عاجل

 

السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في وقت تواجه فيه مصر تحديات إقليمية ودولية متلاحقة، وملفات تمس الأمن القومي، وصراعات تعصف بالمنطقة، وملفات خارجية تحتاج إلى أعلى درجات التركيز والمتابعة، يبدو السؤال مشروعًا:
هل يُعقل أن يضطر رئيس الجمهورية إلى التدخل في كل أزمة داخلية حتى يحصل المواطن على حقه أو يجد من يسمع شكواه؟
هل من المنطقي أن ينشغل رئيس الجمهورية، بكل ما يحمله منصبه من مسؤوليات جسام، بحل أزمة بين مواطن ووزارة، أو مواطن ومحافظة، أو خلاف حول قرار إداري كان يفترض أن يجد طريقه إلى الحل داخل المؤسسة المسؤولة عنه؟
هذه ليست مسألة تخص التعليم وحده، ولا انتقادًا لشخص بعينه. إنها مسألة تتعلق بفكرة الدولة نفسها: دولة المؤسسات، وتوزيع المسؤوليات، ومحاسبة كل مسؤول عن الدور الذي أُسند إليه.
فكلما ازدادت مسؤوليات رئيس الجمهورية، أصبحت الحاجة إلى مؤسسات قوية تقوم بدورها أكبر.
الرئاسة هي رأس الدولة، لا آخر شباك خدمة للمواطن، ومن هنا تأتي قضية طلاب الشهادات الدولية، التي تشغل آلاف الأسر المصرية اليوم.
المشكلة ليست في الحفاظ على الهوية المصرية. ولا أحد يعترض على أن يتعلم أبناؤنا لغتهم وتاريخهم وثقافتهم ودينهم. لكن وضع «الهوية» في مواجهة التعليم الدولي يضع القضية في إطار غير صحيح من البداية.
أبناؤنا في المدارس الدولية مصريون، ومنتمون إلى هذا الوطن، وعاشقون له، ولا يحتاجون إلى شهادة إضافية تثبت مصريتهم.
فالهوية لا تُقاس بعدد الدرجات، ولا تُثبت بإضافة مادة إلى مجموع طالب
الهوية تُبنى في البيت، والمدرسة، والثقافة، واللغة، والتاريخ، وفي شعور الإنسان بأنه جزء أصيل من وطنه ومستقبله.
أما أن يتحول الحفاظ على الهوية إلى أعباء إضافية تُفرض على مسار تعليمي بعينه، وعلي طلاب يفصل بينهم وبين الجامعة ربما خطوة او اثنين علي الأكثر، فمن حق الأسر أن تسأل:

أين معيار العدالة؟

نحن لا نعترض على تعليم اللغة العربية، ولا على دراسة التاريخ أو الدين، بل نتمسك بكل ما يعزز ارتباط أبنائنا بمصر.

لكن السؤال الحقيقي هو: هل من العدل أن يتحمل طالب الشهادة الدولية في سنواته الأخيرة أعباء إضافية عند دخوله الجامعة لم تكن جزءًا من القواعد التي بدأ على أساسها مساره التعليمي؟

وهل من المنطقي أن تتغير قواعد اللعبة بينما الطلاب بالفعل داخلها، وبعضهم في سنواته الأخيرة أو على وشك إنهاء رحلته التعليمية ما قبل الجامعية؟

الطالب الذي بدأ سنوات دراسته وفق نظام محدد، وخطط مواده وامتحاناته ومستقبله على أساس قواعد معلنة، لا يمكن أن نتعامل معه وكأنه بدأ رحلته صباح صدور القرار الجديد.

التعليم لا يحتمل القرارات المفاجئة؛ لأن الزمن فيه ليس رقمًا على ورقة.

ولهذا فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن يقوم على قاعدة واضحة:

ما هو جديد يُطبق على من يبدأ المسار، لا على من أوشك على إنهائه.

أما البكالوريا المصرية، فليست المشكلة في وجودها أو في محاولة تطوير مسار جديد. تطوير التعليم ضرورة، وتجربة البدائل أمر محمود، لكن لا ينبغي أن يتحول تطوير مسار إلى تضييق مباشر على مسارات أخرى.

وليس من حق أي طالب أن يشعر بأن اختياره لمسار تعليمي مختلف جعله أقل استحقاقًا في المنافسة على جامعة بلده.

كما أن العدالة لا تعني بالضرورة أن يحصل الجميع على الشيء نفسه، وإنما أن يخضع الجميع لقواعد واضحة، معلنة، مستقرة، ومتساوية في معاييرها.

ولهذا تظل هناك أسئلة مشروعة حول التعامل مع مختلف أنواع الشهادات: الدولية، والعربية، والمعادلة، والطلاب الوافدين.

