تتكرر على مدار العام مبادرات وملتقيات ومهرجانات تحمل شعار «الشباب»، لكن التوقف أمام تفاصيل بعض هذه الفعاليات -خاصة في نسخها السابقة- يثير تساؤلًا جوهريًا.. هل كان الشباب بالفعل في قلب الحدث أم اقتصر دورهم على الحضور بينما تولى الآخرون التخطيط والإدارة والحديث بل والتكريم؟!
هل شارك الشباب في إعداد الفعالية وتنظيمها؟ هل كانوا من المحاورين والمتحدثين الرئيسيين؟ هل عُرضت قصص نجاحهم وتجاربهم؟ هل كانوا أغلبية الحضور والمدعوين؟ وهل احتفت هذه الفعاليات بإنجازاتهم؟
إذا كانت الإجابة عن معظم هذه الأسئلة هي «لا»، فمن الصعب وصف هذه الفعاليات بأنها شبابية بالمعنى الحقيقي، حتى وإن حملت هذا الاسم؛ فالمسمى وحده لا يصنع المضمون، وقد يتحول أحيانًا إلى عنوان لا يعكس حقيقة ما يجري على أرض الواقع.
وفي كثير من الأحيان، نجد أن إدارة الفعالية والمتحدثين الرئيسيين والضيوف، بل وحتى المكرمين، ينتمون في أغلبهم إلى فئات عمرية تجاوزت الخمسين، وقد تصل إلى الخامسة والسبعين أو أكثر. أما الشباب الذين يُفترض أنهم محور هذه الفعاليات، فيقتصر دورهم في أحيان كثيرة على الحضور أو المشاركة الرمزية في بعض الجلسات، دون إسناد أدوار حقيقية لهم في صناعة الحدث أو إدارة فعالياته.
ولا يتعلق الأمر هنا بالسن أو الخبرة؛ فالخبرات المتراكمة تمثل قيمة كبيرة، والاستفادة من أصحاب التجارب الطويلة ضرورة لا خلاف عليها، لكن عندما تحمل الفعالية اسم «الشباب»، فمن الطبيعي أن يكون الشباب شركاء حقيقيين في التخطيط والتنظيم والإدارة، وأن يكونوا أيضاً من المتحدثين يروون تجاربهم ويعرضون أفكارهم وينقلون خبراتهم إلى أقرانهم.
والواقع يؤكد أن مصر تزخر بملايين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، وقد نجح الكثير منهم في مجالات ريادة الأعمال، والتكنولوجيا، والبحث العلمي، والعمل المجتمعي، والثقافة، والفنون، والرياضة، وغيرها. هؤلاء واجهوا تحديات حقيقية، وتغلبوا على صعوبات كبيرة، وحققوا إنجازات تستحق أن تُروى؛ لأنها الأقرب إلى وجدان أقرانهم والأكثر قدرة على إلهامهم.
ومن هنا، فإذا كانت معظم الأدوار القيادية والمتحدثين والمكرمين في فعالية تحمل اسم «الشباب» من فئات عمرية أكبر بكثير، فقد يكون من باب الطرافة أن نطلق عليها اسم «فعاليات للشباب فوق الخمسين». لكن خلف هذه المفارقة رسالة جادة، وهي أن الاسم يجب أن يعكس المضمون، وأن يكون الشباب ممثلين تمثيلاً حقيقيًا في الفعاليات التي تُقام باسمهم.
ولعل أبرز النماذج التي جسدت هذا المفهوم هي المؤتمرات الوطنية للشباب التي نظمتها الدولة تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وكان الهدف الأساسي منها تمكين الشباب وإشراكهم في الحياة العامة. وقد تجسد ذلك بوضوح في المؤتمر الوطني السابع للشباب الذي عُقد بالعاصمة الإدارية الجديدة عام 2019؛ حيث لم يقتصر دور الشباب على الحضور، بل شاركوا في إدارة عدد من الجلسات، وفي مقدمتها «نموذج محاكاة الدولة المصرية»، وناقشوا قضايا وطنية، وطرحوا رؤاهم ومقترحاتهم وتوصياتهم أمام رئيس الجمهورية، كما شاركوا في جلسة «اسأل الرئيس»، ومثلوا مختلف الفئات الشبابية من الجامعات والأحزاب والباحثين والمبتكرين، إلى جانب تكريم عدد من النماذج الشبابية المتميزة. وقد قدم هذا المؤتمر نموذجًا يؤكد أن تمكين الشباب لا يتحقق بالشعارات، وإنما بإشراكهم في الحوار وإدارة النقاش وصناعة التوصيات وتحمل المسؤولية.
وفي السياق نفسه، لا يمكن إغفال ما تطبقه وزارتا الشباب والرياضة والتعليم العالي في عدد كبير من الفعاليات الشبابية؛ حيث نرى نماذج حقيقية لمشاركة الشباب في التنظيم والإدارة والحوار بما يتسق مع هذا النهج.
إن التعامل مع الشباب بهذه الفلسفة يمنحهم الفرصة لاكتساب الخبرة والثقة، ويحولهم من مجرد متلقين إلى شركاء في صناعة الحدث، وهو ما يمثل الاستثمار الحقيقي في طاقات الوطن.
لذلك فإن إعادة النظر في الفعاليات التي تحمل اسم «الشباب» أصبحت ضرورة، ليس بهدف الانتقاد، وإنما لضمان اتساق المسمى مع المضمون وتحقيق الغاية التي أُنشئت من أجلها.
فإذا أردنا بالفعل إعداد جيل قادر على تحمل المسؤولية، فعلينا أن نتيح له الفرصة ليشارك في التخطيط والتنظيم والإدارة، ويقود ويبدع ويتخذ القرار؛ فالشباب ليسوا مستقبل الوطن فحسب، بل هم قوة فاعلة في حاضره وشريك أساسي في بناء مستقبله.