عاجل

في كلِّ يومٍ تحمل إلينا أخبارُ الحوادثِ ما يُذهِلُ العقولَ ويُحيِّرُ الألباب. ومن أشدِّ ما هزَّ القلوبَ في الأيامِ الماضية خبرُ مقتلِ أمٍّ على يدِ ابنتها في مشهدٍ بالغِ القسوةِ، حتى أصبحت قصتُها عنوانًا تتناقله وسائلُ الإعلام. ولو سألنا أنفسَنا: هل كان يتخيَّل أحدٌ أن تكون هذه الأمُّ يومًا خبرًا في صفحاتِ الحوادث؟ وهل كانت تلك الأمُّ، وهي تحملُ طفلتَها بين ذراعيها يومَ ولادتها، وتضمُّها إلى صدرها، وتفرحُ بها، وتتمنى لها أجملَ مستقبلٍ، يخطرُ ببالها أن تكون هذه الطفلةُ، قرةُ عينِها وسندَها الذي كانت ترجوه، هي سبب رحيلها بهذه الصورةِ المفجعة؟!
إن الإجابة التي نراها كل يوم أمامنا للأسف هي لا.
فالبشرُ يخططون، ويأملون، ويرسمون مستقبلًا يملؤه الخير، لكنَّ الغيب يبقى علمًا اختصَّ اللهُ تعالى به وحده.!!
لذلك قال اللهُ عزَّ وجلَّ على لسانِ نبيِّه ﷺ: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾
فكم من أبٍ وأمٍّ يظنَّان أن أبناءهما سيكونون مصدر السعادةِ والراحة، وكثير منهم يحقق اللهُ لهم ذلك فضلًا منه ونعمة، ولكن تلك الأمَّ أيضًا كانت تظن أنها ستعيشُ السعادةَ نفسها، وأن ابنتها ستكون عونًا لها في كِبَرها. غير أنَّ أقدارَ اللهِ تجري بما لا يتوقعه أحد، وهنا يظهر معنى الرضا بقضاء الله، لا بمعنى الرضا بالجرائم أو تبريرها، وإنما التسليمُ بأن علمَ اللهِ محيط، وأن علمَ الإنسانِ محدود.
وقد علَّمنا النبيُّ ﷺ هذا المعنى العظيم فقال: «احرِصْ على ما ينفعُكَ، واستَعِنْ باللهِ ولا تعجِزْ، وإن أصابكَ شيءٌ فلا تقلْ: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر اللهُ وما شاء فعل؛ فإنَّ (لو) تفتحُ عملَ الشيطان». وقال ﷺ: «عجبًا لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَه كلَّه له خيرٌ ... إن أصابتْه سراءُ شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابتْه ضراءُ صبرَ فكان خيرًا له».
ومع التسليم بقضاء الله، ينبغي ألا نغفل جانبًا مهمًّا، وهو العنايةُ بالصحةِ النفسية. فإذا ثبت في أيِّ واقعةٍ أن الجاني كان يعاني مرضًا نفسيًّا، فإن هذا يذكِّرنا بخطورة إهمال العلاج والدعم الأسري. والمرضُ النفسيُّ قد يدفع بعضَ المصابين في حالاتٍ معينة إلى تصرفاتٍ شديدةِ الخطورة إذا لم يُشخَّص ويُعالج، لكنه بالطبع لا يفسِّر كلَّ جريمة، ولا يصحُّ أن يُنسَبَ إلى كلِّ من يرتكب جريمة حتى يثبت ذلك من الجهات المختصة.
ولهذا فإنني أوجِّه نداءً إلى كلِّ أبٍ وأمٍّ: ارفقوا بأبنائكم حين يكبرون، واستمعوا إليهم، وافتحوا لهم أبوابَ الحوار، ولا تُثقلوا عليهم بالضغوطِ المستمرة، ولا تُعاملوهم دائمًا وكأنهم ما زالوا أطفالًا صغارًا فلعلهم كبروا وكبرت معهم مسؤولياتهم وهمومهم. فالرحمةُ، والاحتواءُ، والاهتمامُ بالمشكلاتِ النفسية عند ظهورها، قد تكون سببًا بعد توفيق الله في الوقاية من كثيرٍ من المآسي.
وأخيرًا... إذا ضاقت بنا الأحداث، والتبسَت علينا الحكمةُ، فلنستمسك بقول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال بعضُ السلف: هو الرجلُ تُصيبه المصيبةُ، فيعلمُ أنها من عند الله، فيرضى ويُسلِّم. فالرِّضا بقضاء الله ليس استسلامًا للعجز، وإنما طمأنينةٌ بأن وراء كلِّ قضاءٍ حكمةً يعلمها الله، وإن غابت عن العباد.
قال تعالي: "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ"
صدق الله العظيم

تم نسخ الرابط