عاجل

​إنّ مقاربة الظاهرة الرياضية المعاصرة من منظور التفكيك الفلسفي والتحليل البنيوي تقتضي منا ابتداءً أن نتحرر من إسار النظرة السطحية التي تختزل الرياضة في أبعادها الظاهرية أو حركاتها البدنية المجرّدة، إذ إن الفحص العميق لجوهر السباقات التنافسية يكشف عن بنية وجودية لصيقة بالفطرة الإنسانية في تطلعها نحو الحريةوالانسجام، وتحقيق الذات في فضاء محكوم بقوانين قد تعارف عليها الناس فيما بينهم، حيث كانت الرياضة في بدئها، وقبل أن تتغول آلة الرأسمالية المعاصرة، قيمة أخلاقية وكياناً معنوياً يرتكز على غاية أسمى وهي تجسيد التنافس الشريف في أنقى صوره الإجرائية؛ إذ يتساوى الجميع أمام العدالة  القانونية الحاكمة لقواعد السباقات والتنافسات، فلا فضل لذات على ذات إلا بما تقدمه من جدارة واستحقاق على رقعة الميدان، بيد أن هذا الوجود القيمي الأصيل تعرض، مع صعود العولمة المادية، لعملية تجريف أخلاقي ممنهجة، تحولت على إثرها المنافسات من فضاء قيمي مأهول بروح العدالة إلى سلعة خاضعة لقوانين السوق والاحتكار الحداثى المعولم، ولم يكن هذا التحول الأنطولوجي مجرد تبدل في آليات التمويل أو طرق البث، بل كان انقلاباً بنيوياً أعاد صياغة مفهوم العدالة الرياضية ذاته، حيث أُزيح الميزان الأخلاقي لتَحِل محله موازين القوى المالية والتشيؤات الاقتصادية، وأصبح المستطيل الأخضر، الذي كان يُفترض فيه أن يكون واحة للتكافؤ المطلق، مرآة عاكسة لاختلالات الجغرافيا  الدولية ولتوازنات الهيمنة في ابجديات الحداثة المعولمة تجاه الأطراف الهامشية، ومن هنا تبدأ أزمتنا في تحول القيمة إلى سلعة، وانحراف الميزان عن استقامته الفطرية.
​وهذا الانحراف يفرض علينا الارتداد بالتحليل إلى الجذور الفلسفية الأولى التي أصلت لمفهوم الميزان والعدالة، فعندما شيّد أفلاطون صرح جمهوريته الفاضلة، جعل من العدالة الركيزة الأساسية التي تضمن بقاء المدينة واستقرارها، وعرّفها تفكيكياً بأنها التناغم الوظيفي الذي يتحقق عندما يقوم كل جزء في البنية بالدور المنوط به طبقاً لطبيعته وجدارته، دون أن يتغول جزء على آخر أو يتجاوز حدوده المرسومة، فالعدالة عنده ليست فكرة نسبية خاضعة لأهواء البشر، بل هي حقيقة موضوعية متعالية، أشبه بالنسق الهندسي الصارم الذي يتسم بالاتزان والموضوعية، وإذا ما نقلنا هذا التجريد الأفلاطوني إلى الفضاء الرياضي، نجد أن المستطيل الأخضر يمثل في جوهره محاكاة تماثلية للمدينة الفاضلة، فالملعب هو المساحة الإنسانية الوحيدة في العالم المعاصر التي يُفترض أن تُعزل فيها الفوارق الطبقية، والعرقية، والأيدلوجية عزلًا تاماً؛ ليقف الجميع في خط بداية واحد، محكومين بقانون موضوعي موحد يسري على الجميع بمعيار هندسي لا يميل مع الهوى.والتناغم الرياضي هنا يتجلى في أن تؤول النتيجة النهائية لمن يستحقها جدارةً واستحقاقاً وفقاً لعطائه البدني وتميزه المهارى، فالعدالة الرياضية في منظورها الأفلاطوني تقتضي أن يكون الحكم والمنظومة المشرفة عليها بمثابة الفلاسفة الحراس في الجمهورية الأفلاطونية فى ذرى مثلها، أي كائنات متجردة من المصلحة الذاتية، مدفوعة برغبة مطلقة في صيانة التوازن ومنع أي تغول خارجي مالي أو جماهيري أو أيدلوجى يمكن أن يعصف بمعادلة التكافؤ، وعندما يختل هذا الميزان الهندسي، لا نكون أمام مجرد خطأ عابر، بل أمام هدم للبنية الأخلاقية للمسابقات التنافسية، وتحويل التناغم إلى فوضى، وتشويه للمثال المطلق الذي تنعقد عليه طموحات الجماهير والشعوب في رؤية عدالة ناجزة لا تشوبها شائبة.
