نعاه شيخ الأزهر.. من هو العارف بالله عبد الغفار أبو العيون؟
نعى الإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، العارف بالله الشيخ عبد الغفار أبو العيون، العابد التقي الورع، نجل الولي والعالم الأزهري الجليل الشيخ محمد إبراهيم أبو العيون، وكيل كلية أصول الدين الأسبق، وحفيدَ الولي الكبير والعالم الأزهري الجليل الشيخ محمود أبو العيون.
وتوجه شيخ الأزهر إلى المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يرزق أهله وذويه ومحبيه وتلامذته الصبر والسلوان. (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).
رمزا من رموز الأزهر في العصر الحديث
يعد العارف بالله الشيخ عبد الغفار محمد إبراهيم أبو العيون واحدا من أعلام الأزهر الشريف في العصر الحديث، وامتدادًا لسلسلة من العلماء والأولياء الذين جمعوا بين العلم الشرعي والتصوف.
نشأ الشيخ عبد الغفار أبو العيون، في بيت علم وصلاح، فهو نجل الشيخ محمد إبراهيم أبو العيون، وحفيد الشيخ محمود أبو العيون، أحد كبار علماء الأزهر ورموز الحركة الوطنية في ثورة 1919.
تولى الشيخ عبد الغفار منصب وكيل كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وأسهم في ترسيخ المنهج الوسطي للأزهر، جامعًا بين التدريس الأكاديمي والتربية الروحية.
وعرف بالزهد والورع، وكان له أثر بارز في تربية أجيال من الطلاب على قيم الاعتدال والتسامح، مما جعله رمزًا من رموز الأزهر الذين تركوا بصمة علمية وروحية في المجتمع المصري.
العارف بالله محمود ابو العيون
وعن جده العالم الجليل محمود إبراهيم أبو العيون، يقول الشيخ أحمد ربيع الأزهرى من علماء الأزهر والأوقاف، أنه ضرب أروع المثل في التضحية والفداء من أجل رفعة وطنه واستقلاله وكان آية في التسامح ورائد من رواد الوحدة الوطنية ومؤرخا للأزهر ومصلحا إجتماعيا.
ولد الشيخ محمود أبو العيون سنة (1300هـ=1882م) ، إلتحق بالأزهر الشريف سنة 1313هـ، وتعلم على يد أكابر أهل العلم في زمانه حتى تمكن من علوم الأزهر ونال العالمية سنة (1326 ه ـ 1908 م)، وتدرج في الوظائف داخل الأزهر حتى وصل إلى وظيفة السكرتير العام للأزهر وظل به حتى توفي.

وكتب الشيخ أحمد ربيع الأزهري، عبر صفحته على فيس بوك، تحت عنوان «الشيخ محمود أبو العيون الوطني المصلح»: نريد أن نبرز بعضا من فضائل هذا المصلح الكبير لنقدمه لمصرنا كنموذج للعالم المنافح عن تراب وطنه ووحدة أبنائه والمصلح لأي خلل قيمي يغير هُويته.

فقد لعب دورا وطنيا أثناء ثورة 1919م حيث كان من قادتها وخطبائها كما نظم مع زميله الشيخ «مصطفى القاياتي» حكومة مستقلة في قلب القاهرة؛ يخضع لمشيئتها الوطنيون، ولا يعترفون بالحكومة الخاضعة لسلطان الإنجليز بأية قيمة أو وزن، وقد أصبح الشيخ «محمود أبو العيون» حكمدارًا للعاصمة، وكان مقر منصبه مسجدَ «المؤيد»، ومنه تصدر بين الحين والحين القراراتُ، والتعليمات، والتوجيهات؛ فينقلها الناس، وينفذونها في رضا واطمئنان، وهي حكومة ليس لها دواوين، ولا عمال، ولا موظفين، لكن كان سلطانها أقوى من كل هذا، لكونها تعبر عن أحلام الشعب، وتسعى نحو عزته وكرامته، ومع اندلاعِ ثورةِ 1919م لجَأ المستعمرُ إلى محاولة الوقيعةِ بين المسلمين والمسيحيين.

وأضاف ولكنَّ الشيخَ محمود أبو العيون أقْدَمَ مع مجموعةٍ واعيةٍ من شيوخِ الأزهرِ الشبان على خطوةٍ رائعةٍ كان لها أكبرُ الأثرِ في الاحتفاظِ بوحدةِ العناصر المصريةِ كلها، فأسرعوا إلى الكنائسِ يخطبون بها وفتح الجامع الأزهر ومساجد القاهرة للقساوسة ليخطبوا في الناس مما كان له أبلغ الأثر في غلق الباب أمام الفتنة . مما أدى إلى اعتقاله في رفح وقصر النيل. وعلى الرغم من شبابه وفتوته إلا أن كان رجلا حكيما يراعي مصالح الناس، فأثناء ثورة 1919م قرر التجار إغلاق متاجرهم إحتجاجا علي أعمال السلطة الإنجليزية حتي كسدت التجارة وتعطل العمل والعمال، وكادت تعم الفوضي بين الناس.

