ظهور مفاجئ ومباغت للوزير السابق يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، والذي حصل على حكم بالبراءة من التهم التي كانت موجهة إليه.. ولكنه حتى الآن ما زال متهمًا على المستوى الشعبي بأنه كان السبب المباشر في ضياع أموال المعاشات التي ضارب بها ولا يعرف أحد مصيرها حتى الآن، وما زال يعاني أصحاب المعاشات بسبب ذلك..
المفاجأة لم تكن فقط في ظهور غالي، بل في تصريحات مستفزة خرج بها على الملأ في حوار مع إعلامية مصرية لا ندري لماذا تستضيفه.. وهل هناك مفاجآت قادمة بعد الظهور الإعلامي ومحاولة إعادة تقديمه للجمهور المصري الذي ما زال حتى الآن يرفض وجوده وعودته؟ والدليل هو الصفحات التي ترفضه وتهاجمه بشدة حتى الآن، وهو ما يعتبر مؤشرًا لرأي الشعب في عودته وإعادته للمشهد من جديد، خاصة بعد أن تم تعيينه في أحد المجالس إلى جوار تعيينه في شركة واحد من أكبر رجال الأعمال الموجودين على الساحة حاليًا!
وكانت أول التصريحات المستفزة لملايين المصريين هي ما يخص المعاشات.. فقد تداولت بعض الحسابات والتقارير تصريحات نُسبت ليوسف بطرس غالي، يتحدث فيها عن التجربة الصينية في إدارة ملف التقاعد، زاعمًا أن "الصين لا يوجد بها معاشات، وأن متوسط الأعمار هناك يصل إلى تسعين عامًا دون نظام معاشات".
وبالطبع، بل وبالتأكيد، فهذا الادعاء غير صحيح تمامًا ويتنافى مع الواقع الاقتصادي والتشريعي لجمهورية الصين الشعبية؛ حيث تمتلك الصين واحدة من أضخم شبكات الأمان الاجتماعي وأنظمة المعاشات في العالم وأكثرها تنظيمًا. وينقسم نظام المعاشات الصيني إلى مظلتين رئيسيتين:
نظام معاشات موظفي الحضر: وهو نظام إلزامي للموظفين والعاملين في الشركات والمؤسسات بالمدن، ويقوم على اشتراكات شهرية يُستقطع جزء منها من راتب الموظف والجزء الأكبر تدفعه جهة العمل.
نظام معاشات سكان الحضر والريف: وهو نظام طوعي مدعوم بشكل ضخم من الحكومة الصينية، مخصص للعمالة غير المنتظمة، والمزارعين، وسكان الريف، لضمان حد أدنى من الدخل الكريم لجميع المواطنين عند الكبر.
ووفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي الصينية، فإن عدد المشتركين في نظام المعاشات الوطني في الصين يتجاوز 1.05 مليار شخص، مما يجعله أكبر نظام تأمين تقاعدي في التاريخ البشري من حيث عدد المستفيدين.
الادعاء الثاني هو ما قاله من أن متوسط الأعمار في الصين يصل لتسعين عامًا بدون معاشات.. وهذا الرقم مبالغ فيه بشدة ولا يستند إلى أي مؤشرات ديموغرافية رسمية صادرة عن منظمة الصحة العالمية أو المكتب الوطني الصيني للإحصاء.. فمتوسط العمر المتوقع الفعلي عند الولادة في الصين حوالي 78.2 إلى 78.6 عامًا (وليس 90 عامًا).. حسب إحصائيات الصين نفسها.. ولا يوجد أي بلد في العالم كمتوسط عام يصل فيه عمر السكان إلى 90 عامًا؛ فأعلى معدلات متوسط العمر المتوقع عالميًا تسجلها اليابان وموناكو وهونغ كونغ، وتتراوح بين 84 و85 عامًا..
والسؤال هنا.. لماذا يروج الآن لمثل هذه المقارنات؟
الرد بكل بساطة أنه إذا كان الهدف من هذه التصريحات (سواء صدرت سياقًا أو نُقلت مجتزأة) هو الإشادة بالتجربة الصينية أو محاولة تبرير رفع سن المعاش أو تقليص المزايا التأمينية في دول أخرى، فإن المقارنة هنا تفتقر إلى الأمانة العلمية لعدة أسباب؛ أولها الخلط بين الماضي والحاضر.. ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان النظام الصيني يعتمد على ما كان يُعرف بـ "وعاء الأرز الحديدي"، حيث كانت الدولة أو المؤسسات المملوكة للدولة تتكفل بكل شيء للمواطن (السكن، العلاج، المعاش)، ولم يكن هناك نظام تأميني بالمعنى الغربي الحديث. لكن مع الإصلاحات الاقتصادية الشاملة التي بدأت عام 1978، تحولت الصين بالكامل إلى النظام التأميني الحديث المستند إلى الاشتراكات والاستثمار الصناديقي.
كما يوجد في الثقافة الصينية التقليدية مفهوم يقع فيه العبء الأكبر في رعاية كبار السن على الأبناء (وهو أمر ينظمه القانون الصيني الحالي؛ حيث يُلزم الأبناء برعاية والديهم ماديًا). قد يكون هذا الرابط الأسري قد فُسِّر خطأً من البعض بأن الدولة لا تقدم معاشات، في حين أن الدعم الحكومي والمعاش التأميني يمثلان الأساس القانوني، وتكمله الرعاية الأسرية.