​إن هذا التناغم الأفلاطوني المطلق ينقلنا بالضرورة من فضاء التجريد المثالي إلى فضاء الفلسفة السياسية والتعاقدية، حيث يبرز إسهام الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو الذي يؤصل للشرعية باعتبارها لا تنبع من القوة أو من الحق فى نسبية صورته، وإنما تتأسس على العقد الاجتماعي، وهو العهد الأخلاقي والقانوني الذي يتنازل بموجبه الأفراد عن جزء من حريتهم الطبيعية المطلقة لصالح إرادة عامة تجسد مجموع مصالحهم وتضمن لهم المساواة القانونية والمدنية، وفي النسق الرياضي المعاصر، يمكننا قراءة اللوائح والقوانين التأسيسية التي تصدرها الاتحادات الدولية وعلى رأسها الاتحاد الدولي لكرة القدم بوصفها العقد الاجتماعي الرياضي الأكبر، فقد ارتضت دول العالم قاطبة الدخول في هذا النسق التعاقدي، متنازلة عن إراداتها المنفردة لصالح سلطة مركزية تدير اللعبة، بشرط جوهري لا يقبل المساومة وهو أن تحمي هذه السلطة الإرادة العامة لعشاق اللعبة والهائمين بها فى مفهومها وماصدقاتها،و المتمثلة في صيانة تكافؤ الفرص وحيادية الإجراءات، وبناءً على هذا التأصيل، يصبح الحكم في الميدان ليس مالكاً لسلطة سيادية مطلقة نابعة من ذاته، بل هو وكيل تعاقدي مستأمن على تنفيذ بنود هذا العقد الاجتماعي، غير أن الأزمة البنيوية تظهر عندما تتحول السلطة التقديرية الممنوحة للحكم بموجب اللوائح من أداة لتطبيق روح العقد وفلسفته الإجرائية، إلى أداة ممارسة استبدادية إقصائية تتجاوز حدود التفويض الأخلاقي الممنوح له، إن انحراف الحكم عن الحياد، أو استخدامه للقانون بشكل انتقائي، يمثل فسخاً أحادياً للعقد الاجتماعي الرياضي؛ إذ يعود باللعبة من حالة المدنية القانونية المحمية بالإرادة العامة إلى حالة الطبيعة والتوحش التي يحكمها منطق القوة والغلبة للأقوى، وهو ما يهددأساس شرعية المؤسسات الدولية الراعية للسباقات  التنافسية برمتها.
​وحين نيّمّم وجوهنا شطر التحليل المؤسسي المقارن بنفَس المستطيل القانوني الصارم وبقراءة واعية للجغرافيا الأيدلوجية  المعاصرة، ندرك أن العولمة الرياضية فى ثوبها الحداثى وما بعده لم تكن حركة بريئة لتقريب المسافات بين المشارق والمغارب، بقدر ما كانت أداة من أدوات العولمة المتوحشة لإعادة صياغة المفاهيم الأخلاقية وربطها بآليات السوق والربح الاحتكاري، فقد تغلغلت العولمة في بنية الرياضة، فنزعت عنها قداستها الأخلاقية وحولتها إلى مسرح لتبادل المصالح الاقتصادية الكبرى، حيث تتداخل حقوق البث التلفزيوني العملاقة، والشركات العابرة للقارات، والإعلانات التجارية لترسم سياقاً جديداً للعدالة، وفي ظل هذا المشهد المعولم، لم تعد القوانين الرياضية تُطبق في فراغ، بل باتت واقعة تحت ضغوط تسليع العدالة، حيث نشأ في فضاء الكرة المعاصرة ما يمكن تسميته بالعلامات التجارية الرياضية الكبرى، وهي المنتخبات والأندية التي تمثل دجاجة تبيض ذهباً للشركات الراعية والمؤسسات المنظمة، فاستمرار هذه المنتخبات الكبرى في المونديالات والبطولات العالمية لم يعد مجرد مسألة رياضية، بل أضحى ضرورة اقتصادية حتمية لضمان تدفق المليارات وضمان أعلى نسب مشاهدة عبر أقطار الأرض، وهنا تحديداً يحدث الاختلال الفادح في الميزان؛ إذ تتولد ضغوط نفسية، وأيدلوجية، واقتصادية غير مرئية ولكنها نافذة ومؤثرة تعيد توجيه دفة القرارات لصالح المركز على حساب الأطراف، فالعولمة الرياضية خلقت نظاماً تراتبياً غير معلن، يقسم العالم إلى مركز يملك السطوة و(البراند) والقدرة الشرائية، وأطراف يُنظر إليها ككمبارس مستهلك أو كقوى صاعدة يُسمح لها بالبروز فقط في الحدود التي لا تهدد مصالح المركز الاقتصادى المعولم، وهذا الانحراف التشريعي والإجرائي هو النتيجة الطبيعية لسيادة قيم السوق على قيم الفطرة الإنسانية الحرة.
​إن الانتقال من نقد العولمة كفكرة إلى تقييم الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) كمؤسسة، يضعنا أمام تشريح بنيوي دقيق لظاهرة التفكك المؤسسي، فمن الناحية القانونية الصرفة، تقدم الفيفا نفسها كحارس للعقد الاجتماعي الرياضي العالمي، وتضع لوائح معقدة وتستحدث تكنولوجيات متطورة مثل تقنية الفيديو (VAR) بدعوى تحقيق العدالة الإجرائية المطلقة وتقليل الأخطاء البشرية، ولكن الواقع العملي يكشف عن انفصام حاد بين النص والتطبيق، فتضارب القرارات وازدواجية المعايير داخل أروقة المؤسسات النافذة وفي بطولات كأس العالم المتلاحقة لا يمكن تصنيفها كأخطاء بشرية معزولة أو هفوات تحكيمية عفوية؛ بل هي ظاهرة نسقية ناتجة عن خلل هيكلي في بنية المؤسسة نفسها، فعندما تغيب الآليات الحقيقية للمساءلة والمحاسبة، وتحتكر فئة قليلة داخل الاتحاد الدولي سلطة القرار وصياغة التوجهات، تنشأ أرستقراطية رياضية معولمة تدير اللعبة بعقلية الشركات الاحتكارية لا بعقلية المؤسسات القانونية الخدمية، وتجلى هذا التفكك المؤسسي في الطريقة التي تُدار بها التقنيات الحديثة؛ إذ تحولت تقنية الفيديو في كثير من الأحيان من أداة لإنقاذ العدالة إلى أداة لشرعنة الانحياز وإضفاء صبغة قانونية وتكنولوجية زائفة على قرارات جائرة، فالحكم يملك السلطة التقديرية المطلقة في العودة للتقنية أو التغافل عنها بناءً على حسابات وتوازنات قد لا تمت لروح اللعبة بصلة،  وفي توجيه القرارات التحكيمية الحاسمة، يعكس كيف وظفت البنية المؤسسية للفيفا القانون ليكون سيفاً مسلطاً على الأطراف، ودرعاً حامياً لمصالح الأقوياء في المركز الرياضي العالمي.
