اغتيال البراءة وقتل الطفولة.. مرافعة نارية للنيابة تهز القلوب بقضية الأم وعشيقها
في واحدة من أكثر القضايا إيلاما التي شهدتها محاكم الجنايات شهدت محكمة جنايات شبرا الخيمة مرافعة مؤثرة للمستشار محمد عز العرب وكيل النائب العام بنيابة شبرا الخيمة أول الجزئية أمام الدائرة الثالثة برئاسة المستشار أمير فايز حنا في القضية المعروفة إعلاميا بمقتل الطفل فارس والتي اتهمت فيها الأم وعشيقها بتعذيب الطفل حتى الموت.
مرافعة نارية للنيابة تهز القلوب بقضية الأم وعشيقها
وحملت المرافعة عنوان اغتيال البراءة وقتل الطفولة وجاءت لتتجاوز حدود السرد القانوني للوقائع وتتحول إلى رسالة إنسانية وقانونية تؤكد أن حماية الأطفال واجب ديني وأخلاقي وقانوني وأن العدالة ستظل الحصن الذي يصون البراءة ويقتص للمظلومين.
وأكدت النيابة العامة منذ مستهل المرافعة أن القضية ليست مجرد أوراق تحقيق أو أرقام في سجلات المحاكم وإنما مأساة إنسانية بطلها طفل لم يتجاوز الرابعة من عمره لم يعرف من الحياة سوى براءتها قبل أن يسقط ضحية لتعذيب ممنهج انتهى بوفاته على يد من كان يفترض أن يكونوا مصدر الأمان له.
واستهل وكيل النائب العام مرافعته بالتأكيد على أن الرحمة بالصغار ليست فضيلة أخلاقية فحسب وإنما فريضة رسختها جميع الشرائع السماوية مستشهدا بآيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية شريفة ونصوص من الإنجيل تؤكد مكانة الطفل ووجوب الإحسان إليه ومشددا على أن الاعتداء على الأطفال يمثل اعتداء على مستقبل المجتمع بأسره.
وأكدت النيابة أن المجني عليه الطفل فارس معتز محمد كان يحلم بحياة بسيطة مليئة بالأمان والدفء إلا أن حياته تحولت إلى سلسلة من العنف والإهمال والخوف حتى انتهت بصورة مأساوية وهو عاجز عن الدفاع عن نفسه لا يملك سوى البكاء والاستغاثة.
وأوضحت التحقيقات بحسب المرافعة أن والدة الطفل غادرت منزل الزوجية عقب خلافات مع زوجها واصطحبت طفلها معها ثم أقامت مع المتهم الآخر داخل مسكن واحد رغم استمرار العلاقة الزوجية بينها وبين والد الطفل.
وأضافت النيابة أن الطفل انتقل للإقامة مع والدته وشريكها وهناك بدأت رحلة من الإهمال وسوء المعاملة انتهت بتعذيبه بصورة متكررة ثم قتله حيث كانت أبسط تصرفاته الطبيعية كالبكاء أو الحركة أو التبول على ملابسه سببا في تعرضه للضرب والإهانة.
وكشفت المرافعة أن ما تعرض له الطفل لم يكن واقعة منفردة وإنما مسلسلا يوميا من التعذيب شمل الضرب بالأيدي والأرجل والأحزمة وخرطوم الغسالة والحرق بولاعة وإطفاء السجائر في جسده وتعريضه للمياه الباردة وإجباره على الوقوف لساعات طويلة.
وأكدت النيابة أن جسد الطفل تحول إلى سجل مفتوح يحمل آثار الكدمات والحروق والسحجات والجروح بما يعكس حجم المعاناة التي عاشها قبل وفاته مشيرة إلى أن الأم لم تكتفِ بالصمت بل شاركت في الاعتداءات وكانت تحرض شريكها على مواصلة تعذيبه.
واستعرضت النيابة تفاصيل الساعات الأخيرة في حياة الطفل موضحة أن المتهم الأول اعتدى عليه بالصفع والركل والدفع بعنف حتى ارتطم بالحائط ثم واصل الاعتداء عليه رغم سقوطه أرضا مما أدى إلى إصابته بإصابات بالغة في الرأس والصدر دخل على إثرها في حالة تشنج انتهت بوفاته.