أيضًا تواجه الصين حاليًا تحديًا ديموغرافيًا كبيرًا يُعرف بـ "شيخوخة المجتمع"، حيث يتزايد عدد كبار السن مقارنة بالقوة العاملة (بسبب سياسة الطفل الواحد السابقة). ونتيجة لذلك، قامت الحكومة الصينية مؤخرًا برفع سن التقاعد تدريجيًا (ليصل إلى 63 عامًا للرجال و55-58 للنساء) بهدف الحفاظ على استدامة الصناديق التأمينية وضمان استمرار صرف المعاشات، وليس إلغاءها.
أما القول بأن الصين بلا معاشات وأن شعبها يعيش لتسعين عامًا دون غطاء تأميني فهو وهم وافتراء للمعلومات.. فالصين تدير منظومة معاشات تريليونية معقدة وتكافح لحمايتها وتطويرها لتغطية ربع سكان الأرض، وأي محاولة لتسويق فكرة "الدولة التنموية بلا معاشات" هي قراءة مغلوطة ومضللة للاقتصاد السياسي العالمي.
وتُعد عودة يوسف بطرس غالي للحديث عن ملف المعاشات، الذي كان سببًا مباشرًا فيما يعاني منه أصحاب المعاشات، والإشادة بنماذج دولية مثل الصين (بشكل أثار الجدل والنفي)، واحدة من أقوى المفارقات الساخرة في المشهد الاقتصادي المصري الحديث.. فبالنسبة للملايين من أصحاب المعاشات في مصر، لا يمثل غالي مجرد "تكنوقراط" سابق، بل يُنظر إليه كالمسؤول الأول عن "ضياع" فائض صناديقهم التأمينية خلال فترة توليه الوزارة. والمفارقة الساخرة هنا في عودته للحديث عن "المعاشات" تحديدًا!!!
تاريخيًا، كان لدى مصر صناديق معاشات مستقلة تتمتع بفائض تريليوني (تريليونات الجنيهات) يُفترض أنه مستثمر لصالح أصحاب المعاشات لضمان استدامة صرف مستحقاتهم وزيادتها. وتتركز مسؤولية غالي الأساسية في خطوتين "كارثيتين" اتخذهما خلال عهد حسني مبارك..
أولهما: قرار دمج وزارة التأمينات بوزارة المالية (2006) في سابقة تاريخية عندما أصدر غالي قرارًا بضم صناديق المعاشات (التي كانت مستقلة تمامًا وتخضع لوزارة التأمينات) لتصبح تحت الهيمنة المباشرة لوزارة المالية.
وثانيهما: سحب السيولة النقدية لتمويل عجز الموازنة والدين العام.. فعقب الدمج، قام غالي بسحب "السيولة النقدية والفوائض" من صناديق المعاشات لاستخدامها في تمويل عجز الموازنة العامة للدولة والدين العام...
وكانت النتيجة أنه بدلاً من استثمار هذه الأموال في مشاريع استثمارية حقيقية ذات عائد مرتفع يعود على أصحاب المعاشات (كما هو متبع في نماذج المعاشات الناجحة عالميًا)، تم استبدال الأموال الحقيقية بـ "صكوك" أو "أوراق ديون" على الخزانة العامة للدولة، لتتحول أموال أصحاب المعاشات إلى دين على الدولة نفسها، وباتت صناديق المعاشات فارغة من النقد وتعتمد بالكامل في صرف المعاشات على ما تضخه الخزانة العامة (أي من ضرائب المواطنين الحاليين).
وعقب أحداث 2011، قدرت تقارير قضائية ورسمية (من محكمة القضاء الإداري وهيئة الرقابة الإدارية) حجم أموال المعاشات "التي استولى عليها" أو "بددها" غالي لصالح المالية بنحو 435 مليار جنيه (ما كان يعادل حينها تريليونات الجنيهات بالقدرة الشرائية الحالية).
والمفارقة الساخرة.. عودة "الغالي" ليتحدث عن "المعاشات"! كنوع من (الكوميديا السوداء)، ذلك أن الشخص الذي تسبب في أكبر أزمة في تاريخ صناديق التقاعد المصرية يعود من مهجره (لندن) للتنظير والحديث في شؤون المعاشات.
المفارقة هنا أن غالي، الذي يُنظر إليه شعبيًا كـ "مبدد لأموال المعاشات"، يظهر في المقابلات الأخيرة كـ "منظّر اقتصادي" أو "خبير عالمي" يستعرض تجارب دولية ناجحة ويناقش مشاكل المعاشات في مصر.. وكأنه لم يكن سببًا رئيسيًا في جذور الأزمة الحالية!
وتتجلى المفارقة عند مقارنة كلامه الفلسفي أو مقارناته الخارجية (مثل تجربة الصين بلا معاشات) بواقع أصحاب المعاشات في مصر الذين يعانون من تآكل قيمة معاشاتهم.. فالدولة لا تمتلك فائضًا لاستثماره لهم، بل تكافح شهريًا لصرف المعاشات الأساسية عبر تدبير الأموال من الضرائب أو الاقتراض.
المفارقة الساخرة تظهر عند حديثه عن تدني عوائد أموال المعاشات في مصر حاليًا (كأزمة بنيوية)، في حين أنه هو من حوّل عوائدها التريليونية إلى صكوك "دين حكومي" بعائد منخفض للغاية (أقل من معدلات التضخم) لفترات طويلة، مما أدى لتبخر قيمة الأموال الأصلية قبل صرفها.
إنه يشبه المخرج الذي تسبب في "فشل ذريع" لأضخم فيلم في تاريخ السينما، ثم يعود بعد سنوات من المهجر ليظهر في دور "كبير النقاد العالمي" الذي ينتقد السينما لفشلها في الوصول للعالمية، وكأنه لم يكن أبداً المخرج الذي قاد العمل إلى كارثة. إنه "ضحك كالبكاء" على واقع ملف أموال المعاشات في مصر.