سعدت هذا العام، كما أسعد كل عام، بتلقي دعوة من السفارة المصرية في موسكو لحضور حفل استقبال بمناسبة عيد ثورة يوليو 1952، وعند فتحي للمظروف الأنيق المزخرف بنقوش ورسومات طالما فخرنا بها، رسومات وزخارف مصرية قديمة تفوح منها رائحة عظمة الأجداد، التي من الصعب جدًا الاختلاف على هويتنا المصرية والحضارية، وأتحدى أن أي أحد في العالم، بمجرد رؤية هذه النقوش والرسومات، سريعًا سوف يميزها ويعرف إلى أي حضارة تعود،وهنا كانت المفاجأة، مكان حفل الاستقبال: متحف بوشكين للفنون الراقية في وسط العاصمة الروسية موسكو.
هذا المتحف العريق، الذي سمي باسم أعظم وأشهر شعراء روسيا، هو أليكسندر سيرجيفيتش بوشكين، والمصادفة أن أليكسندر بوشكين له أصول أفريقية، حيث تم أسر جده لأمه من إثيوبيا أو إريتريا، وأرسل إلى روسيا كأسير أو عبد وهو في السابعة من عمره، وكان جد جده هانيبال من ملوك أفريقيا، ولكن بطرس الأكبر، إمبراطور روسيا، أعتقه ورباه في البلاط الإمبراطوري، حتى جاءت والدته بوشكين، ناديجدا، وكبرت وترعرعت في البلاط الملكي، وولدت ابنها أليكسندر بوشكين، أعظم شعراء روسيا، وتكريمًا لهذا الشاعر العظيم، أُنشئ متحف عريق ضخم سمي باسمه في عام 1912.
غمرتني السعادة، حيث كانت سابقة لم تحدث أن يستقبل المتحف احتفالًا وطنيًا لدولة أخرى ترفع أعلامها في أروقة المتحف، وشعرت بالفخر الشديد لمكانة الدبلوماسية المصرية وتأثيرها الكبير وعمق العلاقات المصرية الروسية، وتمنيت أن يأتي يوم الاحتفال لأرى متحف بوشكين متشحًا بالبصمة والطابع المصري.
وجاء يوم الاحتفال، وتوجهت حتى قبل ميعاد بدء الحفل بساعة لأشاهد مظاهر البصمة المصرية في أعرق متاحف موسكو، قد أكون فكرت داخليًا، وعقلي الباطن، في خطف لحظة أشعر فيها أنني أمتلك هذا المكان قبل حضور المدعوين.
وكما تصورت في عقلي، بوابة مهيبة، وحديقة واسعة بها أجمل نباتات الزينة والزهور، ومبنى قديم، ولكنه شديد الجمال والإبهار، وطابع معماري فريد. وكلما تقدمت بخطواتي، يظهر علم مصر مرفرفًا على جانبي المدخل الرئيسي، وسجادة حمراء أنيقة، وأغانٍ مصرية تسمعها في كل الأرجاء داخل المتحف.
حتى وصلت إلى قاعة الحفل، القاعة الرئيسية في المتحف، وعلى منصة الاحتفال العلم المصري والعلم الروسي، وامتزجت في القاعة صور آثار مصرية قديمة مع التماثيل الروسية والرومانية وقطع فنية شديدة الجمال، كما يضم المتحف الكثير من القطع الأثرية المصرية.
وكما تجري العادة في حفل الاستقبال، عُزف النشيد الوطني المصري، ثم النشيد الوطني الروسي، وهنا كانت المفاجأة، كورال روسي يغني: بلادي بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي.
وتلا ذلك كلمة سعادة السفير الفاضل حمدي شعبان، سفير مصر في روسيا، الذي حقق العديد من الإنجازات الدبلوماسية في وقت قصير، وتحدث سعادته عن أهمية ثورة يوليو والعلاقات الروسية المصرية منذ الثورة حتى وقتنا الحالي.
كما ألقى سعادة السيد جورجي بوريسينكو، نائب وزير الخارجية الروسي، كلمة أكد فيها العلاقات القوية بين مصر وروسيا، ودور روسيا منذ ثورة يوليو، وفي حرب أكتوبر المجيدة، وحتى وقتنا الحالي، ومساهمة روسيا في إنشاء محطة الضبعة النووية والعديد من المشروعات التجارية والاقتصادية. وجدير بالذكر أن سعادة السيد بوريسينكو قد شغل من قبل منصب سفير روسيا في القاهرة لمدة 6 أعوام.
وتتابع الحفل بتنظيم زيارة المدعوين إلى القاعة المصرية بالمتحف، والتي تحوي عددًا كبيرًا من التماثيل والتوابيت والأواني والمخطوطات المصرية القديمة.
وبعد الجولة داخل المتحف، تمت دعوة الحاضرين لتذوق أشهى الوجبات المصرية الأصيلة على أنغام الأغاني المصرية.
وعند دخولي إلى قاعة الطعام، وجدت طابورًا طويلًا من الحاضرين، وأثار اهتمامي هذا الإقبال على هذا المكان تحديدًا، وعند وصولي عرفت السبب، الشيف المصري كان يقدم الكشري.
ولفت نظري طابور آخر، وقررت تكرار المحاولة حتى أصل إلى سبب هذا الزحام، كان شيف مصري آخر يقدم الحواوشي المصري والكبدة الإسكندراني، وحقيقة كنت أشعر أني أحلم، فقد أكلت كشري وحواوشي وكبدة إسكندراني في متحف بوشكين في روسيا، الحقيقة أن مع كل اشتياقي وحنيني لهذه الأكلات المصرية، كان المذاق أكثر من رائع، وشاهدت في أعين المدعوين الإعجاب بالأكل المصري والزحام الشديد للحصول على المزيد.
وجرى الوقت سريعًا مع أبناء الجالية المصرية، الذين حرصوا على حضور احتفال مصر وبيت المصريين في موسكو، السفارة المصرية، ومع السادة الدبلوماسيين والضيوف الذين كانوا حريصين على تبادل الحديث مع أبناء الجالية المصرية.
وأنا أعني كلمة بيت المصريين، فالسفارة المصرية حريصة على دعوة المصريين من أبناء الجالية لحضور المناسبات الوطنية والدينية.
فخور جدًا بمصريتي، وفخور جدًا بمكانة مصر الفريدة، وفخور بما وصلت إليه مصر من مكانة واحترام وتقدير دولي كبير.
وتحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر.