أمين «دور الإفتاء»: علاقة الزواج ميثاق غليظ ولا يجوز اختزالها بالدراما
ألقى الدكتور إبراهيم نجم، المستشار العام لمفتي الجمهورية والأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم، محاضرة علمية بعنوان "صورة الأسرة المصرية في الإعلام بين الواقع والمأمول"، ضمن فعاليات دورة تأهيل المقبلين على الزواج التي ينظمها مركز التدريب بالتعاون مع مركز الإرشاد الأسري بدار الإفتاء المصرية، بمشاركة نخبة من المتخصصين في المجالات الشرعية والاجتماعية والنفسية والإعلامية.
واستهل الدكتور إبراهيم نجم محاضرته بالتأكيد على أن الأسرة ليست مجرد وحدة اجتماعية، وإنما هي مقصد شرعي وإنساني تتقاطع عنده الشرائع السماوية مع الفطرة الإنسانية والمواثيق الدولية، مستشهداً بالمادة السادسة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن الأسرة هي الوحدة الطبيعية والأساسية في المجتمع، موضحاً أن حماية الأسرة تبدأ من حماية صورتها في الوعي العام، لأن الصورة الذهنية كثيراً ما تتحول إلى سلوك وممارسة داخل المجتمع.

الإعلام لم يعد ناقلاً للواقع بل صانعاً له
وأوضح أن الإعلام في عصر المنصات الرقمية لم يعد يقتصر على نقل الواقع، بل أصبح يصوغ التصورات الذهنية المرجعية التي يبني عليها الشباب توقعاتهم عن الزواج والأبوة والأمومة، مبيناً أن هذه القوة الإعلامية تجاوزت الحدود الجغرافية، فأصبحت المضامين التي تُنتج في أي دولة تصل إلى مختلف المجتمعات، وتؤثر بصورة مباشرة في تشكيل الوعي والسلوك والتوقعات الأسرية.
هيمنة نموذج "الأسرة المأزومة" في الدراما المصرية
وتناول الدكتور إبراهيم نجم بالتحليل هيمنة نموذج "الأسرة المأزومة" في جزء من الدراما المصرية خلال العقدين الأخيرين، من خلال التكرار المستمر لصور الزوج الخائن، والزوجة المستسلمة، والحماة الكيدية، والأبناء المتمردين، مبيناً أن هذا النمط يرسخ ما يسميه علماء الاجتماع بـ"التطبيع بالأزمة"، ويبعث برسائل ضمنية إلى الشباب المقبلين على الزواج توحي بأن الفشل هو الأصل والاستقرار استثناء.
وحذر من التأثير العميق للتفاعل العاطفي غير الواعي مع الأعمال الدرامية، معتبراً أنه من أبرز التحديات التي تؤثر في استقرار الأسرة المصرية، لما تتركه من تصورات غير واقعية عن طبيعة العلاقات الأسرية، مشدداً على أن تكرار المشاهد الدرامية لا يغير الصورة الذهنية فحسب، بل قد يعيد تشكيل معايير الحكم على الحياة الزوجية.
تفكيك الإطار المفاهيمي المشوه للأسرة
وخصص الدكتور إبراهيم نجم جانباً من محاضرته لتفكيك الإطار المفاهيمي المشوه للأسرة، موضحاً أن التشويه لا يتحقق غالباً عبر المواجهة المباشرة، وإنما يتم من خلال آليات ناعمة تتمثل في الإحلال الدلالي، والتوسيع المفرط للمفاهيم، والاختزال الوظيفي، بما يؤدي تدريجياً إلى إعادة تشكيل الوعي المجتمعي.
وبين أن من أبرز صور هذا التشويه تحويل الأسرة من "ميثاق غليظ" إلى مجرد علاقة رضائية تبدأ بالتراضي وتنتهي بانتهائه، واختزال الزوجية من كونها علاقة تقوم على السكن والمودة والرحمة إلى شراكة تعاقدية تُدار بمنطق المصالح، فضلاً عن تصوير القوامة باعتبارها هيمنة أو تسلطاً، ونزع المكانة التربوية للأب داخل الأسرة، وتحويل الأمومة من رسالة حضارية إلى عبء يعرقل الإنجاز المهني.
تحذير من نشر الخلافات الأسرية عبر التواصل الاجتماعي
وشدد على أن قيمة الستر بين الزوجين ليست مجرد خلق اجتماعي، وإنما ركيزة أساسية لاستمرار الحياة الزوجية، محذراً من خطورة نشر الخلافات والأسرار الأسرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لما يترتب على ذلك من تعميق النزاعات وتقويض الثقة المتبادلة، مؤكداً أن أخطر صور التشويه ليست في الصورة الذهنية العابرة، وإنما في تغيير المفاهيم؛ لأن المفهوم يعيد إنتاج نفسه في الوعي والسلوك والقرارات، ومن ثم فإن التأهيل الحقيقي يبدأ بتصحيح المعاني قبل تنمية المهارات.
مقترحات استراتيجية لتعزيز صورة الأسرة
وطرح الدكتور إبراهيم نجم مجموعة من المقترحات الاستراتيجية، دعا فيها إلى الانتقال إعلامياً من نموذج "الأسرة المأزومة" إلى نموذج "الأسرة الراشدة" القادرة على إدارة الخلافات بصورة بناءة، ودعم إنتاج دراما تعكس الحياة اليومية للأسرة المصرية بصورة واقعية ومتوازنة، مع العمل على تسويقها عبر المنصات الرقمية العالمية، أسوةً بالتجارب الدولية الناجحة، بما يسهم في تقديم نموذج حضاري يعكس القيم الأصيلة للمجتمع المصري.



