عاجل

أمين «البحوث الإسلامية» يكشف أسباب تفكك الأسرة ويطرح خريطة لإنقاذها

الأزهر
الأزهر

أكد الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، أن الطلاق في الشريعة الإسلامية ليس أصلًا تُبنى عليه الحياة الزوجية، وإنما هو استثناء شرعه الإسلام عند استحالة استمرار العِشرة، موضحًا أن الأصل هو دوام الأسرة واستقرارها، وأن عقد الزواج ميثاق غليظ يقوم على المودة والرحمة، ولذلك أحاطه الإسلام بجملة من التشريعات التي تحفظ بقاءه وتحد من انهياره.

جاء ذلك خلال ندوة نظمتها منطقة وعظ الشرقية بقصر الثقافة تحت عنوان: «الطلاق.. أحكام فقهية وآثار جانبية»، ضمن الملتقى الفكري «جهود مناطق الوعظ في المشاركة المجتمعية».

وأوضح الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أن الطلاق تعتريه الأحكام الشرعية الخمسة بحسب الأحوال، وفقًا للظروف والملابسات، كما فرقت الشريعة بين الطلاق السني والبدعي، وبين الرجعي والبائن، بما يكفل صيانة الأسرة وعدم التسرع في إنهاء العلاقة الزوجية، مؤكدًا أن الطلاق من أبغض الحلال إلى الله، ولا يكون إلا علاجًا أخيرًا بعد استنفاد وسائل الإصلاح وتعذر استمرار الحياة بين الزوجين.

وأشار إلى أن الإسلام وضع منظومة متكاملة من التدابير الوقائية التي تحول دون وقوع الطلاق، تبدأ بحسن اختيار الزوجين، وجعل الدين والخُلق معيارًا أصيلًا في الاختيار مع مراعاة بقية المعايير المشروعة، مؤكدًا أن حديث النبي ﷺ: «تُنكح المرأة لأربع...» لا يعني إلغاء بقية المعايير، وإنما يجعل الدين المعيار الأول الذي تُبنى عليه بقية الصفات، كما أن المرأة لها الحق الكامل في اختيار من ترتضيه زوجًا لها، بوصفها شريكة أصيلة في بناء الأسرة.

ودعا الدكتور محمد الجندي إلى حسن المعاشرة، والتغاضي عن الزلات، واستحضار الجوانب الإيجابية في شريك الحياة، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقول النبي ﷺ: «لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر»، لافتًا إلى أن الحياة الزوجية تقوم على الصبر، والرحمة، والتفاهم، وتحمل كل طرف ما قد يجده من منغصات.

وبين أن من رحمة الشريعة أنها أحاطت الطلاق بضوابط دقيقة تحفظ كيان الأسرة، مستشهدًا بقول النبي ﷺ: «ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهزلهنَّ جِدٌّ: النكاح، والطلاق، والرجعة»، كما جعلت الطلاق على مراحل، وأقامت نظام العدة والرجعة، وأمرت ببقاء المطلقة رجعيًا في بيت الزوجية خلال العدة؛ لإتاحة الفرصة لمراجعة النفس وإعادة بناء العلاقة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.

وأضاف أن الشريعة شرعت وسائل الإصلاح قبل الوصول إلى الطلاق، بدءًا بالموعظة، ثم الهجر في المضجع عند الحاجة، ثم التحكيم بين الزوجين بإرسال حكم من أهل الزوج وحكم من أهل الزوجة، إلى جانب إتاحة سبل إنهاء العلاقة عند تعذر استمرارها، سواء بطلب الزوجة الطلاق عند وقوع الضرر، أو الخلع، أو اللجوء إلى القضاء، لافتًا في الوقت نفسه إلى أن الشريعة نهت المرأة عن طلب الطلاق دون سبب معتبر؛ لما في ذلك من تهديد لاستقرار الأسرة وتفككها.

وأكد أن من أبرز أسباب ارتفاع معدلات الطلاق في العصر الحاضر سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وما تثيره من الشكوك وسوء الظن بين الزوجين، فضلًا عن التدخلات غير المنضبطة من بعض الأقارب، وسوء الاختيار قبل الزواج، وضعف الوازع الديني، وسوء الألفاظ، وإهانة أحد الزوجين للآخر أو لأسرته، والانشغال عن الأسرة، والمشكلات الاقتصادية، واختلاف الطباع، وعدم القيام بالحقوق والواجبات، والسهر خارج المنزل، والتأثر بالمحتويات الهابطة والأفلام الخليعة، والخلافات المتعلقة بالحقوق الزوجية، وكثرة الطلبات، وعدم تدخل أهل الحكمة للإصلاح في الوقت المناسب، موضحًا أن هذه الأسباب جميعًا تهدد استقرار الأسرة إذا غاب عنها الوعي الديني والحوار البناء.

وتابع أن آثار الطلاق تمتد إلى الأبناء والمجتمع بأسره؛ إذ يورث الأبناء اضطرابات نفسية وشعورًا بالخوف وفقدان الأمان، وقد يدفع بعضهم إلى الانحراف أو الإدمان أو الفشل الدراسي أو العزلة وفقدان الثقة بالنفس، كما يخلف آثارًا اجتماعية واقتصادية جسيمة، ويؤدي إلى تفكك الروابط الأسرية، وانخفاض المستوى المعيشي لبعض الأسر، فضلًا عن النظرة السلبية التي قد تواجهها بعض المطلقات، مشيرًا إلى أن الشيطان لا يفرح بشيء كفرحه بالتفريق بين الزوجين؛ لما يترتب على انهيار الأسرة من آثار مدمرة تمتد إلى المجتمع كله، الأمر الذي يستوجب استشعار الجميع خطورة هذا القرار وآثاره بعيدة المدى.

واختتم الدكتور محمد الجندي كلمته بالتأكيد على أن حماية الأسرة مسؤولية مشتركة بين الزوجين والأسرتين والمؤسسات الدينية والتربوية والمجتمعية، داعيًا إلى ترسيخ ثقافة الحوار والإصلاح، والالتزام بأحكام الشريعة قبل الإقدام على الطلاق، واستشعار كل من الزوجين مسؤوليته تجاه الأبناء؛ امتثالًا لقول النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، مشددًا على أن استقرار الأسرة هو الركيزة الأولى لاستقرار المجتمع، وأن الحفاظ عليها يعد من أعظم المقاصد التي جاءت الشريعة الإسلامية لصيانتها وحمايتها.

تم نسخ الرابط