وإذا كانت هناك فلسفة جديدة للقبول الجامعي، فيجب أن تكون فلسفة عامة ومفهومة، وأن تطبق على الجميع وفق معايير معلنة، لا أن يشعر كل مسار بأنه يخوض معركة منفصلة لإثبات حقه.

ومراجعة تطبيق قرار جديد على طلاب تفصلهم خطوات قليلة عن الجامعة ليست تراجعًا عن الإصلاح، بل هي أحد أشكال قوة الدولة وحسن إدارتها.

فالاستماع إلى أولياء الأمور الذين يعيشون الأزمة فعلًا، والذين خاضوا مع أبناؤهم سنوات هذا المسار بكل ما فيه من صعوبة وتكلفة وضغوط، لا يعني أن الدولة تُدار بالرأي العام.

بل يعني أن القرار الجيد هو القرار الذي يستمع قبل أن يقرر، ويشرح قبل أن يطبق، ويختار التوقيت المناسب، ويمنح من بدأ طريقه فرصة عادلة لإنهائه.

سيادة الرئيس،

نحن لا نطلب استثناءً لأبنائنا، ولا نطلب إلغاء تطوير التعليم، ولا نريد أن تتحول الشهادات الدولية إلى جزيرة منفصلة عن المجتمع المصري.

نريد فقط قاعدة عادلة.

نريد أن تُطبق القرارات المستحدثة على من يبدأ مساره التعليمي، لا على من اقترب من نهايته.

نريد أن يعرف الطالب منذ البداية: ما المطلوب منه؟ وما الذي سيُحتسب له؟ وما الذي سيُطلب منه عند التقديم للجامعة؟

ويكفي أن طلاب الشهادات الدولية لهم نسبة محددة لا تتجاوز 5% من مقاعد الجامعات الحكومية، حتى ندرك أن أي تغيير في قواعد احتساب درجاتهم أو شروط منافستهم يمكن أن يكون له أثر مباشر على مستقبلهم الجامعي.

ونريد قبل كل شيء أن تعود المؤسسات إلى أداء دورها الطبيعي.

أن يكون للطالب وأسرته باب واضح في وزارة التربية والتعليم.

وأن يجد شكواه من يسمعها، وسؤاله من يجيب عنه، واعتراضه من يراجعه.

لا ينبغي أن يكون طريق المواطن إلى الحل هو طريق الاستغاثة.

فالاستغاثة قد تحل أزمة، لكنها لا تبني نظامًا.

والتدخل الرئاسي قد ينقذ حالة، لكنه لا يعالج خللًا مؤسسيًا إذا ظل يتكرر.

وما نحتاجه ليس أن يصل كل مواطن إلى رئيس الجمهورية، وإنما أن يصل صوت المواطن إلى المسؤول المختص قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة، وقبل أن تصبح الرئاسة آخر أبواب المواطن لثقته فيها.

وأبناؤنا اليوم لا يحتاجون إلى معاملة استثنائية.

يحتاجون فقط إلى ألا تتغير القواعد من حولهم وهم في آخر الطريق.

فهم لا يجب أن يواجهوا عبئًا إضافيًا باسم الهوية، وهم أصلًا جزء أصيل من هذا الوطن، ولا يقلون مصرية أو انتماءً عن أي من أقرانهم.

فالوزير قد يتغير، والقرارات قد تتبدل، والأنظمة قد يعاد تصميمها.

أما سنوات الطالب الدراسية فلا يمكن استعادتها.

وما يُفقد من عمر ومجهود ومستقبل أبنائنا لا تعيده أي مراجعة لاحقة.

لذلك، فإن مراجعة قواعد قبول طلاب الشهادات الدولية، خصوصًا من هم في السنوات الأخيرة، ليست تراجعًا عن الإصلاح، وإنما يمكن أن تكون خطوة نحو إصلاح أكثر عدلًا واتزانًا.

نريد تعليمًا يحافظ على الهوية، نعم.

لكننا نريد أيضًا تعليمًا يحافظ على الثقة.

ونريد جامعة مصرية تفتح أبوابها لأبنائها وفق معايير عادلة، لا أن تجعل اختلاف المسار الدراسي سببًا للشعور بالغربة داخل الوطن.

فأخطر ما يمكن أن نخسره في أي منظومة تعليمية ليس درجة في امتحان، ولا مقعدًا في جامعة.

إنه ثقة جيل كامل في أن وطنه يراه، ويسمعه، ويعامله بعدل.

وحين يشعر أبناؤنا، في الداخل أو الخارج، أن مصر لا تضعهم أمام الاختيار بين تعليمهم ومستقبلهم وبين انتمائهم وهويتهم، عندها فقط تصبح الهوية المصرية شيئًا أعمق من مادة دراسية، أو نسبة مئوية، أو قرار إداري.

تصبح وطنًا.
حفظ الله بلادنا الحبيبة واهلها

تم نسخ الرابط