عاجل

في زمن السوشيال ميديا، لا تحتاج المحاكمة إلى قاضٍ أو منصة، بل إلى "بوست" وموجة غضب عارمة! في دقائق معدودة، يُصدر الملايين أحكامهم القاطعة: هذا قاتل يستحق الإعدام، وهذا مدعٍ يستغل المرض النفسي. تُقطع الرقاب افتراضيًا، بينما لا تزال سلطات التحقيق في مستهل مشوارها بحثًا عن الحقيقة.

بين سرعة تداول الأخبار، والرغبة الإنسانية في القصاص لمن يبدو مذنباً، يختلط الغضب بمفهوم العدالة، رغم أنهما شتان. فالغضب انفعال لحظي، أما العدالة فمسار طويل ومجرد.

القضية الأخيرة التي شغلت الرأي العام وأثارت موجة واسعة من الجدل، أعادت إلى الواجهة سؤالاً أعمق من الجريمة ذاتها: هل يملك المجتمع حق إدانة المتهم قبل انتهاء التحقيقات؟ وهل الحديث عن "الاضطراب النفسي" مبرر للجريمة أم واقعة قانونية تحتمل الفحص؟

دعونا نتفق أن التحقيقات ما زالت مستمرة، وكل ما يُتداول عبر الشاشات والصفحات لا يُغني عن الأدلة التي تجمعها النيابة العامة، ولا عن الحكم الذي ستنطق به المحكمة بعد استكمال كافة إجراءات التقاضي.

في جرائم القتل تحديداً، لا يكفي وقوع الوفاة وحده لإثبات المسؤولية. القانون لا يعترف بالنتائج المجردة، بل يبحث في أركان الجريمة كاملة: الفعل الإجرامي، وعلاقة السببية، والقصد الجنائي، ناهيك عن الأدلة الفنية وتقارير الطب الشرعي. صحيح أن المادة (230) من قانون العقوبات المصري نصت على أن كل من قتل نفساً عمدًا مع سبق الإصرار أو الترصد تكون عقوبته الإعدام، لكن سبق الإصرار ليس افتراضًا يُبنى على التكهنات، بل هو ظرف مشدد يستخلص من وقائع الدعوى المطروحة أمام المحكمة. فإن إصدار أحكام قاطعة قبل اكتمال هذه العناصر ليس مجرد تسرع، بل هو افتئات صريح على سلطة القضاء.

أما النقطة الأكثر إثارة للجدل — الحالة النفسية للمتهم — فتستوجب التفرقة الحازمة بين المرض النفسي والعقلي من المنظور القانوني. ليس كل اضطراب يعني رفع المسؤولية الجنائية؛ فالمعيار الوحيد الذي يعتد به القضاء هو مدى تأثير هذا الاضطراب على "الإدراك والإرادة" وقت ارتكاب الفعل.

وهذا ما نظمه المشرع بوضوح في المادة (62) من قانون العقوبات، حيث اشترط لانتفاء المسؤولية أن يكون المتهم وقت الجريمة فاقدًا للإدراك أو الاختيار تمامًا. هذا الأمر لا يُحسم بـ "منشور على فيسبوك" ولا بانطباعات الجمهور، بل بتقارير رسمية قاطعة صادرة عن الجهات الطبية المختصة وعلى رأسها مصلحة الطب الشرعي، يتبعها التقدير المستقل لقاضي الموضوع.

بينما تُتيح المادة (17) للقاضي استخدام "الرأفة" وتخفيف العقوبة لو ثبت وجود اضطراب نفسي أثر على تصرفه دون أن يذهبه تمامًا.

وإن الحديث عن عقوبة بعينها، أو توقع الإعدام أو السجن، أو حتى التنبؤ بتخفيف العقوبة قبل صدور قرار النيابة العامة، يظل مجرد شائعات وتكهنات بلا سند قانوني.

لا خلاف على أن من حق المجتمع أن يغضب للجريمة التي تهز وجدانه، ومن حقه أن يطالب بتطبيق القانون بكل حزم. لكن في المقابل، من حق هذا المجتمع أيضاً أن يطمئن إلى أن العدالة تسير وفق إجراءاتها الصحيحة دون ضغط أو إملاءات. فالعدالة التي تُبنى على الانفعال قد تظلم، أما العدالة التي تُبنى على الدليل الصارم فلا تحمي متهمًا بغير حق، بل تحمي أمن المجتمع كله.

في النهاية، سيبقى الحكم القضائي وحده هو "عنوان الحقيقة"، وتظل العدالة الناجزة هي تلك التي تُكتب بأوراق القضاة وأدلة الطب الشرعي.. لا بـ "لايكات" مواقع التواصل الاجتماعي.

تم نسخ الرابط