهقًا بعد 8 ساعات نوم؟.. عالم أعصاب يفسر السبب
يعاني كثيرون من صعوبة الخلود إلى النوم رغم الشعور بالإرهاق، إلا أن السبب قد لا يكون مرتبطًا بالعادات اليومية أو قلة التعب، بل بحالة الدماغ نفسه.
فوفقًا لعالم الأعصاب والمتخصص في الميكانيكا العصبية بجامعة "كوين ماري" في لندن، يوسف أسلم، فإن النوم يبدأ عندما يشعر الدماغ بالأمان الكافي للتوقف عن العمل، بينما يؤدي التوتر والقلق إلى إبقائه في حالة يقظة مستمرة.
وأوضح أسلم، في تصريحات لمجلة "نيوزويك"، أن النوم عملية معقدة تتحكم فيها عوامل عصبية ونفسية وكيميائية وفسيولوجية، تعمل جميعها بصورة متكاملة للحفاظ على دورة النوم الطبيعية.
نظامان بيولوجيان يتحكمان في النوم
وأشار عالم الأعصاب إلى أن تنظيم النوم يعتمد على نظامين أساسيين، أولهما الساعة البيولوجية أو الإيقاع اليومي، التي تعمل وفق دورة تمتد 24 ساعة، وتتحكم فيها "النواة فوق التصالبية" داخل منطقة تحت المهاد، حيث تنظم إفراز هرمون الميلاتونين استجابة لتغيرات الضوء والظلام.
أما النظام الثاني فهو التوازن بين النوم واليقظة، والذي يعتمد على تراكم مادة "الأدينوزين" في الدماغ خلال ساعات الاستيقاظ، ثم انخفاضها أثناء النوم، لافتًا إلى أن الكافيين يمنح الشعور باليقظة لأنه يمنع ارتباط هذه المادة بمستقبلاتها في الدماغ.
لماذا يمنع التوتر النوم؟
أكد أسلم أن التوتر لا يقتصر تأثيره على الحالة النفسية، بل يتداخل مباشرة مع آليات النوم الطبيعية من خلال زيادة إفراز هرمون الكورتيزول، موضحًا أن اضطرابات النوم الناتجة عن التوتر تعود غالبًا إلى سببين رئيسيين.
السبب الأول يرتبط بتجارب الماضي غير المحلولة، مثل الذكريات المؤلمة أو الشعور المستمر بعدم الإنجاز أو الكفاية، بينما يتمثل السبب الثاني في القلق من المستقبل والخوف من المسؤوليات أو توقع النتائج السلبية.
وفي الحالتين، يدخل الجسم في ما يعرف باستجابة "الكر أو الفر"، وهي حالة عصبية تؤدي إلى تسارع ضربات القلب وزيادة النشاط الذهني، ما يجعل النوم أكثر صعوبة ويؤثر في استمراريته.
من موجات "بيتا" إلى "ألفا"
ولفت أسلم إلى أن النوم لا يحدث إلا بعد انتقال الدماغ من موجات "بيتا" المرتبطة باليقظة والتفكير الزائد، إلى موجات "ألفا" التي تمثل بداية الاسترخاء الذهني والجسدي قبل الدخول في مراحل النوم العميق.
وأضاف أن كثيرًا من الأشخاص الذين يعجزون عن تحقيق هذا الانتقال يلجؤون إلى استخدام الهواتف الذكية حتى ساعات متأخرة، في محاولة غير واعية لإرهاق أنفسهم حتى يغلبهم النوم.
تمرين ليلي لتعزيز الإحساس بالأمان
ولمساعدة الدماغ على التخلص من التوتر، أوصى أسلم بممارسة "تمرين كتابة الامتنان" قبل النوم، بهدف تعزيز الشعور بالأمان تجاه الماضي والحاضر والمستقبل.
ويتضمن التمرين كتابة ثلاثة أمور يشعر الشخص بالامتنان لها من يومه أو من الماضي، وثلاثة أمور إيجابية يتطلع إليها في اليوم التالي، إضافة إلى أربعة أشياء يقدرها في نفسه خلال الوقت الحالي.
وشدد على ضرورة كتابة هذه النقاط بخط اليد وعلى ورقة، مع تجنب استخدام الهواتف أو الأجهزة الإلكترونية، موضحًا أن الدماغ يتفاعل مع الكتابة الورقية بصورة مختلفة، كما أنه يستمر في معالجة الأفكار لساعات بعد بدء النوم، وهو ما يجعل التخلص من المخاوف الذهنية عاملًا مهمًا لتحسين جودة النوم.
جودة النوم أهم من عدد ساعاته
وأشار أسلم إلى أن الاستيقاظ مرهقًا رغم النوم لمدة 7 أو 8 ساعات قد يكون دليلًا على ضعف جودة النوم، وليس قلة مدته، مؤكدًا أن الراحة الحقيقية ترتبط بمدى هدوء الدماغ أثناء الليل.
عادات صباحية لدعم الصحة النفسية
ونصح عالم الأعصاب بقراءة قائمة الامتنان نفسها خلال أول 45 دقيقة بعد الاستيقاظ، موضحًا أن الدماغ يكون أكثر قابلية لإعادة تشكيل أنماط التفكير في هذا التوقيت.
كما أوصى بتجنب فحص الرسائل أو البريد الإلكتروني فور الاستيقاظ، لتقليل ارتفاع هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر، إلى جانب تأجيل تناول أول كوب من القهوة لمدة 45 دقيقة بعد الاستيقاظ.
واختتم أسلم بالتأكيد على أن تحسين جودة النوم لا ينعكس فقط على الراحة الجسدية، بل يسهم أيضًا في تعزيز الصحة النفسية، وزيادة التركيز، وتحسين الذاكرة، ورفع مستوى الوضوح الذهني خلال اليوم.