عاجل

 

هناك معارك لا تُخاض بالسلاح، ولا تُحسم بالدبابات، لكنها أخطر من أي مواجهة عسكرية، لأنها تستهدف عقل الإنسان، وتضرب منظومة القيم، وتهدم الأسرة من الداخل.
واليوم، أصبح أخطر ما يواجه المجتمع المصري ليس فقط الشائعات أو الحروب الإلكترونية، بل حالة الانفلات الأخلاقي التي فرضتها بعض منصات التواصل الاجتماعي، عندما تحولت في أحيان كثيرة إلى ساحات لتسويق الابتذال، ومكافأة كل من يبحث عن الشهرة بأي ثمن، حتى ولو كان الثمن هو الحياء، أو خصوصية الأسرة، أو احترام المجتمع.
كل يوم نستيقظ على مشهد جديد لزوجة لاعب، أو زوجة مشهور، أو أحد أفراد أسرته، يتصدر مواقع التواصل، ليس بعلم، ولا بإنجاز، ولا بعمل يخدم الوطن، وإنما باستعراض الحياة الخاصة، وإثارة الجدل، وتحويل الخصوصية إلى سلعة، وكأن قيمة الإنسان أصبحت فيما يثيره من ضجيج، لا فيما يقدمه من عطاء.
والسؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا بكل صدق…

أي قدوة نقدمها لأبنائنا؟

هل هذا هو النموذج الذي نريد أن يقلده أطفالنا؟ وهل الشهرة أصبحت مبررًا لإسقاط كل الضوابط التي تربى عليها المجتمع المصري؟

ثم جاءت المهزلة التي شاهدها المصريون أمام بعض لجان الثانوية العامة، حيث تحولت لحظات يفترض أن تكون عنوانًا للدعاء والسكينة واحترام المؤسسة التعليمية، إلى مشاهد رقص وصخب واستعراض، في صورة صدمت المصريين جميعًا.

لا أحد يعترض على الفرحة، فالفرحة حق، ولكن لكل مقام مقال، ولكل مكان حرمته، ولكل مناسبة احترامها. فالمدرسة ليست مسرحًا للاستعراض، كما أن نجاح الأبناء لا يحتاج إلى ضجيج بقدر ما يحتاج إلى قدوة صالحة ورسالة تربوية.

المؤلم أن كل من يعترض على هذه المشاهد يُتهم فورًا بأنه ضد الحرية، أو أنه متخلف، أو يعيش خارج العصر.

وأقولها بكل وضوح…لسنا ضد الحرية…ولكننا ضد الفوضى…لسنا ضد الفرح…ولكننا ضد تحويل كل مناسبة إلى استعراض.
ولسنا ضد التطور…ولكننا ضد أن يتحول الابتذال إلى بطولة، وأن يصبح الانفلات الأخلاقي وسيلة لجمع المشاهدات، وأن يختلط في أذهان أبنائنا معنى الحرية بمعنى غياب المسؤولية.

لا تتحدثوا عن الغرب… وأنتم لا تعرفونه

والمفارقة العجيبة أن البعض كلما طالبت بالحياء أو الاحترام أو الحفاظ على الأسرة، قال لك: “إحنا بقينا في 2026… شوف الغرب بيعمل إيه.”

وأنا أقول لهم: هل تعرفون الغرب الذي تستشهدون به؟
هل رأيتم كيف تتعامل الأسر العريقة، وكيف تفرض المؤسسات الرسمية، وكيف تُحترم المناسبات العامة؟

انظروا إلى حفلات الزفاف الملكية في بريطانيا، وإلى قواعد البروتوكول داخل الأسر الملكية الأوروبية. ستجدون أن الاحتشام ليس عيبًا، وأن الوقار ليس تخلفًا، وأن احترام المناسبة جزء من احترام الدولة.

في المناسبات الملكية لا يتحول الحفل إلى استعراض للجسد، ولا إلى سباق في لفت الأنظار، بل هناك قواعد صارمة للمظهر والملبس والسلوك، لأنهم يدركون أن الصورة التي يقدمونها لا تمثل شخصًا فقط، بل تمثل تاريخًا وأسرة ودولة.

الغرب الذي يستشهد به البعض لم يبنِ قوته على الفوضى، ولم يبنِ احترامه على الابتذال، وإنما بنى مجتمعاته على الانضباط، واحترام القانون، وصيانة الأسرة، والمحافظة على هيبة المناسبات العامة.

أما نحن، فتركنا أسباب التقدم، وتمسك بعضنا بأسوأ ما في وسائل التواصل، ثم أطلقنا عليه اسم “الحرية”.