​ولكي لا يبقى حديثنا سابحاً في فضاء التنظير المجرّد، فإننا نتخذ من مباراة مصر والأرجنتين التاريخية وما شهدته من لغط تحكيمي صارخ مختبراً فكرياً ونموذجاً تطبيقياً فجاً تتجسد فيه كل الانحرافات البنيوية والمؤسسية التي أسلفنا ذكرها، فقراءتنا الفلسفية لهذه الواقعة تتجاوز منطق المشجع العاطفي المتباكي على النتيجة، لتغوص في سيكولوجية التحكيم المعولم وكيفية اشتغاله على أرض الواقع، ففي تلك المباراة، لم يكن الصدام مجرد مواجهة كروية بين أحد عشر لاعباً ضد أحد عشر لاعباً، بل كان مواجهة بين تاريخين وثقافتين وموقعين في خريطة العولمة الرياضية، فالأرجنتين، برمزيتها الكروية العميقة، ونجومها الذين يمثلون أعمدة في اقتصاديات الإعلان والبث العالمي، تجسد المركز الرياضي المعولم الذي يمثل مصلحة استراتيجية للمؤسسة الراعية وللشركات الرأسمالية لضمان استمرار الإثارة والتسويق، وفي المقابل، تمثل مصر القوى الرياضية الطموحة الصاعدة من الجنوب العالمي، والأطراف التي تسعى لإثبات جدارتها الوجودية عبر كسر احتكار الكبار، متسلحة بالتناغم الأخلاقي وبأدائها البطولي الفطري، وجاءت القرارات التحكيمية المنحازة بشكل فج لصالح فريق الأرجنتين لتكشف بوضوح عن سحق التناغم الأفلاطوني وخرق العقد الاجتماعي الذى وجد فيه جان جاك روسو بغيته وسلواه، فقد بدا الحكم في تلك الواقعة مدفوعاً سواء بوعي كامل ومصلحة مباشرة، أو تحت ضغوط الوعي الجمعي للعولمة وخوفاً من خروج البراند العالمي بضرورة توجيه المباراة في مسار يحفظ مصالح المركز، وإن التغاضي عن مخالفات واضحة للفريق الأرجنتيني، والتضييق الإجرائي على اللاعب المصري، واستخدام السلطة التقديرية بطريقة انتقائية، كان بمثابة إعلان صريح عن تهافت الميزان الموضوعي للقيم الأخلاقية الحاكمة؛ حيث لم تعد الجدارة الرياضية على أرض الملعب هي المحدِّد للنتيجة، بل توازنات القوة والهيمنة خارج الملعب هي التي أملت على الحكم صافرته الجائرة، فكانت تلك المباراة تجسيداً عملياً لكيفية تهميش العدالة الأخلاقية  وفق المصالح المعولمة.
​تأسيساً على ما تقدم من سياحة فكرية وتشريح بنيوي فلسفى وأخلاقى ، نخلص إلى أن أزمة العدالة الرياضية ليست أزمة تقنية يمكن علاجها بزيادة عدد الكاميرات أو بتعديل طفيف في صياغة القوانين؛ بل هي أزمة أخلاقية وحضارية عميقة تتعلق بفقدان الروح وتحول اللعبة من فضاء إنساني رحب إلى منظومة رأسمالية باردة ومتحيزة، والاستمرار في هذا المسار المنحرف يهدد بإنهاء شرعية المنظومة الرياضية برمتها، ويحول الشغف الإنساني الفطري باللعبة إلى حالة من الإحباط والاغتراب الأخلاقي لدى الشعوب، وإن المخرج الحقيقي من هذا التيه يستدعي موضوعية فكرية ومؤسسية شاملة تتضافر فيها الجهود لاسترداد أخلاقية اللعبة وإعادتها إلى أصلها الفطري القائم على العدالة المطلقة كقيمة كونية لا تقبل البيع، أو الشراء، أو المساومة الأيدلوجية، بحيث يتم أولاً تفكيك الاحتكار الأرستقراطي داخل المؤسسات النافذة، وإعادة بناء المؤسسات الرياضية الدولية على أسس  تضمن تمثيلاً حقيقياً وعادلاً لقوى الجنوب العالمي وأطرافه، بعيداً عن السطوة المالية للاقتصادات الكبرى، وثانياً إخضاع السلطة التقديرية للحكام لرقابة قانونية ومؤسسية صارمة ومستقلة، بحيث تصبح التقنيات التكنولوجية أداة علنية مكشوفة للجميع لا غُرفاً مغلقة تُدار فيها التوازنات والحسابات الضيقة، وثالثاً إعادة الاعتبار للرياضة بوصفها حقاً إنسانياً وفضاءً للترقي الأخلاقي والتثاقف الحضاري بين الأمم، لا مجرد استثمار تجاري يستهدف مراكمة الأرباح على حساب قيم النزاهة والشرف الرياضي، فإعادة التناغم الأفلاطوني وإحياء العقد الاجتماعي لروسو في الملاعب ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة حتمية لحماية الفطرة الإنسانية وصيانة إيمان الأجيال القادمة بقيمة العدالة؛ فإذا سقط العدل في فضاء اللعب والتسلية، فأي أمل يتبقى لنا في إقامته في فضاءات الحياة  المعقدة، إنها دعوة للتموضع الأخلاقي والمؤسسي، لكي تعود السباقات التنافسية كما بدأت قيمة متعالية قبل أن تكون سلعة فى أسواق الحداثة وما بعدها  .

تم نسخ الرابط