عاجل

​هناك لحظات لا يصيبني فيها الخوف من الجريمة بقدر ما يصيبني الخوف من الطريقة التي نتعامل بها معها.
​فالجريمة، مهما بلغت بشاعتها، تظل فعلًا فرديًا. أما تبريرها، أو تجميلها، أو إحاطتها بهالة من التعاطف غير المنضبط، فهو بداية خلل مخيف يصيب ضمير المجتمع بأكمله.
​بكل صدق، أشعر بدهشة عميقة، بل باستياء بالغ، وأنا أقرأ ما كُتب على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن السيدة المحامية المتهمة بقتل والدتها. لم تكن الصدمة في تفاصيل القضية وحدها، وإنما في سيل التعاطف الذي أحاط بها، وفي إصرار البعض على تقديمها للرأي العام مقرونة بلقبها المهني: "الأستاذة"… وكأن اللقب يمنح حصانة أخلاقية، أو يخفف من وطأة الاتهام، أو يجعل الجريمة أقل فداحة.
​أعرف جيدًا، وأؤمن إيمانًا كاملًا، بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي. هذه قاعدة قانونية راسخة، وهي إحدى ضمانات العدالة التي لا يجوز المساس بها.
​لكن احترام القانون لا يعني تعطيل البوصلة الأخلاقية.
​وحين تكون المتهمة قد أدلت باعترافات نُسبت إليها بشأن ارتكابها الجريمة، يصبح من المشروع أن نتساءل: لماذا يندفع البعض إلى صناعة حالة وجدانية من التعاطف قبل أن ينشغل حتى بحق الضحية؟ ولماذا تحضر كلمات مثل: "ربنا يصبرها واللي هيجيب سيرتها هاعمله بلوك ودي صاحبتنا وعلاقتها مع أمها وحشة وموت بنتها خلاها في حالة نفسية سيئة ..إلخ"… بينما تغيب كلمة واحدة عن الأم التي أُزهقت روحها على يد من احتضنتها في رحمها تسعة أشهر؟
​وحين يقرأ الشباب التعليقات المضللة التي تتعاطف مع متهم في جريمة قتل، فإن الرسالة التي تصل إليهم ليست قانونية، وإنما أخلاقية.
رسالة تقول، دون أن نشعر: ربما توجد للجريمة مبررات… وربما يكون القاتل ضحية أكثر من ضحيته حتى لو كان أمك أو أبوك!!
​وهنا تبدأ الكارثة.
​وللأسف، ليست هذه هي المرة الأولى.
قبل فترة قصيرة، تابعنا جميعًا قضية أخرى لابنة قتلت والدتها بالاتفاق مع صديقها الحدث، ورأينا محامية تبكي أمام الكاميرات بعد إعدام موكلتها بعد إدانتها بالقتل وتتحدث عن توبة موكلتها وعودتها إلى الله. ولا أحد يعترض على التوبة… فبابها مفتوح عند الله.
​لكن التوبة لا تعيد تعريف الجريمة، ولا تمحو بشاعتها، ولا ينبغي أن تتحول إلى خطاب إعلامي يربك وعي الناس ويلوث يقينهم، فيختلط التعاطف الإنساني بإضعاف الإدانة الأخلاقية.
​إن الرحمة فضيلة… لكنها لا تكون أبدًا على حساب العدالة.
وبر الوالدين ليس مجرد نص ديني أو قيمة اجتماعية عابرة، بل هو أحد أعمدة استقرار الأسرة، والأسرة هي نواة المجتمع. وحتى إذا بلغ الخلاف بين الأبناء وآبائهم مداه، وحتى إذا وقع ظلم أو عقوق من أحد الوالدين، فإن الإنسانية والقانون الإلهي والمجتمعي يرفضون أن تكون النهاية هي القتل.
​فالحقوق تُنتزع بالقانون، لا بإزهاق الأرواح.
والمؤلم حقًا أن البعض يظن أن الكلمات مجرد تعليقات عابرة، أو تسجيل موقف يتخيل أنه بطولي أو دعم لمن ارتضاه صديقًا، بينما هي في الحقيقة تصنع ثقافة كاملة.
​ثقافة قد تجعل الأجيال القادمة أقل حساسية تجاه الدم، وأكثر استعدادًا للبحث عن مبررات للقاتل، بدلًا من الانتصار للمغدور به.
​يا سادة إن المجتمعات لا تسقط حين تقع فيها الجرائم، فالجريمة وُجدت منذ بداية التاريخ.
لكنها تبدأ في السقوط حين تختل معاييرها، ويصبح القاتل بطلًا، والجريمة وجهة نظر، والضحية مجرد اسم يُنسى سريعًا.
​فلنحذر جميعًا من الكلمة قبل أن نحذر من السلاح.
فالسلاح قد يقتل إنسانًا واحدًا… أما الكلمة، إذا انحرفت عن ميزان الحق، فقد تقتل ضمير أمة بأكملها.
​فاحذروا الكلمة،
اللهم ألهمنا الرشد، واحفظ علينا عقولنا وضمائرنا، ولا تجعل الرحمة تضل طريقها إلى غير موضعها، ولا تسمح بأن تختلط في نفوسنا الحدود الفاصلة بين التعاطف والحق، وبين الإنسانية والعدالة.

تم نسخ الرابط