وأتذكر موقفًا لن أنساه ما حييت…

في العام الماضي ذهبت مع شقيقي، الذي أعتبره والدي الثاني، وسندي بعد الله، وصاحب الفضل في تربيتي بعد والدي رحمه الله عليه .الى احدى الاماكن الساحلية وما إن دخلنا المكان حتى قال: “لن أجلس هنا دقيقة واحدة… الناس دي مش شبهنا.” ثم غادر فورًا، لأنه رفض أن يرى أبناءه وأسرته في مكان اختلطت فيه الحرية بالابتذال، وسقطت فيه هيبة الحياء.

وقتها أدركت أن الرجولة ليست كلمة تُكتب في بطاقة الرقم القومي، وإنما موقف، وأن التربية ليست كلمات تُقال، بل مبادئ تُغرس، وأن الأب الحقيقي هو الذي يحمي أبناءه من كل ما يفسد الفطرة ويشوه الذوق العام.

مجلس النواب أمام مسؤولية تاريخية

واليوم، أوجه نداءً صريحًا إلى مجلس النواب المصري…

لقد آن الأوان لأن يفتح البرلمان هذا الملف بكل شجاعة ومسؤولية، وأن يناقش حزمة من التشريعات الرادعة التي تحمي الأسرة المصرية من الآثار السلبية للفوضى الرقمية، وتواجه المحتوى الذي يحض على الابتذال أو يستغل المنصات للإساءة إلى منظومة القيم والأخلاق، مع احترام الدستور وحرية التعبير.

إننا بحاجة إلى ضوابط قانونية واضحة، وأحكام رادعة بحق كل من يتعمد نشر محتوى يسيء إلى الذوق العام أو يستغل الشهرة في الترويج لسلوكيات تهدد تماسك الأسرة والمجتمع، إلى جانب دعم برامج التوعية والتربية الرقمية.

فكما تضع الدولة قوانين لحماية الأمن القومي، وحماية الاقتصاد، وحماية الطفل، فقد آن الأوان أيضًا لإقرار تشريعات تعزز الأمن المجتمعي، لأن انهيار القيم لا يقل خطرًا عن أي تهديد آخر.

إن حماية الأسرة المصرية ليست مسؤولية الأب والأم وحدهما، بل مسؤولية الدولة بكل مؤسساتها، وعلى رأسها السلطة التشريعية، التي يقع على عاتقها سن القوانين التي تواكب التحديات الجديدة، وتحافظ على هوية المجتمع المصري وقيمه الأصيلة للأجيال القادمة.

إن الأمن المجتمعي يبدأ من بيت يعرف معنى الأب، وأم تعرف قيمة التربية، ومدرسة تُربي قبل أن تُعلم، وإعلام يقدم القدوة لا الإثارة، ومشاهير يدركون أن ملايين الأطفال ينظرون إليهم باعتبارهم نموذجًا.

أقولها بكل محبة لهذا الوطن…

ليس كل ما يُفعل يصلح أن يُعرض…وليس كل ما يُعرض يصلح أن يصبح قدوة.
وليس كل ما يحقق ملايين المشاهدات يستحق احترام المجتمع.

إن مصر كانت وستظل بلد القيم، وبلد الأسرة، وبلد الوسطية والاعتدال.

ولا يجوز أن نستسلم لثقافة تجعل التريند أهم من التربية، والشهرة أهم من الاحترام، والمشاهدات أهم من الأخلاق.

لقد حان الوقت أن يقول المجتمع كله بصوت واحد:

كفى…

كفى استهانة بالحياء…كفى عبثًا بعقول أبنائنا

كفى تحويل الأسرة إلى وسيلة لجمع المشاهدات …كفى تقديم الانفلات على أنه حرية…وكفى صمتًا على كل ما يهدد الأسرة المصرية.

فإذا أردنا أن نحمي الدولة، فلنبدأ بحماية البيت.

وإذا أردنا أن نحافظ على الوطن، فلنحافظ أولًا على الأسرة.

فالأسرة ليست مجرد رابطة اجتماعية… بل هي خط الدفاع الأول عن الأمن المجتمعي، وهي المصنع الحقيقي الذي يخرج المواطن الصالح. فإذا انهارت الأسرة، انهار المجتمع، وإذا ضاعت القيم، فلن تستطيع القوانين وحدها إصلاح ما أفسدته سنوات من الصمت.

حفظ الله مصر… قيادةً وجيشًا وشرطةً وشعبًا، وحفظ الأسرة المصرية، لأنها كانت وستظل سر قوة هذا الوطن، وحصنه الذي لا يجوز أن يُمس.

تم نسخ الرابط