مخاوف إسرائيلية من اتفاق غزة.. لماذا يخشى نتنياهو خطة نزع سلاح حماس؟
رغم المساعي الأمريكية والدولية الرامية إلى تثبيت اتفاق ينهي الحرب في قطاع غزة ويفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، لا تزال الأوساط السياسية والعسكرية في إسرائيل تبدي تحفظات واسعة على الصيغة المطروحة، معتبرة أنها قد تفرض واقعاً جديداً لا يتوافق مع أهداف الحرب التي أعلنتها حكومة بنيامين نتنياهو.
وجاءت هذه التحفظات بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجمعة، أن مجلس السلام توصل إلى اتفاق يقضي بنزع السلاح الكامل لحركة حماس وجميع الفصائل المسلحة الأخرى في قطاع غزة، على أن تُنفذ العملية على مراحل، وصولاً إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.
وقال ترامب، عبر منصة "تروث سوشال"، إن الاتفاق يمثل "خطوة هائلة نحو تحقيق السلام والأمن الدائمين"، مؤكداً أنه ينص على نزع سلاح حماس والفصائل المسلحة بشكل كامل.
وفي الوقت الذي استقبل فيه سكان قطاع غزة الإعلان بآمال كبيرة بانتهاء حرب استمرت قرابة ثلاثة أعوام، بدا المشهد مختلفاً داخل إسرائيل، حيث أثار الاتفاق حالة من القلق السياسي والعسكري، وسط تشكيك في إمكانية التعاون مع الآليات التي يتضمنها.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤول سياسي، لم تكشف هويته، أن إسرائيل لن تنسحب من قطاع غزة قبل التفكيك الكامل لسلاح حماس والفصائل الفلسطينية، وهو ما اعتبرته صحيفة "هآرتس" مؤشراً إلى أن الحكومة الإسرائيلية لا تنوي التعاون مع الاتفاق بصيغته الحالية.
ضربة سياسية لنتنياهو
ويرى محللون أن الإعلان الأمريكي وضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في موقف سياسي معقد، خاصة مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر المقبل.
وبحسب أستاذ العلوم السياسية الدكتور حسام فاروق، فإن نتنياهو كان يعول على استمرار تمسك حماس بسلاحها لتقديم ذلك باعتباره مبرراً لاستمرار العمليات العسكرية، إلا أن إعلان ترامب فاجأ الحكومة الإسرائيلية وأفقدها إحدى أبرز أوراقها السياسية.
وأضاف أن بعض التقديرات داخل إسرائيل تعتبر أن ترامب سحب من نتنياهو "الورقة الأخيرة" التي كان يراهن عليها في حملته الانتخابية، وهو ما يفتح الباب أمام الحديث عن نهاية حقبته السياسية إذا ترسخ الاتفاق.
مخاوف من تقييد الجيش
ومن أبرز الاعتراضات الإسرائيلية أن الاتفاق قد يحد من قدرة الجيش على تنفيذ عمليات عسكرية مستقبلية داخل قطاع غزة.
وتشير تسريبات تداولتها وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن الاتفاق يتضمن وقفاً طويل الأمد لإطلاق النار، وتقييد عمليات الاغتيال والاستهداف العسكري، وربط أي تحرك عسكري بآليات رقابة دولية أو تفاهمات مسبقة، وهو ما تعتبره المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تقليصاً لما تصفه بـ"حرية العمل" العسكرية.
وقال المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، رون بن يشاي، إن وقف العمليات العسكرية يمثل من وجهة النظر الإسرائيلية "إخفاقاً خطيراً"، بزعم أنه سيمنع الجيش من التعامل المباشر مع أي خروقات قد ترتكبها حماس أو حركة الجهاد الإسلامي إذا عجزت الجهات الدولية عن معالجتها.
كما سبق أن أكد نتنياهو رفضه تقديم أي ضمانات تمنع إسرائيل من استئناف العمليات العسكرية إذا رأت أن تهديداً جديداً يتشكل داخل القطاع.
هواجس من قيام دولة فلسطينية
ويمثل الجانب السياسي للاتفاق أحد أبرز مصادر القلق لدى أحزاب اليمين الإسرائيلي، وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن الوثائق المرتبطة بمرحلة "اليوم التالي" في غزة تتضمن إشارات إلى مسار سياسي يقود في نهاية المطاف إلى إقامة دولة فلسطينية أو تحقيق مبدأ تقرير المصير للفلسطينيين.
وأثار هذا الطرح انتقادات واسعة داخل الائتلاف الحاكم، حيث ترى أحزاب اليمين أن نتائج الحرب يجب ألا تتحول إلى مكسب سياسي للفلسطينيين.
واعتبر رون بن يشاي أن هذا المسار يمنح حماس إنجازاً سياسياً يمكن أن يعزز نفوذها في الساحة الفلسطينية، فيما حذرت القناة السابعة الإسرائيلية من أن الاتفاق قد يشكل بداية الطريق نحو إقامة دولة فلسطينية.
وكان نتنياهو قد ربط مراراً خلال الأشهر الماضية بين الضغوط الدولية لإنهاء الحرب وبين الدعوات للاعتراف بالدولة الفلسطينية، معتبراً ذلك "مكافأة للإرهاب"، وهو الموقف الذي يتبناه أيضاً شركاؤه في الائتلاف اليميني، ومن بينهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
خلاف حول مصير سلاح الفصائل
وتظل قضية سلاح الفصائل الفلسطينية واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في المفاوضات، وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية، فإن المقترحات الحالية تنص على جمع الأسلحة وتخزينها داخل قطاع غزة تحت رقابة دولية، بينما تتمسك إسرائيل بإخراجها بالكامل من القطاع وعدم الاكتفاء بوضعها في مخازن تخضع لإشراف دولي.
كما تؤكد إسرائيل أن أي انسحاب لقواتها لن يبدأ قبل تنفيذ عملية نزع السلاح بصورة كاملة، دون أن توضح بشكل دقيق أنواع الأسلحة التي يشملها الاتفاق.
وأشار رون بن يشاي إلى أن الخطة المعلنة "تفتقر إلى التفاصيل الأساسية"، متسائلاً عما إذا كان مصطلح "الأسلحة الثقيلة" يشمل قذائف "آر بي جي" والعبوات الناسفة، وكيف سيتم التعامل مع هذه الأسلحة، وهل ستُدمر أم تُفكك أم تُخزن، ومن سيتولى مسؤولية الإشراف عليها.
وتخشى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بحسب تقارير إعلامية، من أن أي تغير سياسي أو أمني مستقبلي قد يسمح بإعادة تسليح حماس خلال فترة قصيرة.
وتشير القراءة الإسرائيلية إلى أن الخلاف لا يقتصر على وقف الحرب، بل يمتد إلى شكل النظام الذي سيدير قطاع غزة بعد انتهاء القتال، ففي حين تركز الأطراف الدولية على تثبيت وقف إطلاق النار، وترتيب إدارة مدنية جديدة للقطاع، تتمسك إسرائيل بشروط تعتبرها أساسية، أبرزها نزع سلاح الفصائل بالكامل، وإنهاء حكم حماس بصورة نهائية، والحفاظ على حرية التدخل العسكري مستقبلاً، إضافة إلى رفض أي مسار سياسي قد يقود إلى إقامة دولة فلسطينية.



