باحثة بمرصد الأزهر: مواجهة التمييز تبدأ بإحياء القيم والمعاني داخل الإنسان
أكدت إسراء الظاهر، الباحثة بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، أن مواجهة التمييز تبدأ بإحياء القيم والمعاني داخل الإنسان، من خلال ترسيخ شعوره بأنه مهم وله قيمة ودور وحقوق، وفي الوقت نفسه عليه مسؤوليات، مشددة على أن التطرف لا ينمو في فراغ، لكنه غالبا ما ينشأ في بيئات يسودها الشعور بالظلم أو انسداد الأفق أو ضعف الحوار أو فقدان الثقة أو الإحساس الدائم بالإهانة.
وأوضحت الباحثة بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، خلال حلقة برنامج "فكر"، المذاع على قناة الناس، اليوم الجمعة، أن وجود خطاب ديني مشوه أو تحريض سياسي أو اجتماعي قائم على الكراهية يجعل الشباب أكثر عرضة للانجذاب إلى الأفكار المتطرفة، مشيرة إلى أن مقاومة التطرف لا تكون بالأمن وحده رغم أهميته، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تقوم على العدالة والحوار والتربية والخطاب الديني الرشيد وتوفير فرص حقيقية للمشاركة.
وأضافت أن الإسلام أكد أن الاختلاف لا يعني الإلغاء، مستشهدة بقول الله تعالى: ﴿وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾، موضحة أن التنوع مقصده التعارف وليس التناحر، كما أشارت إلى قوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾، للتأكيد على أن الاختلاف لا يبرر الظلم أو إسقاط حقوق الآخرين.
وأكدت ضرورة التفرقة بين مواجهة الخطأ وإقصاء الإنسان، موضحة أن من حق المجتمع رفض العنف والكراهية والخطاب المتطرف، لكن ليس من الحكمة تحويل كل مختلف إلى عدو أو كل مخطئ إلى شخص منبوذ، داعية إلى ضرورة الحوار مع الأبناء قبل أن تستقطبهم الجماعات المتطرفة.
وأشارت إلى أن النبي ﷺ وضع قاعدة عظيمة في مواجهة الأذى والتمييز بقوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، موضحة أن اللسان في العصر الحالي لم يعد مقتصرا على الكلام المباشر، بل أصبح يشمل المنشور والتعليق والمشاركة والصورة والسخرية والرسائل، وهو ما يجعل الوعي الرقمي جزءا أساسيا من مواجهة التمييز والتطرف.
ولفتت إلى أن مواجهة التمييز قبل تحوله إلى عنف تحتاج إلى خطوات واضحة، من بينها بناء ثقافة الحوار داخل الأسرة والمدرسة والجامعة، وفتح مساحات آمنة للشباب للتعبير عن أسئلتهم ومخاوفهم دون تخوين أو سخرية، إلى جانب تدريبهم على التفكير النقدي حتى لا يقعوا فريسة للخطابات المتطرفة التي تستغل مشاعر المظلومية.
وشددت على أهمية مواجهة التنمر والسخرية والإهانة باعتبارها مداخل خطيرة للعزلة والكراهية، مع ضرورة الانتباه إلى لغة الخطاب على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن الخطاب القائم على الإهانة والتخوين والتصنيف الحاد يصنع بيئة إقصائية، بينما الخطاب المسؤول يفرق بين النقد والتحريض، وبين رفض الخطأ وإهانة الإنسان.
وأكدت على أن المجتمع القوي ليس الذي يلغي المختلفين، وإنما الذي يمتلك القدرة على استيعابهم وتصحيح أخطائهم وفتح الطريق أمام مشاركتهم الإيجابية، موضحة أن التمييز قد يكون بداية لمسار ينتهي بالتطرف والعنف، وأن الوقاية تبدأ بكلمة رحيمة، وعدل واضح، وفرصة للمشاركة، وحوار صادق، ومؤسسات تستمع وتحتوي قبل أن تفقد أبناءها لصالح جماعات الغلو.