فقام الشيخ أبو العيون بالصعود علي منبر الأزهر وقال: أيها الناس، إن الإضراب معناه التعبير عن الاستياء من حالة قائمة، وقد عبرنا عن استيائنا بما فيه الكفاية، وقد فهم الانجليز بوضوح ما قصدناه، ولذلك رأيت أن أعلن من هذا المكان ضرورة فتح الأسواق والمتاجرغدا، وليعلم الحاضر منكم الغائب أنني أنا محمود أبو العيون قد أخذت عشرة آلاف جنيه من التجار الوطنيين رشوة لكي نفتح المتاجر غدا!، فصاحت الجماهير: نحن ننزهك عن الرشوة، ونوافق علي فتح الأسواق غدا، وتم فتح الأسواق، وهذا سلوك العالم العاقل الحكيم الذي يحفظ حركة الحياة من التوقف ويحافظ على مصالح الناس وقت الشدائد ويرفع عنهم الحرج عند النوازل.

ولفت الشيخ أحمد ربيع الأزهري، في مقاله الذي نشر عبر صحيفة الأهرام عام 2019م، إلى أن الشيخ محمود أبو العيون كان رائدٌا عُرِفَ بالجَهْرِ بدعوةِ الإصلاحِ الاجتماعيِّ في ميادينَ متعددةٍ أبرزها الدعوة إلى تحريمِ البِغَاءِ، وقد أثار ضَجَّةً عظمى بكتاباتِه، فقد ظلَّ يُهاجمُ هذا القانونَ الذي أصدرَه الاحتلالُ البريطانيُّ بإباحةِ البِغَاءِ،وقام بجولات في الأحياء التي يوجد بها أماكن هذه الفاحشة ، وأحصى ضحاياها ، والمنتفعين منها، كما طلب من الأطباء الحديث عن مآسي البغاء وأمراضه، ثم طلب من الاجتماعيين معالجة الوضع بعد الإلغاء. وقد أحدثت مقالاتُه "مذابحُ الأعراضِ" أثرَها وانتهت بعد كفاح طويل إلى صُدورِ قرارٍ بألغاء البغاء الرسمي في عام 1367هـ = 1948م.

وكان قمة في التواضع يحب مخالطة الناس ويقول عن ذلك في حديث صحفي له: (لقد آليت علي نفسي ما دمت حيا ألا أحرمها متعة ركوب الترام والمترو، ولأن ذلك يتيح لي الإختلاط بعامة الشعب الذي نشأت فيه، ولو أصبحت في أكبر المناصب، ويعجبني في هذا المجال المثل الشعبي الصادق الذي يقول: من فات قديمه تاه. انني لم أنشأ غنيا حتي أحشر نفسي ظلما في زمرة الأغنياء.)، ومع هذا التواضع الجم إلا أنه كان معتز بنفسه وبكرامته ففي عام 1946م، وقعت مظاهرة لطلبة المعهد الديني ضد رئيس الحكومة النقراشي باشا، ووقعت عمامته على الأرض فحتج على النقراشي باشا، وإنذاره بان طربوشه بعمامته، فما كان من النقراشي إلا أن قدم له الإعتذار في مأدبة غداء أقامها لهما أحمد عبد الغفار باشا ليزيل آثار هذا الموقف غير المقصود.
وقد ترك مجموعة من المؤلفات منها: كتاب "مذابح الأعراض" ، و كتاب "صفحة ذهبية في البغاء" كما ألف كتاب "السيرة النبوية" مشاركة مع الشيخ محمد الحسيني رخا (مراقب الآداب بالمعاهد الدينية سابقا ) المقرر على المعاهد الأزهرية ولقد وقفت على كتاب يجمع الجزء الثالث والرابع الطبعة الثالثة عشر الصادرة سنة 1375هـ = 1956م ولدي نسخة منه في مكتبتي.

"وقد توفي رحمه الله يوم الثلاثاء 28 صفر 1371 ه ـ 20 نوفمبر 1951 ، في حادثةٍ أليمة، حيث صدمه المترو، وشيعت جنازته في اليوم التالي في موكب رهيب إلى الأزهر الشريف، كما صلى عليه طلاب المعاهد الدينية صلاة الغائب.
ولقد رثاه رفيقه الأستاذ زكي مبارك في قصيدة جاء فيها:
أموجُ البحرِ قد فاضت عيوني * على الشيخِ الجليلِ أبي العيون
مَضَى في لحظةٍ كالبَرْقِ يَسْرِي * إلى الآباء من قِمَمِ الجِبالِ
لقد وَلَّى سَريعاً في ثوانٍ * مَضَتْ كالوَهْمِ في صُنْعِ الخَيَالِ
كما رثاه الشيخ عبد الجواد رمضان بقصيدة قال فيها :
شيعوا كواكب التقى والرشاد * وطووا راية الهدى والجهاد
حين قالوا : أبو العيون تردى * فجعت أعين العلا في السواد
قائد مات، والبلاد جنود * تأثرت ، ترنو إلى القواد