يتجاوز سعر الشقة 2 مليون دولار.. إسرائيل تقيم دار مسنين للأثرياء فقط
وصل اتجاه "إطالة العمر والعيش بصحة" (Longevity) إلى قطاع المأوى المخصص لكبار السن، ليعيد رسم مفهوم الشيخوخة والتقدم في السن، حيث أنشأت اسرئيل مجمع فاخر لكبار السن الأثرياء فقط يتبع لشبكة "أد 120" (Ad 120) في حي "رامات هحيال" بتل أبيب، للوقوف على الأسباب التي تدفع السكان لدفع هذه المبالغ الطائلة، مؤكدين أن "العمر لا ينبغي أن يقف عائقاً أمام تحقيق الأحلام"
أجواء فاخرة ونمط حياة غير تقليدي

وكشفت صحيفة يديعوت احرونوت الإسرائيلية، أنه صعد عشرات الرجال والنساء في أحد أيام الأحد، وقبل دقائق من انطلاق المباراة النهائية لمونديال كرة القدم بين الأرجنتين وإسبانيا، إلى سطح مبنى "أد 120"، حيث جلس الجميع حول الطاولات وسط أجواء احتفالية، وكان من بين الحضور رجال أعمال وقضاة وضباط سابقون، بالإضافة إلى مدير عام مجمع "أد 120 تل أبيب"، يارون بن دافيد.
يقود هذا المجمع عقيد في الاحتياط انتقل للإدارة بعد خدمة طويلة في سلاح الجو ويعلق المسؤولون على دقة التفاصيل لدى المقيمين، حيث تصر إحدى المقيمات باعتزاز على تصحيح عمرها فوراً إن أخطأ أحد وزاد فيه عاماً: "عذراً، أنا في السابعة والتسعين ولست في الثامنة والتسعين!".

قبل عام واحد فقط، دشن المجمع نسخته المحدثة باستثمارات بلغت نحو 120 مليون شيكل، ممتداً على مساحات شاسعة أضيفت إليها طوابق سكنية جديدة تضم شققاً فاخرة ومجهزة بالكامل.
تتنوع الشقق بين غرفتين إلى أربع غرف، بمساحات تبدأ من 45 متراً مربعاً وتصل إلى شقق البنتهاوس ذات الـ 140 متراً مربعاً.
أرقام ومبالغ خيالية

يرفض القائمون على المشروع مصطلح "دار المسنين" التقليدي، ويفضلون وصفه بـ “مجمع إطالة العمر والرفاهية”، وهي الكلمة السحرية الجديدة في هذا القطاع.
تبدأ تكلفة الالتحاق بهذا المجتمع الفاخر من دفعة تأمين أولية تراوح بين 2 و4 ملايين شيكل، بالإضافة إلى مصاريف صيانة شهرية تتراوح بين 10 و20 ألف شيكل للفرد.

أما بالنسبة للأزواج المسنين، فتتجاوز التكلفة الشهرية 20 ألف شيكل، دون احتساب الخصم السنوي من وديعة التأمين الذي يصل إلى 3-4% سنوياً.
وفي كثير من الأحيان، لا تشمل هذه المبالغ وجبات الطعام، أو خدمات الغسيل، أو اشتراكات التلفزيون الإنترنت، والأجهزة الكهربائية.

ورغم ذلك، يشهد هذا القطاع نمواً متزايداً واستثماراً ضخماً من كبرى الشركات المالية والعقارية في السوق، التي باتت تراه ملاذاً استثمارياً آمناً وعالياً الربحية مع زيادة متوسط العمر المتوقع.
اختيار شخصي وليس إجباراً

يقول أحد المقيمين، وهو مهندس معماري في الثمانينيات من عمره، أثناء تناول وجبة غداء صحية:"البعض يراه مجمعاً سكنياً، لكنه بالنسبة لي منتجع سياحي، أنا أعمل حتى اليوم، وبمجرد عودتي مساءً تبدأ أنشطتي الاجتماعية مع زوجتي، حضرنا هذا الشهر ورشة لتعلم تذوق النبيذ، وأمسية موسيقية، ومحاضرات ثقفية، نحن لم نأتِ إلى هنا اضطراراً أو بدافع العجز، بل جئنا بملء إرادتنا وبمحض اختيارنا بعد تفكير طويل".
تظهر البيانات الرسمية أن عدد كبار السن يزداد بنسب ملحوظة، ومن المتوقع أن يصل عددهم إلى نحو مليونين بحلول عام 2040، مما يفسر السباق المالي والتجاري بين الشبكات العقارية والستثمارية لتطوير هذه المجتمعات الفاخرة.
تجربة يوم في "عالم إطالة العمر"

خلال جولة في المجمع، قامت الصحيفة العبرية بالتعايش مع المقيمين: بداية من حصص تدريب المهارات الذهنية لمقاومة التراجع العقلي باستعمال أنظمة حاسوبية ذكية، مروراً بصالات اللياقة البدنية المزودة بأجهزة تقرأ استجابة العضلات، وصولاً إلى جلسات السونا بالأشعة تحت الحمراء المعززة للصحة العامة والتخفيف من الآلام المزمنة التي تصيب المسنين.
يقول مدير عام الشبكة، تومر روزنبرج:"التطوير الذي قمنا به ليس مجرد تغيير في البناء الفيزيائي، بل هو تجسيد لمفهوم حياة كامل يستهدف الربط بين الجسد والروح في هذه المرحلة العمرية".
قصص إنسانية وأحلام لا تتوقف

على الرغم من رفاهية المكان، لا يخلو جو المجمع من بعض مشاعر الرهبة من مضي الوقت.
يقول أحد المقيمين القدامى في مجمع المسنين:"لدي مال وفير عملت بجد طوال حياتي لأجمعه، ولست بحاجة للاعتذار عن إنفاقه هنا. نحن هنا نتشارك نفس الهواجس حول تقدم السن، ونشعر بالحزن كلما رحل أحد الجيران، لكن هذا المكان يجعل الوقت أقل تهديداً لنا، العمر لا ينبغي أن يمنعنا من الاستمتاع والحلم".
ومن بين قصص النجاح والصمود داخل مجمع المسنين، تبرز قصة الدكتورة تيا فريدمان، وهي طبيبة عيون سابقة وناجية من الهولوكوست تبلغ من العمر 102 عاماً، ولا تزال تتمتع بذهن حاضر وحس دعابة لافت، حيث تقضي أوقاتها في استخدام الحاسوب ومتابعة المستجدات.
تختتم فريدمان حديثها بابتسامة:"لقد مرت بي سنوات صعبة في الماضي، لكنني لا أنظر إلى الخلف بألم، بل أطلع دائماً إلى الأمام. كل ما أتمنى في عيد ميلادي الجديد هو أن يعم السلام والهدوء".