وأكدت أن الأم كانت شاهدة على كل ما حدث ولم تحاول إنقاذ طفلها أو طلب المساعدة، وظلت صامتة حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.
وأشارت النيابة إلى أن المتهمين حاولا تضليل الحقيقة بادعاء سقوط الطفل من أعلى السلم وسعيا لاستخراج تصريح دفن إلا أن الطبيب اشتبه في كثرة الإصابات الظاهرة على الجثمان ورفض إصدار التصريح قبل أن يتكرر الاشتباه داخل المستشفى لتبدأ التحقيقات التي كشفت تفاصيل الجريمة.
وأكدت النيابة أن التحقيقات تضمنت اعترافات تفصيلية من المتهمين حيث أقر المتهم الأول بتكرار الاعتداء على الطفل باستخدام خرطوم الغسالة واعترف بحرقه بولاعة، فيما أقرت الأم بأنها كانت تضرب طفلها بالحزام والشبشب وكانت تشكو منه لشريكها ليواصل الاعتداء عليه.
وأضافت أن الطفل كان يتوسل إليهما قائلا: لن أفعل ذلك مرة أخرى إلا أن توسلاته لم تجد أي رحمة.
واستندت النيابة إلى تقرير الطب الشرعي الذي أثبت أن الوفاة نتجت عن إصابة رضية شديدة بالرأس أحدثت نزيفا بالمخ أدى إلى توقف المراكز الحيوية كما كشف التقرير عن وجود إصابات قديمة وحديثة بمختلف أنحاء الجسد بما يؤكد تعرض الطفل لتعذيب متكرر وعلى فترات زمنية متعاقبة.
وأكدت أن التقرير الفني جاء متوافقا مع اعترافات المتهمين وأقوال الشهود ومعاينة النيابة العامة.
وفي مرافعتها القانونية أكدت النيابة العامة أن الواقعة تمثل جريمة قتل عمد مكتملة الأركان مشيرة إلى أن الركن المادي تحقق من خلال الاعتداءات المتكررة فيما ثبت القصد الجنائي من إصرار المتهمين على مواصلة التعذيب رغم صغر سن الطفل وتدهور حالته الصحية.
وأضافت أن نية القتل تستخلص من طبيعة الأفعال وخطورتها وأن أي إنسان يدرك أن تعذيب طفل في الرابعة من عمره بهذا الشكل قد يؤدي إلى وفاته ومع ذلك استمر المتهمان في أفعالهما حتى تحققت النتيجة الإجرامية.
ووجهت النيابة خلال المرافعة رسالة إلى جميع الأسر أكدت فيها أن الطفل لا يحتاج إلى العنف ليُربى وإنما إلى الحب والاحتواء والرعاية السليمة وأن حماية الأطفال مسؤولية الأسرة والمجتمع معا وأن الصمت على أي اعتداء ضد طفل يمثل مشاركة غير مباشرة في استمرار هذه الجرائم.
وفي ختام المرافعة شدد المستشار محمد عز العرب على أن العدالة لن تعيد الطفل إلى الحياة لكنها قادرة على ترسيخ الثقة في القانون والتأكيد أن الطفولة خط أحمر لا يجوز المساس به.
وطالبت النيابة العامة المحكمة بتوقيع أقصى عقوبة يقررها القانون بحق المتهمين مؤكدة أن ما ارتكباه لا يمثل اعتداء على طفل واحد فحسب بل جريمة في حق الإنسانية كلها ورسالة تستوجب ردع كل من تسول له نفسه الاعتداء على طفل أو حرمانه من حقه في الحياة والأمان.
واختتمت النيابة مرافعتها بالتأكيد على أن الحكم المنتظر لن يكون انتصارا للطفل فارس وحده بل انتصارا لكل طفل ينتظر من المجتمع أن يحميه ويمنحه حقه الطبيعي في طفولة آمنة بعيدا عن الخوف والعنف.
